عدنان عادل: أشرعةٌ في الرأس والدَقّلُ منفى

 

عدنان عادل

 

إلى جميع نزلاء دور المسنين في بلجيكا أهدي روح هذه القصيدة

 

في هذا الصيف،

قبلَ ذكرى الحرب العظمى بيومين،

ضاجعتَ أجملَ عجوز في دار العجزة.

أصلحتَ ثلاجتها وافرغتها من النبيذ الأبيض،

لكنكَ لَم تغادر!

 

*

رأيتَها كيف تتشبث بشراعِ حياتها المفرود،

آلمَكَ ذلك.

رغبتَ في ملأ الثلاجة بسعاداتكَ الفائضة،

وفي رفع الشراع على عجلٍ

أو ثقبه بثقوب كبيرة كعينيها حينما نظرتْ إليك.

ألهذا الحدَ يضجركَ منظر الأشرعة المفرودة ؟

 

*

أعدتَ الحياة

إلى أرضٍ لَم تطأها قَدمٌ منذ الحرب الباردة.

هي التي روت لكَ قصة حُبها المعتَّق واختبائها

مع حبيبها الصغير في أكوام القشّ

وداخلَ براميل الجِعَة في قريتها الصغيرة :

“كانت صواريخ النازية تسقط على حقولنا كالغربان”، كانت تقول.

تلفظ نهايات الجُمل بعينيها،

بيدها المرتجفة تمسّدُ صاروخكَ الشيوعي

وتَمدح بغنجٍ الجيش الأحمر.

“ملعون! تفهم جيدًا لغة العيون”، قالت ذلك بعينيها أيضًا.

 

*

قَعقَعة البلاط الخشبي،

واصطكاك اسنانها المتروكة في الكأس.

ثغائها الهرموني الذي كان يعبر عن الرضى

تحتَ تقلباتكَ البهلوانية.

 

*

لقد رُفِعَت المرساة في قلب السرير دون أن تدري،

وأفّرَد مجهولون الأشرعة في غفلة منكَ.

ناجيتَ كثيرًا وبكيتَ، بكيتَ كثيرًا وناجيتَ :

“مِرساة في القلب، أشرعة في الرأس والدقّلُ منفى”.

 

*

الفحوى:

أن كيلوغرامًا واحدًا من الوداع أصبح بفلسٍ

ولقاء بنفس الوزن أصبح بسنت.

الابتذال إرضةٌ تفتك بحُريةِ الحُرية

وتنخر حتى أحاسيس الموتى.

 

*

فمها الفاغر ظلَّ على حاله :

مغارة تغادرها حشرجات آخر الظلال المدفونة فيها.

لَم ترَ من قبل عينًا ميتة بنظرةٍ معقوفة

ولا شفّة مَزمومة توحي بهذا القدر من الوداع.

أرعبتكَ الابتسامة المنسية في مدخل المغارة.

المنسيّ من الأشياء ؟ أمازلتَ تخشاها ؟

أنتَ الباحث عن لؤلؤة منسية في قاعها،

ستطبق محّارها على أصابعكَ المتلهفة

إن لَم تراع حرمة الموتى.

 

*

حان الوقت لأن تمدَّ يدكَ تحت الوسادة

وتفرّ بالأوراق النقدية الملفوفة بعناية

بمنديلٍ مُطَرّزٍ بالأغصان وبالأمنيات المورقة.

 

*

قبضتها المُتخشبة تأسر حبًا،

اصبعها المضموم على خاتم ذهبي يحمل قصصًا.

لكنكَ مُصلّح ثلاجات شريف،

ومثلكَ لا يمس ذكريات الموتى.

 

*

وقبل أن تصفق الباب ورائكَ،

تلتفتُ التفاتة هوليودية

متظاهرًا بلمس مقدمة قُبعة وهمية

بأصابعكَ المُعطّرة بلُعاب المحّار.

تلقي آخر نظرةٍ على ابتسامةٍ يابسة :

ساق نبتةٍ ممدّدةٍ على سريرٍ من السراب.

 

*

من أين تعلمتَ كل هذه الأناقة ؟

 

20.06.2019

بروكسل

عدنان عادل: شاعر وكاتب من مواليد كركوك-عراق، مقيم حالياً في بلجيكا.

[email protected]