“عن مدينة حررها الشعراء” قصيدة للشاعر المصري جورج ضرغام”

George Dergham

(1)

أكره الشعر والحرب..

أود أن أغير وظيفتى إلى رجل إطفاء همجي، وغزير الدموع.

أغسل معاطف الروح القديمة

أغسل أسنان العتمة قبل نومها

أغسل نهود الفتيات من أثر شفاه نافقة،

 وأطفئ نهدي تلك المشتعلة المتدليين كدجاج مشوي !

أسقط على رؤوس أخوتي الجثث

أنظفها من ثرثرة أحذية البرابرة،

ثم أمضي حافيا لأغسل أصابع قدميّ

آخر عشر أشجار محترقة في المدينة…!

(2)

نكتب لتسلية الأرامل..

نكتب للذين تركوا أياديهم في جيوب معاطفهم

 كزهور منسية، وللذين جاءوا وذهبوا بلا غبار !!

(3)

تحت الأنقاض ضاعتْ قصيدتي، وأصابعي التي كنتُ أدسها

 في جيوب الشعراء، ذخائر ملونة. فذهبتُ أبحث عن شاعر مقتول،

 ولا يزال يحلم كأحمق مثلي، لأسئله قبل أن يصيح الديك:

ما طعم الرصاص في الحلوق؟

ما لون البرابرة: أحمر، أم أسود، أم مصبوغٌ كشعر

الكلب الأشعث؟

لماذا لم يُقتل نبي وأحد في الحروب ؟!

لماذا خلعتْ الشجرة حذائها ؟

 ومن زرع رصيفنا سكاكين كي يغيظ الشجرة العاقر؟

من باع الضحكات في مدينتنا بخمس أسنان ونص شفاة حامضة ؟

لماذا الحزن دائما ذكر.. وما اسم أنثاه ؟!

لم لا أكتب قصيدتى بعنق حمامة كي تبّيضّ جثثها وتطير هاربة ؟

ولماذا نسيتْ “المجنونة العربية” أن تسجل اعتراضها على العالم، وتكتبه

 على أجنحة طازجة (هي بريد الرب الجوي)، قبل أن تمزق “العصافير البيضاء” وتلقيها من النافذة ؟

سقط ريشٌ على كتف عجوز

 فصار ملاكًا أحمق لا يحرس الأمنيات

سقط ريشٌ على قطة جائعة

 فصارتْ ثلجًا لقيطًا في شوارعنا

سقط ريشٌ على رأسي، فصرتُ قمرًا طائشًا

 قفزتُ من السماء ونمتُ بين فخذين، ولما انتحرتُ عند الصباح،

 أكل البوم رغيف فرجها، وانفجر في شفاه القبائل !!

(4)

سأحب أعدائي كي أمشي على الماء…!

(5)

الحرب ممتعة هذه المرة. ولأنها خدعة، سوف نسرق الرصاص من بنادقهم، ونملأها ببذور الورد. ولأنهم برابرة وحمقى سيصدقون أن الوردة الحمراء التي علقتْ على صدورنا بعد القنص بقعة دامية.

وسوف ينبت للوردة ريشٌ، كي تصعد إلى الذين لم نلحق أن نودعهم.. كقبلة تبكي وحيدة عند السياج.

 (6)

طوبى للشعراء لأن لهم ملكوت الخيال

(7)

– أنت شاعر ؟

– كلا أيها العجوز الخرف.. أنا جثة تحلم بأن تصير كمنجة.

– أنت كمنجة ؟!

– كلا أيها العجوز الخرف.. أنا سحابة تحلم بأن تصير بائعة حليب.

…ولا تقلق سوف تفقس القنابل جنودا تزقزق.. فقط لو غسل الموتى

 أياديهم الملطخة بالغراب !!

(8)

طوبى لمن حمل سيفا ولم يقتل..!

أنا مذنب.. قتلتُ هذا الصباح فراشة متطرفة،

كانت تكره الذباب لأنه أسود وفقير.

