فصل جديد من رواية “سامو” للكاتبة المصرية منى برنس

منى برنس

لم ينطلق سامو بسرعة كما تشي كلمة ينطلق، ولم يبتعد كثيرا كما تلمح كلمة بعيدا. كانت الشبورة المائية كثيفة لدرجة أن جعلت سامو يتحسس الطريق لا أن ينطلق. لم يكن يرى لأكثر من مترين أمامه. أضاء كل أنوار السيارة، مسح الزجاج الأمامي من الداخل ومن الخارج، فتح عينيه علي اتساعهما يبحلق في الطريق، لكنه لا يستطيع أن يرى شيئا. ولأول مرة ينتبه سامو إلى أن الأبيض يمكن أن يكون معتما كالأسود. أعجبته الفكرة. وجد أنها تصلح لأن تكون موضوع قصيدة، وتذكّر أنه لم يكتب الشعر منذ فترة طويلة. وقف سامو على جانب جانب الطريق الضيقة، يكاد يكون ملتصقا بأحد البيوت، حتى تنقشع الشبورة قليلا. كان يخشى جدا أن يدهس أحدا عابرا في ذلك الوقت، مع عدم احتماليته. ولكن لم لا، فها هو على الطريق، رغم أنه لا يخرج أبدا في تلك الساعة. كان يخشى أيضا أن تصدمه واحدة من سائقات النقل اللائي يقدن بطريقة متهورة و بعضهن يتناول مواد مخدرة. كان يخشى في الحقيقة ألا تطلع عليه الشمس مثلما هددته تلك القطة العوراء. رأي العتمة البيضاء أمامه، فأخرج مفكرته الصغيرة وكتب “عندما يصبح الأبيض معتما كالسواد.” ربما يكتب قصيدة لاحقا.

ثم بدأت الشمس تظهر فارتفعت الشبورة قليلا عن الطريق. تغني لها سامو فرحا، “يا حبيبتي يا شمس” واصل طريقه إلي أن وجد مقهى صغير يفتح بابه و يبدأ يومه. توقف أمامه، حيّا القطة الصغيرة، وطلب كوبا من الشاي. رأى علي مقربة قطا شابا يقلي بطاطس فهرع إليه يطلب ساندويتشا. كان سامو يريد أن يفكر فيما حدث ليلة الأمس أو بالأخري في الساعات الأخيرة من الليل، لكنه لم يستطع فقد كان جائعا جدا و يشعر بالبرد. أنهى على الساندويتش في ثوان و قبل أن يجلس في مقعده بالمقهى. ثم حمل كوب الشاي الساخن بكلتا يديه كي يتدفأ و أخذ يلعق الشاي بسعادة قطيط يرضع من ثدي أمه. لم يكن به عجلة من أمره، فما زال النهار في أوله. طلب كوبا من القهوة و أشعل سيجارة. ثم ترك الحساب و نسخة من الأوراق التعريفية به كمرشح للرئاسة، و انصرف. نظر في المرآة العاكسة، و رأى القط الصغير يضع النقود في جيبه و يلقي بالورقة إلي الأرض الترابية.

بلع سامو كرامته، وأكمل طريقه دون توقف حتى مشارف البلدة المشهورة بنسيجها وتمثال الأمير. عند تقاطع ما لا يحمل أي إشارات، توقف جانبا و سأل قط عن مدخل البلد فأوضح له الاتجاه. وقبل أن يتحرك، نقرت قطة مسنة بعصاها الغليظة عى باب السيارة. فتح سامو النافذة و سألها ما الأمر، فطلبت توصيلها إلى المعبد الكبير.

“ أي معبد؟” ظن سامو أنها تريد الذهاب إلى الخبيئة المدفونة

“ ساعدني أصعد إلى السيارة و أنا سأريك الطريق.” لكن سامو لم يكن مستعدا على الإطلاق للعودة إلى ذلك المكان.

“ سيدتي أنا ذاهب إلى بلدة الأمير.” ماء بأدب بالغ.

“ المعبد على الطريق. هيا ساعدني.”

نزل سامو وفتح لها الباب الآخر وساعدها في الجلوس.

“ إن ابنتي مريضة و أنا ذاهبة لزيارتها في المستشفى.”

“ لكنك قلت أنك ذاهبة إلى المعبد؟”

“ المستشفى بجوار المعبد.”

“ حسنا.”

