علي بدر : فصل من روايته الجديدة “الكذابون يحصلون على كل شيء”

علي بدر مجلة كيكا للادب العالمي 7
علي بدر Ali Bader

ما لم يقله ماركس فعلاً
ليس للمجموعة قلب واحد يخفق. لكن اللغة توحدهم على إيقاع كلمات بعيدة، وألحان جنونية. في أعماقهم هذا الفراغ الكبير، نافذة بلا أكرة تصطفق. ريح تصفر، وطواط يلامس وجوههم. والقلب يخفق، ويخفق، ويخفق. عماذا يبحثون؟ لم لا تفكر بهم العاصفة، ولا المدينة، ولا الأبواب، ولا الفناءات.
ما الذي يوجد هناك، في الجزء الأسفل من المدينة؟
– شخص أطلق رصاصة على رأسه.
– أين؟
– في تلك الخمارة …
– شخص ما انتحر هناك …
-انتحر أم كان يلعب؟
من النافذة فتاة تمشي وحدها في الليل. فتزدحم وجوههم على النافذة تبحث عن أمل ما. ابتسامة عابرة. عن بريق، عن ومضة.

*

رفع يده النحيفة والقوية مثل يد حطاب، وقال: “الكذابون يحصلون على كل شيء”. كان جالساً على أريكة قديمة من الجلد الأسود، وقدماه على سجادة تركية حمراء غطاها الغبار بسبب الأقدام المتسخة. “ماركس قال هذا…” أردف بصوت خافت وهو يطلق دخان سيجارته في الهواء.
يسمونه الاستاذ، لأنه كان معلما في الأرياف في بلده، وقد وصل هنا طالباً اللجوء السياسي من السلطات، مدعيا أنه كان شيوعيا في الماضي، وقد تعرض للاضطهاد، ولكنه لم يحصل عليه، ببساطة لأنه لم يثبت أنه سياسي في أي يوم من الأيام، سوى إصراره على تلفيق جمل لم يقلها ماركس بحياته أبداً.
وعلى الرغم من أمر الشرطة الصريح بترحيله خارج البلاد إلا أنه لم يغادر وبقي متخفياً بأوراق مزيفة وباسم مزيف، لم يستخدمه على الاطلاق، بل عرف بالاستاذ ، بين أصحابه، وحتى مع المجموعة الغبية التي عمل معها في التهريب، فبسبب عدم قدرته على العمل القانوني انتهى به الأمر إلى العمل في التهريب مع عصابة غير محترفة أبداً.
جلال وحده الذي يعرف أن الاستاذ ليس ماركسياً حقيقياً، بل هو خليط من كل شيء، متدين ومهرب، شريف وخاطيء، نبيل وكذاب، ولكنه غير محظوظ بالمرة، والأكثر من هذا أنه لا يعير الأفكار أهمية على الإطلاق. ولكنه إذا أراد أن يؤكد شيئاً على أنه حقيقة يقول:
” ماركس قال هذا، والله وشرف أختي ماركس قالها”.
-ماذا؟ قال له جلال مستغرباً، وكان يريد أن يعرف فيما إذا كان ماركس قال فعلاً هذه الجملة أم لا.
قال لجلال مؤكداً، وبشيء من الغضب أيضاً : ” قلت لك ماركس قال هذا…وشرف أختي قالها”
– أين؟ لم أسمع بهذا أبداً؟
– هل كنت مع ماركس حتى تعرف كل ما قاله في حياته؟
– لا ولكن هذه جملة ممكن أن يقولها آل باتشينو في فيلم من أفلام هوليوود وليس ماركس ..!
– اسكت! أنت تدعي دائماً بأنك أفهم شخص، هنا، في هذا المكان، وهذا يثير حنقي حقاً..
لفظ الاستاذ هذه الجملة بحدة وتوتر، أسكتت جلال الذي كان منشغلاً بإصلاح راديو قديم، مغطى بغطاء بلاستيكي رخيص أحمر اللون، وقد اسودت مفاتيحه من طبع الأصابع غير النظيفة عليه.
لم يرق له أن جلال غير مصدق له، فنهض من مكانه، متصنعاً تذكر الحادثة:
– اسمع قالها ماركس لإنجلز …على ما أتذكر …ربما كان يتحدث معه عن ثورة 1884، لا أعرف بالضبط أين قرأت هذا ولكني متأكد!
قال الاستاذ هذه الجملة وقد بدا واثقاً بشكل أعمق إلى درجة أن جلال لم يفتح فمه، ولكن المصارع الأصلع والذي تغطي يديه وشوم كثيرة، وهو في العادة لا يتدخل في هذه الأشياء، حين سمع الرقم، ظنهم يتحدثون عن المال، فسأل:
– “كم ؟ قال له الاستاذ :
– اسكت انت حمار حتى لا تعرف من هو ماركس.
– بلى أعرفه…لديه لحية تشبه لحية الحاج فؤاد.

