غواية النظر: محمد الشارخ عن الفنان والشاعر المصري أحمد مرسي

كنت أحضّر للماجستير في الإقتصاد بكلية وليامز شمال غرب ماساشوتس حين جاءني هاتف من الكويت بأن لي قصة منشورة في مجلة جاليري 68. تذكرت المناقشات المسائية في مقهى ريش ومقهى برادي في الدقي عن ثورات العام 1968 في فرنسا وأنحاء مختلفة من العالم ورغبة الأصدقاء في إصدار مجلة طليعية تخرج عن الكساد الأدبي المؤسساتي . اطلعت على المجلة فوجدت قصة “قيس وليلى” التي كتبتها سنة تخرجي من كلية الإقتصاد في جامعة القاهرة عام 1966، منشورة في المجلة دون إبلاغي بذلك. قرأت أن رئيس تحرير المجلة هو أحمد مرسي ولم أكن قد رأيته من قبل. وفي عدد تال قرأت له شعرا. كنت معتاداَ على حضور تجمع شبه أسبوعي في شقة غالب هلسا بالدقي يحضره شباب أدباء، فاروق شوشة، أبو المعاطي، عبد المحسن بدر، علاء الديب، محي الدين محمد وابراهيم منصور ولم يكن بيننا أحمد مرسي. وحين مررت بالقاهرة بعد تخرجي من الجامعة التقيت بأحمد ومجموعة جاليري 68 في اجتماعات تحرير المجلة بمنزل أدوار الخراط. ثم التقيته مرات مع الأصدقاء في شقتي بشارع الغيث بالعجوزة. وحين زرت القاهرة مع زوجتي في شهر العسل صيف 1970 كان أحمد وزوجته أماني من أقرب الأصدقاء لنا. وبعد فترة علمت أن أحمد قد ترك في شقتي لوحة كهدية لزواجي. في اللوحة حصان يتمرغ بالبني الغامق والذيل أرجواني ولون أزرق خفيف يغطي الصدر والرأس والسماء زرقاء. لوحة كبيرة مترين بمتر و20 سم. وحين انتقلت عام 73 للعمل كعضو في مجلس إدارة البنك الدولي بواشنطن أخذت اللوحة إلى شقتي في مجمع الووترغيت، وهي البناية التي أطاحت بالرئيس نيكسون لسماحه بالتجسس على أعمال الحزب الديمقراطي، وكان يزورني حينذاك السفير اليمني يحيى جغمان الذي صار بعد ذلك رئيساً للوزراء، نلعب الشطرنج وينظر السفير إلى هذه اللوحة ويقهقه “هذه حال الأمه العربية.. تتمرغ على ظهرها وترفس على الأرض”.

الحصان (1972) – أحمد مرسي

في واشنطن اتصل بي أحمد مرسي للمساعدة – لو أستطيع – في الطلب الذي تقدمت به زوجته للعمل كمترجمة في الأمم المتحدة وهو ما حصل فعلاً . انتقل أحمد مع زوجته وابنتيه للإقامة في نيويورك. كنا نلتقي في كل زيارة لي لنيويورك ويأخذني إلى معارض وجليريهات الرسم ويحدثني بحماسة مفرطة عن أنه هو من ابتدأ الشعر الحر وليس نازك الملائكة، مستخدماً التواريخ لإثبات حجته. سألته مرة لماذا لا يبيع لوحاته في نيويورك فأجاب بثقة أن اسمه أحمد، وهذا باعتقاده كاف لعدم تحمس أصحاب الجاليريهات له، علماً بأن صديقه الرسام السوداني محمد نور الذي يصحبنا أحياناً، كان يعرض ويبيع في نيويورك. ربما كانت كبرياء أحمد اللعينة حاجزاً لتردده على أصحاب الجاليريهات.

من أعز لوحات أحمد مرسي إلىّ لوحة العصافير بالرمادي والأزرق والأخضر والخلفية الزرقاء لسماء غاضبة تتعمق في حيوية اللون وكأنّ لها أعماقاً متناهية والطيور على أرض سوداء غير آبهة بعتمة السماء. العصافير تلهو، تلعب، وربما تزقزق وأنا أنقلها معي في مكتبي أينما ذهبت.

