“عروسة” قصة قصيرة للكاتبة العراقية ياسمين حنّوش

ياسمين حنّوش

كان حلم مريدة الأكبر هو أن تصبح عروسة.

عادة ما كانت تجيب الضيوف والأقارب حين يلاطفونها بذلك السؤال الشائع: ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين؟

– عروسة!

يبتسمون أو يتضاحكون أما هي فتمسد شعر دميتها وتسترسل بخيال طافح بالإثارة والانفعال. ستكون عروسة جميلة تبهر جمهوراً كبيراً من الضيوف وتباغته بطلّتها الفاتنة، جمهوراً يتمتم بدهشة تحت أنفاس متقطعة “انظر! أصبحت مريدة معاد عروسة!”. تحدق طويلاً بصورة عرس الأم والأب المنتصبة على سطح خزانة غرفة الضيوف، فوق الرفوف الزجاجية وأكواب الكريستال. تتأمل الفستان الأبيض السبعيني على جسد والدتها النحيل وتقارنه بالفستان الفاخر الحديث الذي سوف تصممه بنفسها وتطلب من خياطة الحي أن تجهزه لها وتطرزه بالأحجار اللماعة. على أوراق دفتر الرسم تخطط تصاميم الاكليل والمجوهرات التي سترتديها وتجرب تلوين باقة الورد التي ستحملها يوم العرس بألوان مختلفة كي تقرر أي الألوان هو الأنسب مع المجوهرات الذهبية والفستان الأبيض ذي الذيل المتلألئ الطويل. تلبس وتنزع دميتها فساتين العرس التي خاطتها لها بمساعدة أختها الكبيرة نازدار. وتبتسم في سرّها: ستكون أجمل عروسة في خرابازار!  

في يوم ليس ببعيد عن تلك الأحلام، حلّ على دار مريدة ضيوف من نوع آخر، ذلك النوع الذي صار يصيبنا بالهلع. حلّوا في يوم لم تكن مريدة قد عهدت فيه تلك الفواجع بعد. لم ترتعب. كل ما في أول الأمر هو انهم رمقوها بنظرة غاضبة ولم يبتسموا البتة. ولم يسألوها ماذا تريد أن تصبح حين تكبر.  

اختفت لأربع سنوات منذ تلك الزيارة ثم عادت دون حلمها. عادت ببطن متكورة، تحمل رضيعاً بيد وتجر طفلة في حدود الثانية من العمر باليد الأخرى. هربت من باغوز، آخر معقل لدولة الخلافة.

عادت في الخامسة عشرة من عمرها، مشياً على الأقدام.

  وكان مئة وأربعة وثلاثون ذكراً قد افترسوا حلم عرسِها هناك.

 

من مجموعة “أطفال الجنة المنكوبة”

كاتبة وأكاديمية عراقية،

[email protected]