*

كان نهاراً ماطراً في بروكسل، وقد بدا مشهد المدينة، في ذلك اليوم الشتوي البارد، من خلال نافذة الشقة التي تقع في حي المهاجرين كئيباً، رمادياً، ورطباً. بل بدا كل شيء في المشهد قد سبح تماماً بالماء: المحلات، الشوارع، وجوه العابرين، السيارات، الأشجار، مكبات الزبالة، كراسي الخمارات المنصوبة على الرصيف، أما النساء اللواتي يرتيدن المعاطف المطرية والمظلات فكن يمشين بهدوء ليصلن محطة مترو “بورت دو نامور” من جهة جادة إكسل، بينما يركض الآخرون ويحتمون بالأفاريز ومظلات المحلات في محلة بونيفاس.

*

نهض جلال من مكانه، ارتدى جاكيتة سوداء سميكة، كانت قد أهدتها له عاملة إغاثة قبل عام، وقال أنه خارج من المنزل سيعود لهما في الليل.
– إلى أين؟ سأله الاستاذ ظنا منه أنه غضب بسبب الاختلاف حول مقولة ماركس التي ألفها تلك اللحظة.
– لدي موعد في الخمارة الروسية …قال جلال.
– ههه…انتبه جيداً فهؤلاء أوغاد.
– طيب.
قبل أن يخرج جلس جلال على الأريكة وارتدى جواربه الصوفية على حذاء من ماركة (اج اند ام) اشتراه قبل عامين من أرخص محل في جادة أكسل، يقع هذا المحل قرب محل البيتزا الذي تعرف فيه على الاستاذ .
وقبل أن يخرج ترك خمسة يورات على الطاولة ثم التفت لهما مسلماً بقبضته، رفعا القبضتين له دلالة على القوة، فتح الباب وأغلقه وراءه، فسمعا صوت أقدامه على السلم.