قتلتها.. ومسحتُ يدي في مؤخرة الأشجار.

(9)

كان البوق الأخير عاليًا:

“من يُجمّع شمل الحمام.. لن يفرقه غير بندقية الجنود”

كان النعي الأخير عاليًا:

“ماتتْ الجنود وبقيتْ البنادق تتنفس”.

(10)

من يطلب وردًا، فيُعطى شوكًا !!

لا أملك سلاحًا.. ولا صرخة.. ولا طريقة إقامة الموتى.

عندي قاموس وافٍ كي ألعن الحرب كل صباح،

 وأدرب البرابرة على مسخ لسانهم إلى ورد يلعق صرخات الثواكل،

 فتحبلن بالنحل الشهي !

بعتُ قصائدي لنساء البرابرة على طريق المقابر القديم،

 وأشتريتُ شجرة، كتلك التي نامتْ في عين فاتنة تصحرتْ.

 بعتُ قصائدي، وألقيتُ العملة في قاع الدم، فضاعتْ كرأس حبيبتي،

 وأنصهرتْ على زفير حوريات البحر.

– ماذا يقول البحر لعارية ؟

– أغويتك بالصيف.. ثم انتحرتِ كموجة عند أقدام الغرباء.

(11)

هنا .. من لا يموت يصير إلهًا منسيًا !

هنا.. من يكتب يصير نبيًا كذّابًا

هنا.. من يبتسم يسرق المظليون أسنانه

من دمنا خرج البحر الأحمر خفيف الظل

من دفاترنا، مراكب ورقية عبرتْ الحزن شرقا إلى أيادي الأطفال.

تقول الأسطورة: إن شاعرًا وسيمًا بصق في فرج الكاميرا،

ونفض غبار حذائيه، ونفخ.. ليخرج عالما جديد:

أيتها الرصاصة..  كوني مومسا واملئي قلوبنا بهجة.

أيتها السكين.. كوني شفاه خضراء كطفولة وردة، وانصهري في كف

 عاشقة على رصيف الذكريات.

أيتها التوابيت.. كوني أسماكا ملونة، وعضي ذيل البحر

 كي لا يبيض في حقائب الغرباء.

أيتها الشاعرة.. كوني “رابطة عنق”.

أيها الشاعر.. كن “فيونكة”

أيها المحارب.. كن سيجارة، واشعل رأسك بشفاة حمراء !!

أيها العاشق.. كن مقشة، واكنس الذكريات السيئة.

أيها الكاهن.. كن دجاجة، وأسلق عينيك بيضًا ملونًا لفطور اليتامى.

تقول الأسطورة: إن غرابًا همجيًا خرج من قفصي الصدري،

 وحطّ على نهد أول عابرة شجر في المنام، وظل ينخره باحثًا

عن قصيدة نثر، وأرواح البنادق التي يتمته.

فمّل وطار، تاركًا منقاره مغروسًا كمفتاح ذكريات.

فتح رومانتيكي أحمق صندوق النهد، وفتش في خزائن شهوتها

 فأخرج وجه يوسف، ومخالب الشعراء التي صدأت في الحليب.

تقول الأسطورة: إن الشجرة العجوز مشت حافية، وألقت في

 عيني حذاءَها، كي أصمد مثلها حتى آخر ورقة صفراء تمشي

 في العمر دون جنازة !!

وتقول الأسطورة: إن كلابًا وفية، كانت تجر الشوارع من ذيلها،

 وتلقيها تحت قدمي فتعترف:

سرقنا أحذية الشعراء حين ناموا، وصنعنا منها حمامًا ينزف.

(12)

ضاع حذائي في الحرب، فلبستُ جثة عرجاء.. وقامرتُ الأشجار:

 من يصل أولا لقلب القاتل يربح أحذية أطفال الملاجئ، وامرأة

 من صهيل تلبس في عينيها حذوة بكعب عالٍ.

 (13)

من آمن بالوردة، كفر بالقنبلة..

حين صرخ الجمع بعد سماع دوي الانفجار

انتفضتْ وردةٌ في فستانها، وجرت عارية لتختبئ في جثتي !!