العصافير (1972) – أحمد مرسي

وكنت أقتني لوحاته ولا نتكلم عن السعر وفيما بعد يبعث لي بالمبلغ المطلوب فأدفعه. أحمد اسكندراني مشبع بحب الإسكندرية، وقد ترجم مجموعة قصائد لكفافي الشاعر الإسكندراني اليوناني الأصل والمعروف عالمياً. وأعدّ كتاباً عنه. أحسن ما كتب أو ترجم عن حياة كفافي وشعره بالعربية (ترجمة زوجته أماني فهمي) . وحين اشتريت شقة في لندن اتصلت بأحمد ليبعث لي بلوحات واطلعت على صور فوتوغرافية عديدة واخترت أربع لوحات كبيرة جداً ما زالت تزين الشقه ذات الأسقف العالية والمطلة على الهايد بارك والمجاورة للرويال ألبرت هول حيث تعزف الموسيقى كل يوم. ولوحاته مسرحيات وشيء من السريالية وعدم اهتمام بدقة التفاصيل، لكنّ جوها العام يترك تساؤلاً عن الزمن والحيرة والصمت. أنه رسام مسرحي وشاعر. كيف لا وقد عمل في شبابه بالإسكندرية مصمماً لديكورات المسرح. كيف لا وقد كتب الشعر منذ بدايات شبابه. وبعد أحداث 11 سبتمبر اشتريت منه لوحة كبيرة من نيويورك لامرأة تملأ اللوحة بفستانها الأحمر وعيناها واسعتان بالمكرفون قريب من صدرها وعيناها طائرتان ومكتوب عليها بلون يكاد يتلاشى (Wonderful Women Empire Builders).

َWonderful Women Empire Builders َ(2002) – أحمد مرسي

وأحمد شاعر له دواوين عديدة ومثقف حداثي. وفي هيئته وطريقة كلامه وضحكته شيء أسطوري. صوت يترجرج كأنما بداخله حشرجة. كأنه خارج من جوف التاريخ لكنه معك بلحم ودم وعينان زائغتان كأنما تبحثان عن شيء ما . إنه معك في نيويورك قلب العالم وغناه وديناميكيته. تاريخي في قلب الحداثة. يجاهد في الرسم بألوان تبهر في عوالم صاعقة وألم مكبوت. هناك دائماً دراما تحيط الصدمة اللونية. إنه معي كل يوم. كل يوم. وحين رزقت بأول أبنائي في مستشفى واشنطن سنة 1973 كتبت في اليوم نفسه رسالة طويلة لأحمد أحكي له قصة الولادة فاتصل من نيويورك صارخاً “أنها قصة” وهكذا نشرتها بعد حين بعنوان “المخاض”.

واليوم لدي عشر لوحات كبيرة أقدمها ترجع إلى سنة 1968 لجسدين متلاصقين وخيول وألوان مبهرة. قمة العطاء السريالي.

 

 

= بدون عنوان (1968) – أحمد مرسي

ولوحة سريالية أخرى بالأسود والخلفية الزرقاء، لكنّ أحب هذه اللوحات هي الطيور التي تتناجى، تتناغم، وتغرد. وهناك لوحتان في شقة لندن . امرأة بالفستان الأحمر والخلفية صفراء ولها وجهان وفوقها رأس حصان باللون الأزرق.

امرأة بالفستان الأحمر (1994) – أحمد مرسي

وأخرى لإمرأة تضم وجهها المقسوم نصفين بكفيها باللون الأزرق وثلاث ساعات على طاولتها. حيرة وقلق وصمت. ولوحة تملأ الجدار 2,5 x 3 متر للزمن. ساعة طويلة منتصف اللوحة وجسدان ملتصقان والخلفية حمراء هادئة وأطراف بحر شمال اللوحة.

ساعة طويلة منتصف اللوحة وجسدان ملتصقان والخلفية حمراء هادئة وأطراف بحر شمال اللوحة (1994) – أحمد مرسي

مسرح درامي. وأخرى بالأزرق القاتم بالحجم نفسه للزمن والحيرة. امرأة تجلس على ساق ممدودة لرجل وبندول الزمن كبير بجانبهما .. أزرق قاتم .. وها نحن كما كنا منذ الأزل في قلق الوجود وهرولة الأيام ومجاهدتها وهذا في ظني هاجس أحمد الدائم .

يا أحمد قل مثل كفافي:

“قل وداعاً لها، للإسكندرية الغاربة

كن رجلاً مهيباً طويلاً وشجاع

اذهب في ثبات إلى النافذة

وقل وداعاً لها. الإسكندرية التي تفقدها”

 

 

محمد الشارخ، كاتب من الكويت.