*
الواقع كان جلال قد تعرف على الاستاذ قبل عامين، حينما اشترى قطعة بيتزا نابوليتاني بثلاثة يوروات من محل بيتزا هوت القريب من مكتب البريد ومحلات (أج اند أم) السويدية للملابس في جادة أكسل، الجادة التي تؤدي إلى ساحة فلاجيه حيث عاد تواً من مكتب المساعدات الاجتماعية، وقد شعر بالجوع وهو في الطريق إلى منزله. حين مر من المكان شم رائحة البتزا الساخنة التي تنبعث من القطع الموضوعة في صوان كبيرة تحت نار هادئة، خارجة من كشك صغير في مقدمة المطعم، وهنالك عاملة ترتدي شعار المطعم وتبيع البيتزا على شكل قطع، بثلاثة يوروات للمشاة والعابرين في الشارع.
توقف جلال أمام المحل. كان قبله في الدور شابتان بلجيكتان ترتديان الجينز وتتحدثان باللغة الفلامانية، لغة الجماعة الأثنية التي تقطن شمال بلجيكا، وعند البائعة شابة في الثلاثين من عمرها من أصول أفريقية لها مؤخرة كبيرة، تشتري البتزا وهي تتكلم بالتلفون بالفرنسية من دون لكنة. ولكن بصوت عال أزعج الجميع. وإلى جانبه شاب نحيف، أسمر، لا يعرف أين رآه فيما مضى.
*
نظر له بطرف عينه ليتفحصه، من الأعلى للأسفل، كان هو الاستاذ ذاته، له وجه أسمر بشاربين رفيعين وعينين ذكيتين. عمره لم يتجاوز الثلاثين بعد، يرتدي ملابس أنيقة جداً. اشترى هو الآخر بيتزا أربياتا من البائعة، نقدها ثلاثة يوروات، وتسلم القطعة ملفوفة بالكلينكس، رفعها بيده وأخذ يقضم طرفها بأسنانه، بينما تعلقت قطعة من الجبن الحارة في شفته حركها بأصبعه وأعادها إلى فمه، في تلك اللحظة نظر أحدهما للآخر، فابتسما في وقت واحد.
-أين رأيتك من قبل…؟ قال الاستاذ ولقمة حارة في فمه يديرها من جهة إلى أخرى ويسمح للهواء في الدخول إلى فمه لتبريدها.
– لا أعرف وكأني أنا أيضا رأيتك فيما مضى! قال جلال.
ثم تذكره الاستاذ:
– تذكرت رأيتك في مكتب اللاجئين!
– آه نعم أنا أيضا تذكرتك كنت تثير المشاكل مع المسئولين…
لم يعلق الاستاذ على جملة جلال ولكنه سأله وهو مستمر في الأكل:
– هل قطعة البتزا التي عندك لذيذة؟
– آه نعم إنها لذيذة!
– ما نوعها؟
-نابوليتانيَ
نظر له الاستاذ وقال جاداً:
-اعطيك عضة وتعطيني عضة؟
قدم لجلال قطعة البيتزا ليقضم منها، بينما قضم من جلال قطعة صغيرة وقال بصوت مسموع:
-أممممممم انها لذيذة أفضل من التي عندي، العربياتا لاذعة وأنا غير متعود على الطعام اللاذع لا أعرف لم أخذتها، كان عليّ ان اعرف ان كل شيء فيه عرب نهايته سيئة.
-أعرض عليك صفقةَ! قال الاستاذ لجلال.
-ما هي؟ قال جلال وهو مستمر أيضاً بالأكل وبمسح فمه بالكلينكس.
-اعطيك قطعة البيتزا خاصتي مع يورو وتعطيني القطعة خاصتك..وأخرج يورو من جيبه وأراه على راحة يده لجلال.
ضحك جلال ومن دون تردد أخذ اليورو ووضعه في جيبه، ثم تسلم الأربياتا، وناوله قطعة النابوليتاني، وأخذا يأكلان وهما يسران معاً.
-هل حصلت على اللجوء؟ قال المعلم لجلال وهما يعبران الشارع باتجاه ماتونغة حي الأفارقة في أكسل.
-نعم!
-آه يالك من محظوظ! ثم ركضا قبل ان يشتعل الضوء الأخضر متفادين سيارتين واحدة فيات، والأخرى مرسيدس سوداء قادمتين بسرعة، ومتجهتين إلى الشمال.
-وأنت؟
-لا، في الواقع رفض طلبي، وأنا إلى الان من دون أوراق رسمية، ولكني تدبرت حالي.
-كيف؟
-بأوراق مزيفة.
-آه أين؟
لم يجبه الاستاذ، ولم يقل له أن هنالك تركي في كولونيا يعمل في تزوير الأوراق الرسمية، وقد زور له هوية وجواز سفر، بهما فلت من الشرطة عشرات المرات.