 (14)

الحرب هنا طويلة، والشتاء طويل.. مطر ملون يا الله:

مطر أخضر.. يصبغ رؤوس الجثث، فربما تصلح جثة أن تكون شجرة

 طيبة مازلت على قيد المرح.. تعلق بأصابعها طويلة، عناقيدها أقراطًا

 في أذن الجنود وتضحك.

 مطر أحمر.. نبيذ ًا للشعراء كي لا يناموا.

 مطر أصفر.. لأقنع رأسي البلهاء أنه رمل، وأنها نعامة جبانة،

 وعليها أن تئد الذكريات.. عليها أن تبحث عن دمية مدفونة ولا تزال

 تبكي على طفلتها المقتولة.

 مطر أصفر.. كي أقول لحبيبة تكره الحرب والشتاء: هذا رصاص،

فاختبئي داخل معطفي عارية. أما أنا فبدافع الفرح سوف أسبق الرصاصة

 إلى قلبك.. وأنفجر…!

(15)

في جيبي ماء وفير، وأسماء صدئة

قل للغرباء أن يلقوا حقائبهم هنا.. وللقرصان أن يرد السفينة لعيني

 كي تستحم.

لست لصًا.. أنا نبيٌّ وسيمٌ غسلتُ وجهي بالحليب،

 منذ أن تقيأ البحر نهودًا نافقة !!

(16)

حين تنظم القردة تظاهرة، سوف يهتفون: “نحن أبرياء من سلالتنا.

الفيلسوف الأعمى دسّ في جيوبنا الرصاص وأصابع البشر. هو أيضًا

من ضرب الوردة على مؤخرتها فأحمرتْ. وسرق أحذية الأسماك

 ليحعلها مراكبا لغرباء لا يعودون. وأحرق الشجرة لأنها مغرية،

 وشعرها طويل، وتتسترعلى قُبلة كان يختلسها عاشقان من خلف ظهرها”.

(17)

علينا أن نغمض أعيننا كيلا نرى كل هذا القبح..

علينا أن نعدل في الذكريات لتبدو سوية..

علينا أن ندرب الحواس على النسيان:

 “أوطاننا سيئة السمعة ونحن سيئون الحظ هنا.

          لنذهب إلى السينما أوالمقبرة” !!

(18)

أقنع حلمي أن يستمر قليلاً، كي أعد الأشجار التي ترن في جيب حبيبة

لم أنتظر حتى تكبر شجرتي

 نزلتُ منها صغيرًا بأربعة أصابع، ونصف ورأس مهجور

(مثلما تسلق إخوتي رحم أمي عائدين قبل الحرب لملاجئهم الآمنة).

كل البنادق كانت تنتظر أيضًا، ليعدوا لها اسمًا مناسبًا،

 فتذهب لتنادي عليها الجثث:

أن يتبقى على حبلي الصوتي حمامة حزينة

 اِقنصيها

 تسقط بيضة سوداء على كفي

اِقليها مع نصف ذراع متفحم.. تصير نايًا مسحورًا !!

(19)

…وستظل ترقص الشجرة حتى لو استشهد خصرها !!

(20)

 لا أعرف أنثى تبكي غير نزيف هذه الكمنجات،

وفاتنة دمشقية كانتْ تضع البُوم في عينيها كبدائل مأساوية للكحل

وتصلي لنجمة:

“كوني شامتى الأبدية وأَغْوِ كل اللصوص”.. ثم تبكي

 وتغرق في سحابة..

كلما ازدادتْ شرور العالم، ازداد الكحل في عينيها !!

(21)

البنادق كمنجات أنيقة في أيدي الشعراء المحاربين،

والرصاص قرطٌ ذهبي في أذن امرأة

كانت تسمع أناشيد الحرب كل ليلة قبل “فيروز”..

– ما طعم الرصاص في الحلوق؟

– مرٌ كلحم القصيدة…!

 

 

شاعر وصحافي مصري

[email protected]