لا يعرف سامو ما الذي دهاه كيف يفتح موضوع ترشحه مع تلك القطة العجوز. مجرد أن ذكر أنه يزور أنحاء الجزيرة للحديث مع أهلها عن نيته حتى كشرت القطة عن أنيابها و همّت بخربشته. لم يتوقع أبدا رد فعل كهذا من قطة مسنة. لكنها صرخت فيه أن القطة الحاكمة الحالية هي أفضل من حكمت الجزيرة و أن سامو جاحد و ناكر للجميل ويستحق الشنق من رقبته. ثم أمرته بأن يقف، و نزلت من السيارة و صفقت الباب بقوة لا يعرف من أين واتتها وقد كانت تتوسل اليه قبل دقائق أن يأخذ بيدها. هزّ سامو رأسه تعجبا. ابتسم، ثم قرر أن يترك السيارة جانبا ويتمشى في البلدة الصغيرة. سأل عن مشغل النسيج فأخذه قط صغير إلى المكان. كان المدير قد وصل لتوه فحياه سامو و عرّفه بنفسه.

“هذه خطوة شجاعة.” و لم يزد. طلب له كوبا من الشاي. ناوله سامو واحدة من أوراقه، فوضعها المدير على مكتبه و أومأ برأسه مبتسما. ثم تجولا معا في أرجاء المكان ليرى سامو طريقة عمل النسيج اليدوي. كان هناك قطط من مختلف الأعمار يعملون بجد ودأب. التقط سامو عدة صور لهم. ثم شكر المدير على الشاى و الجولة و سأله عن الطريق إلى تمثال الأمير. مشى سامو في دروب متعرجة انفتحت في الأخر على ساحة كبيرة تحيط بها البيوت القديمة من كل جوانبه، وينتصب وسطها التمثال. كان بديعا. رغم مرور آلاف السنوات الا أن التمثال ما زال يحتفظ ببهائه و ألوانه كشاهد على عصر احتل فيه الفن مكانة رفيعة. كذلك مكانة ذكر القط التي تضاءلت فيما بعد و صارت السلطة كلها في يد الإناث. تنهّد سامو متحسرا على ذلك العصر الذهبي.

كان النهار قد انتصف عندما غادر سامو البلدة باتجاه أحد المزارات المقدسة و التي تقع في الصحراء القريبة. كان المزار مشهور بوجود عدد كبير من مئات القطط المحنطة و التي قتلت غدرا أثناء هجوم قطط أجنبية من إحدى الجزر المجاورة في زمن بعيد. ترك سامو سيارته في ساحة صغيرة متربة ودخل من البوابة الصغيرة. كانت هناك بعض أعمال ترميم وبعض القطط الزائرة. كانت كل القاعات تحوي صناديق زجاجية بداخلها قطط محنطة بأحجام و أعمار مختلفة. شيئ واحد فقط يجمع بينها، فزع بيّن على وجوهها. أفواه مفتوحة على آخرها، أسنان مهشمة، وعيون جاحظة. هلع القتل المفاجئ. تلّمس سامو زجاج الصناديق وتمنى لو كان يستطيع معانقتهم. تمنى لهم السلام في قلبه وخرج.

شعر سامو بالإرهاق فجأة. تذكّر أنه لم ينم كفاية الليلة الماضية، والقطة العوراء المخيفة و رفيقاتها. مرحلة البحث عن فندق للمبيت! توجه سامو مباشرة صوب مركز المقاطعة حيث تتواجد الفنادق البسيطة. وتكرر ما حدث له سابقا في المقاطعة الثامنة. رفضت موظفات و موظفين الاستقبال نزوله بمفرده باعتباره قط ذكر. اتصل سامو بآستا ليسألها إن كان هناك فندقا تابعا لمجموعته في هذه المقاطعة. أجابته بأنها ستسأل وتعاود الاتصال به. ترك سامو سيارته أمام أحد تلك الفنادق التي رفضته فقط ليسد مدخل الفندق و يغيظ صاحبته. اقتحمت أنفه رائحة شواء رائعة فتعقب الرائحة إلي أن وصل إلي مطعم صغير. رفع رأسه إلى القطة التي تقوم بالشواء، و ماء، “ أنا جائع.” ابتسمت له القطة، و أشارت له بالجلوس إلى طاولة صغيرة.

“ عزيزي، لا يوجد فنادق تابعة لمجوعتنا في هذه المقاطعة. لكن بإمكانك أن تذهب إلي مزار خاص بمجموعة أخري، وهن لديهن سكن خاص بهن. ربما يستضفنك.”هذا ما ماءت به آستا على الهاتف.

“ شكرا عزيزتي، سأتناول غدائي وأذهب إلي المزار على الفور.”