*
عبرا الشارع حيث وصل الاستاذ قريباً من منزله، جعلق ورق الكلينكس الذي كان يمسك به البيتزا بيديه، مسح به فمه، وذهب ليرميه في الحاوية، كانت هنالك قطتان قريبتان من المكان تنظران بحذر إليهما، ومجموعة من علب البيرة الفارغة الساقطة إلى جانب الحاوية. حيث يبحث سكران عن بعض القناني ليبيعها ويشتري بدلها الكحول من الدليز، السوبر ماركت القريب من البوتانك.
حين عاد الاستاذ إلى جلال قال موجهاً الكلام له، وقد أشار إلى القطتين الرماديتين.
-هاتان قطتان مسلمتان.
-ماذا؟
-أقول لك هاتان القطتان مسلمتان، خرجتا من منزل ذلك المغربي، وذلك الهر هل تراه؟
-الهر؟
-نعم ذلك الهر…
أشار بيده إلى زاوية الشارع حيث كان يقبع هر نظيف وجميل..
-ذلك مسيحي يعود لمنزل البلجيكي المقابل لبيتنا.
-القطط هنا متسامحة جداً، لا يهمها مسيحي أم مسلم فقد سمحت هذه القطة المسلمة لذاك الهر مرة بركوبها شاهدتهم بعيني…انهم أفضل من البشر ثم بصق على الأرض.
ركض الاستاذ ليصعد السلم إلى شقته، بينما ركب جلال الباص متجهاً إلى السنتر حيث البار الذي يلتقي فيه بعض المشاغبين الروس.

*

هبط جلال من السلم فصار في باب العمارة في شارع دولابيه في ماتونغة وهو حي الأفارقة من ضاحية إكسل في بلدية بروكسل، وقد سمي على اسم حي صغير في كينشاسا، وقد قطنه الطلاب الأفارقة في الخمسينيات، وأنشأت فيه بعض الدوائر الاستعمارية.
سار على الرصيف وهو يرد ياقة جاكيته على عنقه حيث نسمة باردة تلفح وجهه، وحين نظر إلى اليسار شاهد في الزاوية كيساً أسود تظهر منه علب بيرة فارغة، وعلى الرصيف، أمام البقالة التي تبيع مواد المطبخ الأفريقي، خراء كلاب قوية الرائحة. ثم سمع سعلة غامضة خلفه وهو يعبر الشارع إلى الجهة الأخرى، وامرأة تتكلم في الموبايل.
سار جلال على هذا الرصيف حيث سار فيما مضى الخدم السود القادمون من المستعمرات الكونغولية بوجوه حزينة وقلوب يملؤها الغل. توقف قليلا، أخرج علبة سجائره، تناول سيجارة ووضعها في فمه، أشعلها ونفخ الدخان في الهواء. كان يفكر بأشياء عديدة، الشيء الأول هو عبارة الاستاذ التي لفقها لماركس، ومن ثم تساءل مالذي يعرفه الاستاذ عن ثورة 1884، حيث تذكر أنه قبل أيام قد ذكر عرضاً هذه الثورة أمامه، وهكذا فقد أعادها عليه وبهذه الطريقة البهلوانية …ابتسم، لم يكن الأمر يغيظه قدر ما يجعله يبتسم ويتسلى. وحين صار أمام منزل الطلاب الأفارقة المتأثرين بباتريس لومومبا والذين سكنوا هنا في هذه الدار القديمة التي تطل على شارع وافر، قال في نفسه:
“ربما كان هنا باتريس لومومبا نفسه أيضاً، كان هنا في هذا المكان، وربما قرأ في الخمارة هذه، أو هذه أو هذه… البيان الشيوعي لماركس! وربما سكن أيضاً قاتلوه ذوو الرؤوس الشقر والعيون الزرق أو الخضر في هذا المكان أيضاً! وقد ترددت هنا حتماً نساء الموظفين الاستعماريين في “بيت التدريب” قبل التحاقهن بأزواجهن في المستعمرات”.
– كلهم كانوا هنا! هكذا قال جلال في نفسه وهو يسير في هذا الشارع:
“الباحثون الأوربيون عن العاهرات السوداوات، طالبو الحشيش، سارقو الطعام، السكارى، الهيبيون، وربما حتى ماركس قد جاء هنا في القرن التاسع عشر هنا، حين التجأ إلى بروكسل ليكتب الجزء الثالث من كتابه رأس المال….”
-آه لو يعرف الاستاذ منزل ماركس القديم حيث قطن هنا ليكتب “رأس المال”، وحيث خان جيني زوجته مع خادمته… لقرع رؤوسنا بهذه المعلومة، فهو كلما سمع شيئاً عنه، ردده أمامنا مثل الببغاوات! كأنه يريد أن يثبت لنا، لا للشرطة، أنه كان سياسياً وملاحقاً في بلده. ولكنهم وجدوه الشخص الأبعد ما يكون عن هذا الأمر، فهو يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون سياسياً، فرفضوا أن يعطوه اللجوء السياسي، ولكنه ومنذ ذلك اليوم أخذ يردد أي عبارة مهما كانت، ويقول:
“ماركس قالها”.

*

رأى جلال وهو يسير في الحي، تدفق الأفارقة يوم السبت، تدفقهم من مولات كبيرة، دخولهم إلى مقاه تشبه تلك الموجودة في القارة البعيدة، مطاعم أفريقية تنبعث منها رائحة شواء اللحم، متاجر للمجوهرات، صالونات حلاقة للنساء حيث تقوم واحدة بظفر الشعر مثل حصيرة، محلات بقالة الكاسفا والباميا اليابسة والزوان…وصحف تتحدث مانشيتاتها عن ارتفاع نسبة الجريمة في ماتونغة، عن عمليات الاعتداء على الشرطة، وأجواء عنف ودعارة ومخدرات.
عبر الشارع إلى البور دو نامور، حيث كانت السيارات متوقفة في الطريق والقطط نائمة خلف إطاراتها تراقب الأحذية التي تمر، تراقبها بحذر وكسل وبتسلية أيضاً، الأقدام، البنطلونات، والسيقان الهابطة من التنورات التي تسير بثبات في هذا الشارع.
ذهب إلى الرصيف الآخر كان هنالك شخصان أفريقيان يتخاصمان، احدهما يرتدي قبعة كوبوي والآخر كاسكيت أمريكي أشبه بلاعب بسبول، وعلى مقربة منهم شخص يعزف على الغيتار أغاني الرغي لبوب مارلي وقد فرش كوفية على الأرض لتلقي الصدقات. في الزاوية سكران شبه نائم قربه قنينة كحول. صلاة جماعية في الكنيسة، شاحنة بيك آب تحمل أثاثاً شبه متداع تقف أمام عمارة من ثلاثة طوابق، وعلى البلكونة أطفال سود يراقبون، وأيديهم على حبل غسيل، علقت عليه كالسونات، سوتينات، وقمصان نوم.
ترك جلال ماتونغة وراءه وانطلق نحو السنتر، متوجهاً إلى البورصة حيث يقع بار المشاغبين الروس، أو كما هو هو اسمه بالفرنسية والذي تحمله اليافطة المعلقة على الباب:
بار مثيري الشغب الروس « Bar des loubards russes »
قرر أن يذهب هناك، ليتكلم مع فلاديمير الذي سيجده وحيداً، كما هي عادته، جالساً أمام الفاترينة مباشرة، يحدق في المارة، يشرب الفودكا الروسية القوية ذات الرائحة اللاذعة، ويأكل معها شرائح الليمون والملح.
كان جلال قد تعرف عليه في كمب اللاجئين، قبل عامين تقريباً، وبعد شهر من تعرفه عليه، ضرب فلاديمير أحد الأفغان لكمة على عينه بسبب خصام على التلفزيون الموضوع في البهو، فنقلوه إلى المستشفى والدم يملأ وجهه، وهرب من الكامب إلى منزل صديقته في السان جوس، قرب محطة مترو البوتانك، بعد أن أخبرت المشرفة الشقراء، مدام آن، التي كانت تكرهه إلى حد القرف، البوليس، بالحادث. فأخذ يسوح في شوارع بروكسل على دراجته النارية مثل مجنون، تكسبه هيئته سحنة مخيفة لكل من يراه، شعره الأشقر الطويل يشده بشريط أسود مخطط بالأحمر، الوشوم تغطي يديه وصدره كصور لنمر وأفعى وتنين، وكان يخبئ علبة المارلبورو من النوع الطويل في الكم، ويدس مسدساً بالبكرة محشواً تحت بلوزته الحمراء، إذ يضعه في رأس أي شخص لا يوافقه في الرأي، ولذلك كانوا يسمونه في كل مكان:
“فلاديمير الغاضب”.