“ للأسف، أنا لا أعرف أحدا في تلك المقاطعة. وأتمنى لك حظا طيبا.”

التهم سامو قطع اللحم المشوية بسعادة جائع لم ير طعاما منذ زمن، رغم أنه تناول فطورا شهيا في الصباح. بعد أن دفع الحساب ، سأل القطة عن مكان المزار وكيفية الوصول اليه. تبرعّت قطة شابة كانت قد أنهت طعامها هي الأخري بمرافقته.

لم يكن سامو يتخيل أن مركز المقاطعة بهذا القبح. الشوارع متكسرة، المخلفات في كل مكان، زحام و عشوائية شديدة.

“ كيف تعشن في هذا المكان البائس؟” ماء سامو لرفيقته.

“ للأسف، رغم وجود كنوز بهذه المقاطعة تجعلها من أغنى المقاطعات، إلا أنها مهملة تماما كما ترى. لن تصدق كمية القطع الأثرية التي يتم تهريبها و بيعها لمشترين من خارج البلاد.”

“ قابلت بعضهن، أقصد مهربات الآثار، كدن يقتلنني!”

ظل سامو يدخل من شارع و يخرج من آخر بصعوبة شديدة نظرا لضيق الشوارع و أحادية اتجاهاتها و الزحام الشديد في تلك الشاعة من اليوم. أخيرا وصل إلى المزار المنشود. استأذنت القطة الشابة للانصراف بعد أن أشارت إلى المزار. عبر سامو الطريق إلى بوابة المزار ودخل. كانت قطة كاهنة جالسة أسفل شجرة وارفة. توجه إليها بالتحية الواجبة. رمقته الكاهنة بنوع من الريبة. أخبرها سامو أنه غريب و يحتاج غرفة للسكن لليلة واحدة. ماءت الكاهنة بأنه لا يوجد سكن تابع للمزار. كان سامو يعرف أنها كاذبة. لكن ماذا بإمكانه أن يفعل. لا شيء حياها بإقتضاب و انصرف مغتاظا.

لم يعرف سامو إلى أين يذهب و أي طريق يأخذ. جلس في سيارته مطأطئ الرأس إلى أن أزعحه الضجيج بشدة فأدار محرك السيارة و سار مع اتجاه الشارع. ترك نفسه إلى حيث يقوده الطريق فوصل إلي جسر حديث. لفت انتباهه وجود ملصقات ضخمة تحمل صورة القطة الحاكمة على كل عمود إنارة. كلها تؤيد و تبارك و تتطالب بتولي القطة الحاكمة منصب الرئاسة إلى الأبد. انتهى الجسر إلي تقاطع. توقف سامو لبضعة دقائق يفكر أي طريق يسلك. كان الوقت قد أشرف على المغيب و هو لم يعرف بعد أن سيقضي ليلته. سار باتجاه طريق هادئ إلى حد ما دون أن يعي. و عند بقعة هادئه بها بعض الأشجار أوقف المحرك. عندئذ أيقن أنه سيبيت في السيارة. لا يوجد حل آخر.

لم يدر سامو كم مر من الوقت حين انتبه إلي وقع نقرات على زجاج سيارته، فرفع رأسه من على عجلة القيادة.

“ هل أنت بخير؟” سأله قط باهتمام و قلق.

“ اممم، نعم، نعم، أنا بخير.”

“ هل أنت متأكد؟ تبدو لي متعبا أو مريضا.” ألح القط في السؤال.

“ في الحقيقة، أنا متعب. متعب جدا، و لم أجد مكان للمبيت حتى الصباح، فقررت أن أبيت هنا وسط الأشجار.”

“ كيف ذلك؟”

اضطر سامو للتعريف بنفسه وحكاية قصة رحلته والفنادق والمزار. لم يكم سامو يحكيها لإثارة شفقة القط، لكنها بالفعل أثارت شفقته.

“ تفضل بالمبيت في بيتي.”

“ لا، لا شكر. أنا معتاد على المبيت في السيارة إن اضطررت.”

“ لا، لا يمكن، أنت ضيف عندنا الليلة. لا أحب أن يقول أحد عنا أننا بخلاء و لا نكرم الضيف.” أصّر القط بلكنته اللطيفة.

“ أنا عاجز عن الشكر.”

“ هيا اتبعني بسيارتك.”