*

– فلاديمير…صرخ به جلال من وراء الفاترينة. كان اسم البار مكتوبا بالروسية في الداخل таверна российских хулиганов بالبوية الحمراء.
لم ينطق فلاديمير أية كلمة كان محدقاً في الفراغ بصمت أمام كأسه.
دخل جلال إلى البار فأصبح أمام النادلة الكساندرا التي كانت تحمل الصينية، صدرها مفتوح يتدلى بين نهديها صليب ذهبي صغير. أرثوذكسية، قال جلال، مؤمنة وخاطئة كما كان دستيوفسكي في الزمن القديم.
قالت له بصوت خفيض:
– كلمه! وأومأت له برأسها دلالة على أنه غاضب، وهي تعرف جيداً أن فلاديمير لا يستطيع أن يكلمه أحد في ساعات غضبه سوى جلال. فابتسم لها دون أن يسلم عليها كما كان يفعل كل يوم، على الرغم من حبه وتقجيره الكبير لها، فهي تقنعنه دائماً بألا يشرب في الليل سوى التكيلا، تقول له أنه شراب سحري سيجعلك فحلاً حقيقياً في الفراش، دون أن تعرف أنه لا يملك سوى صندوق من المجلات الأباحية تحت سريره، وتقنعه أيضاً أن يرسم وشمين جميلين على ذراعيه، وأن يلعب الأثقال كي يرفع من قوة عضلات ساعديه وصدره، لأن النساء يحببن القوي وليس العاقل.
-فلاديمير….هل أنت بخير؟
نظر له فلاديمير وأعاد نظره في الفراغ دون أن ينطق بكلمة. فسحب جلال الكرسي وجلس أمامه، بينما جاءت له ألكساندرا بشوت تكيله مع شريحة ليمون وملح.
قبل أن يتكلم أي شيء، رفع شت التكيلا وعبأه كله في جوفه، دمعت عيناه ثم تناول الليمون، ووضع الملح على مؤخرة أبهامه، ولحسه بلسانه.
– هل أنت بخير قللي..؟
– لا…
– لماذا؟
– لقد أثار غضبي…
– من هو؟
– هذا النغل!
– من منهم؟
– الألباني!
– أي واحد منهم.
– سارق التلفونات!
– قل لي ماذا فعل؟
– سرق تلفون صديقتي…
– كيف عرفت هو؟
– هي قالت لي!
– كيف وصل لها؟
– تمشي في الطريق وقد خطفه منها.
– ابن النذل….قال له جلال. فنظر له فلاديمير بسرعة، عبّ كأس الفودكا كلّه في جوفه، وقال له:
– اسمع… تعال معي.
خرجا كلاهما من البار من دون أن يدفعا إلى ألكساندر بنساً واحداً، حيث وقفت مضطربة تنظر إليهما وهما يخرجان من البار غاضبين، وهي تمسح بالفوطة البيضاء يديها. صرخ لها جلال بعد أن رأى اضطرابها:
– سنعود بعد قليل. فعادت هي إلى عملها، بينما خرجا بسرعة لفتت انتباه كل من كان في البار، وقد تجاوزا الرصيف الذي يحد البار حيث تصطف كراسي خشبية وطاولات مربعة، تظللها مظلات حمراء بلاستيكية، على كل طرف من أطرافها كتب اسم البار، وهنالك صوبات غازية مرفوعة على الجدار لتدفئة المكان حيث يجلس بعض الرواد الروس يدخنون ويشربون الفودكا بأقداح كبيرة.
فك فلاديمير السلسة التي تربط دراجته الهوندا بلاك بيرد في وتد في الشارع، وأنزلها من الحامل الذي تقف عليه، خلع قبعة الرأس المربوطة على السرج الجلدي الأسود بواسطة سلسلة صغيرة أيضا بمفتاح، وناولها لجلال كي يرتديها:
-خذ هذه! قال لجلال دون أن يلتفت له.
– وأنت لا ترتدي قبعة؟
-لا…
صعد فلاديمير على الدراجة بثقة حتى بانت عضلات ساعدية الموشومتين وهو يمسك المقود، رفع ساقه بالجينز واستقر على الدراجة، ثم أومأ لجلال أن يركب وراءه. صعد جلال خلفه ووضع قدميه على حاملين صغيرين قرب العجلتين، فاصطدمت بطنه بمسدس فلاديمير الذي وضعه على جنبه. أدار فلاديمير بقدمه عجلة المحرك بقوة، المرة الأولى، الثانية، صرخ المحرك بصوت صاخب وانبعثت في الفضاء رائحة بنزين محترق.

*

كانا طائرين في الشارع المؤدي إلى سكاربيك حيث بار العصابة الألبانية، الهواء يصم آذان جلال على الرغم من القبعة التي يضعها على رأسه، حيث كان فلاديمير يقود الدراجة بسرعة وتهور كبيرين، يخاطر بين السيارات وهو يتجاوزها أوقفت قلب جلال أكثر من مرة. وقد كان شعره الأشقر الطويل الذي لم يغسله ربما منذ أسبوع يرفرف في الهواء مثل علم حتى يكاد يدخل في أنف جلال ويخنقه.
خفف السرعة ثم انعطف في الأفنو دو روجيه وتوقف بسرعة وغضب عند بار صغير شبه معتم. مصابيحه الخارجية مكسورة، جدرانه مثقبة بالرصاص، وعلى الزجاج بقع داكنة.
ربط فلاديمير الدراجة بسلسة بسرعة، ثم نهض متجهاً إلى البار، دفع الباب بقوة، وقد تبعه جلال، فأصبحا في الداخل.
كانت هنالك سحابة رمادية من الدخان تغطي المكان حيث يدخن الجميع هناك، دون أن يعبأ أحد بالقوانين التي تمنع التدخين في الأماكن المغلقة. أما الألباني سارق التلفونات فقد كان أمام ماكنة البوكر يمسك بيده كأس بيرة مضلع، يشرب ويلهث كالكلب، كان يعوي بانتصار مطلقاً ضحكات شيطانية، فقد ربح بعض اليوروات التي أنزلتها له الماكنة، دون أن يعلم أن فلاديمير وراءه.
أمسكه فلاديمير من كتفه وأداره نحوه بعنف. فكانا وجها لوجه، أخرج فلاديمير مسدسه بسرعة ووضعه في فم الألباني، حيث فك الأخير عينيه وفمه مرعوباً، بينما مسكه فلاديمير بقبضة قوية من شعره وهو يعض على فوهة المسدس. صرخت النادلة بقوة حينما رأت المسدس، فنهرها فلاديمير:
-اصمتي!
أخرج المسدس من فم الألباني، رفعه إلى الأعلى أطلق رصاصة على السقف جعلت الجميع يقعون على أربع، ثم أعاد المسدس إلى فمه حيث حرق له لسانه، فصرخ وهو يبكي ويتوسل بكلمات غير مفهومة بسبب المسدس.
في تلك اللحظة هرب اثنان من العصابة الألبانية من الباب بسرعة، من دون أن يرتديا معطفيهما الذين بقيا معلقين على مشجب الباب. التفت فلاديمير نحو جلال وطلب منه أن يقف عند الباب لمراقبتهما لئلا يعودا بسلاح مثلاً، أو يقوما بتعطيل الدراجة النارية الموجودة في الخارج. ركض إلى الباب وتوقف هناك، تطلع لهما رآهما وهما يسيران بسرعة، ولكن من طبيعة مسيرهما أدرك أنهما هاربان وليسا في سبيل العودة مرة أخرى لفلاديمير، وهو يمسك المسدس غاضباً، ويهدد به أي شخص يقترب منه.