تبعه سامو في شوارع تعتبر راقية جدا، مقارنة بما رآه من قبل، إلي أن وصل إلى حي هادئ تكثر به الأشجار و تفوح منه رائحة الورود. توقف القط و أشار لسامو بأن يصف سيارته خلفه. حمل سامو بعض أغراضه و سار مع القط إلي داخل دار فسيحة لها حديقة. شعر سامو بسعادة طاغية. لم يصدق كيف من الممكن أن يتغير الحظ تماما هكذا. من قط مشرد بلا مأوي إلي ضيف في بيت كبير له حديقة. بمجرد زن فتح القط باب البيت حتي هرعت اليه قطيطاته الصغيرة يتمسحن فيه ويقفزن فرحات.

“ هيا هيا، لدينا ضيف، تأدبن. فهو متعب.” ماء لهن القط وهو يداعبهن بمحبة. هدأت القطيطات قليلا وأفسحن المكان للضيف.

أخد القط سامو من يده إلي غرفة الضيوف. غرفة كبيرة بها فراش عريض و مجلس و منضدة صغيرة. ثم أخذه إلي الحمام.

“ بإمكانك أن تأخذ حماما ساخنا و تستريح قليلا إلى أن أنتهي من اعداد طعام العشاء. بالمناسبة أنا مهندس و زوجتي طبيبة في مستشفى قريب من البيت، لكنها لن تعود إلا في الصباح، لديها مناوبة ليلية.”

كان سامو قد بلغ به التأثر حد عدم القدرة على قول أي شيئ. كانت نظرات عينيه الممتنة أشد بلاغة من أي مواء. دخل سامو الحمام وأغلق الباب خلفه. ملأ حوض الاستحمام بالماء الساخن وتمدد به.

تأخر سامو كثيرا في الحمام. شعر القط ببعض القلق فنقر على الباب مناديا إياه بصوت خافت. لم يرد سامو ولم يسمع القط أي صوت للاستحمام، ففتح الباب برفق. صرخ القط صرخة استدعت قطيطاته الصغيرة. كان سامو غارقا بأكمله في الحوض و عيناه مغلقتان. أخرجه القط بسرعة و صاح في واحدة من القطط أن تتصل بأمها وتستدعيها فورا. وضع القط سامو على الأرض وأخذ يضغط علي بطنه مرار كي يخرج الماء الذي ابتلعه سامو.

“ أرجوك، لا تمت. ارجوك لا تمت هنا.” كان القط في غاية الفزع

استمر القط في الضغط على بطن سامه وشفط المياه من فمه إلا أن صدر صوت مبحوح من سامو. تنفس القط الصعداء. جاءت زوجته ودخلت مسرعة،

“ ماذا حدث؟”

“لا أعرف، دخل ليستحم، ثم وجدته غارقا.”

قامت القطة الطبيبة بالاسعافات اللازمة ثم حملته إلي الفراش بمساعدة زوجها وغطته ليتدفأ. فتح سامو عينيه وأغلقهما ثانية.

“ يا للمصيبة!” ماء الزوج

“ من هذا؟” سألته زوجته.

أخبرها القط من هو و كيف وجده علي الطريق.

“ كيف تأتي به إلى هنا؟ كان من الممكن أن يموت ويتهمونا بقتله. أو أن تصيح بعض الأصوات بأن النظام استأجرنا لقتله. هل أنت مجنون!”

كان سامو يسمع ما يدور حوله لكن لم تكن به قدرة على المواء. كان يريد أن يغادر البيت كي لا يتسبب في مشاكل لهما، لكنه لم يكن حتى قادر على فتح عينيه.

هرع القط إلي المطبخ وأحضر طبقا من الحساء الساخن الذي كان قد أعده. أسندت الزوجة رأس سامو حتي يستطيع لعق الحساء.

“ أنا آسف جدا.” استطاع سامو أن يموء بصوت مجهد.

لم يقل أحد شيئ.

حلّت أرواح سامو السابقة، تطوف حوله وتهدهده وتهنئه فرحة، لم يمؤن بشكل منفرد هذه المرة، بل أنشدن معا كما لو كنّ جوقة موسيقية،

“ لقد كُتب لك عمر جديد يا سامو. كتبت لك حياة جديدة يا عزيزي. وروحا جديدة أضيفت إلى أرواحك السابقة. ستصبح القط ذي التسع أرواح الذي لم يظهر منذ زمن طويل. أنت القط المنتظر. أنت القط المنتظر. أنت القط المنتظر.”

وفي حين كانت أرواح سامو السابقة تحتفي بحياته الجديدة، كان القط و زوجته والقطيطات الصغيرة يقفن علي قوائمهن في حالة انتباه شديدة كقطط حراسة ليلية لا يغمض لها جفن حتى الصباح.

 

كاتبة مصرية، الفيوم

[email protected]