طلب فلاديمير من الألباني أن يخرج التلفونات.
-أخرج التلفونات بسرعة وإلا سأفجر رأسك حالاً…
-نعم نعم…
-بسرعة فأنا غاضب جداً…
-أرجوك…هذه…
أخرج من جيبه تلفونين، تلفون صديقة فلاديمير الآيفون سفن، وتلفوناً آخر ألجي ثري أسود اللون.
تناولهما فلاديمير من يده بخشونة، تأمل الأيفون المنقوش عليه حرفان يرمزان لاسمه واسم صديقته، تأكد من أنه لم يخدش قط، قلبه بيده، فحصه ثم وضعه في جيبه، بعدها التفت إلى جلال، وناوله التلفون الآخر، الأل جي ثري الأسود، وقال له بصوت واثق:
-هذا لك…
دسه الأخير في جيبه، فرحاً. أنزل فلاديمير مسدسه ببطء إلى الأسفل وهو ينظر إلى الحانة المرتعبة بكل من فيها، تقدم نحو طاولة عليها كأس فودكا، تناوله وهو ينظر إلى الجميع وقد كانوا ينظرون إليه بصمت ورهبة، عبّ الكأس كلّه في جوفه، ابتسم لهم، قال لهم وهو فاتح يديه إلى الأعلى:
-هذا كل شيء…
أشار إلى جلال ليخرجا من البار بسرعة، خرج هو أولاً ثم خرج بعده جلال مبتهجاً، واتجها نحو الدراجة النارية المركونة في الخارج.
بعد خروجهما استعاد البار الحياة، ودبت الأصوات والحركة في الداخل، وعادت الأنخاب للطاولات، وعادت آلات البوكر ذات الأنوار والأرقام للدوران.
*
ركب فلاديمير وجلال الدراجة بسرعة، ركب فلاديمير أولاً بعد أن وضع المسدس بين محزم بنطلونه الجينز وخاصرته، ورد عليه البلوز الأحمر ليخفيه. ثم صعد وراءه جلال حيث اصطدمت بطنه ببكرة المسدس المحشو تماماً ما عدا إطلاقة واحدة، ضرب بقدمه عتلة المحرك، فصرخ بقوة، وغطت سحابة بخار البنزين المحترق المكان، أدار المقود وانطلق في الشارع بعد أن انتظر الترام يعبر ببطء إلى الجهة الأخرى.
استدارت الدراجة في أفنو روجيه منطلقة بقوة، وفي تلك اللحظة كانا يسمعان صوت صافرة سيارة البوليس قادمة من بعيد، ربما من جهة البوتانك، أو من جهة محطة قطارات الشمال، فمن الواضح أن نادلة البار قد اتصلت بهم بعد أن خرجا من البار، لذلك استدار فلاديمير مرة أخرى ليتفادى البوليس وأخذ يسير في الشوارع الفرعية، وقد شعر كلاهما بهزيمة أعدائهما.
*
ها هما ينطلقان في ليل بروكسل على دراجة نارية سريعة صارخين في الهواء وملوحين بقبضاتهما كعلامات انتصار.

كاتب عراقي معروف: [email protected]