فصل من رواية “الجمهورية المضيئة” للكاتب الاسباني أندريس باربا ترجمة عن الاسبانية أحمد عبد اللطيف

حين كانوا يسألونني عن الـ 32 طفلًا الذين فقدوا حياتهم في سان كريستوبال، كانت إجابتي تتغير بحسب سن السائل. إن كان في سني أجيب بأن فِهم ما حدث ليس إلا إعادة تركيب ما رأيناه متشظيًا فحسب، وإن كان أصغر مني أسأله إن كان يعتقد أم لا بسوء الطالع. وغالبًا ما يجيبونني بأن لا، كأن إيمانهم بسوء الطالع يفترض التقليل من شأن الحرية. وأنا لا ألّح في السؤال وأحكي لهم حينئذ روايتي عن الأحداث، لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي أمتلكه ولأنه غير مجدٍ أن أقنعهم بأنها ليست مسألة تقدير الحرية ولا أن عليهم أن يؤمنوا بسذاجة في العدالة. لو كنت أكثر حماسًا أو أقل جبنًا، لكنت حكيت قصتي دائمًا بنفس العبارة: أغلب الناس يحصدون ما يستحقونه والطوالع السيئة موجودة. بل وأكثر من موجودة.

اليوم الذي وصلتُ فيه إلى سان كريستوبال، منذ عشرين عامًا اليوم، كنت شابًا موظفًا في الشؤون الاجتماعية بـ “إستيبي” وكنت حديث الترقية. في سنوات قليلة كنت تحولت من شاب نحيف حاصل على الليسانس في الحقوق إلى رجل حديث الزواج تمنحه الحياة سعادة أكثر مما كان يتوقعها في حالته الطبيعية. كانت الحياة تبدو لي سلسلة بسيطة من معاكسات يمكن تجاوزها بسهولة نسبيًا، مجرد موت لا أعرف إن كان بلا أثر، لكن المؤكد أنه لا يمكن تجنبه، وبالتالي لا يستحق التفكير فيه. لم أكن أعرف حينها أن السعادة بالتحديد كانت ذلك، وأن الشباب كان بالتحديد هو ذلك، وأن الموت بالتحديد كان ذلك، ورغم أني لم أكن أخطئ أساسًا في شيء، إلا أني أخطأت في كل شيء. حينها، كنت قد أغرمت بمدرسة كمان بـ سان كريستوبال، وكانت أكبر مني بثلاث سنوات، وأمًا لطفلة في التاسعة. كانت كلتاهما تسمى بـ مايا، ولكلتيهما عينان ثابتتان، وأنف صغير وشفتان بنيتان كانتا تبدوان لي قمة الجمال. أحيانًا كنت أشعر كأنهم اختاروني في جماعة سرية، وكنت سعيدًا أن وقعت في “شباكهم” حد أنهم عندما عرضوا عليّ امكانية الانتقال إلى سان كريستوبال ركضتُ إلى بيتي لأحكي لها وطلبت منها الزواج مباشرةً.

عرضوا عليّ الوظيفة لأني قبلها بعامين كنت صممتُ في “إستيبي” برنامجًا عن اندماج السكان الأصليين. الفكرة كانت بسيطة وبرهنت على فاعليتها كبرنامج نموذج: كانت تكمن في اقتصار زراعة بعض المنتجات على السكان الأصليين. وفي تلك المدينة اخترنا زراعة البرتقال ووضعنا في يد هؤلاء السكان مهمة إكفاء ما يقرب من خمسة آلاف شخص. كان البرنامج على وشك أن يثير فوضى صغيرة في التوزيع، لكن السكان الأصليين قاموا برد فعل وعقب بعض التعديلات استطاعوا أن يتحولوا لجمعية تعاونية صغيرة أكثر منها تكافلية، ولا تزال حتى اليوم تموّل جزءًا كبيرًا من نفقاتهم.

كان البرنامج ناجحًا حد أن حكومة الأمة تواصلت معي من خلال لجنة السكان الأصليين لأعيد التجربة مع ثلاثة آلاف نسمة من جماعة “نيى” بـ سان كريستوبال. كانوا يعرضون عليّ بيتًا ووظيفة مدير بقسم الشؤون الاجتماعية. واستعادت مايا بقوة حصصها الدراسية في مدرسة الموسيقى الصغيرة بمدينتها الأصلية. هي لم تعترف بذلك، لكني كنت أعرف أنها متحمّسة للعودة إلى وضع مستريح بمدينتها التي رحلت عنها تحت ضغط الحاجة. كانت الوظيفة تتضمن كذلك إدخال الطفلة المدرسة (دائمًا ما سميتها بـ “الطفلة”، وحين كنت أتوجه إليها مباشرةً أناديها بـ “يا طفلة”) وكان راتبها يضمن لي الإدخار. ماذا يمكن أن أطلب أكثر من ذلك؟ كان يصعب أن أسيطر على سعادتي وكنت أطلب من مايا أن تحكي لي أشياءً عن الغابة، عن نهر “إيريه”، عن شوارع سان كريستوبال… وبينما كانت تتحدث كان يبدو لي أني أتعمق في أرض خضراء كثيفة وخانقة، وهناك كنت أعثر على مكان فردوسي. ربما لم يكن خيالي إبداعيًا بشكل فريد، لكن لا يمكن لأحد أن يقول إني لم أكن متفائلًا.

في الثالث عشر من أبريل عام 1993، وصلنا إلى سان كريستوبال. كان الحر الرطب كثيفًا جدًا وكانت السماء صافيةً بالكامل. ومن بعيد، بينما كنا في سيارتنا العائلية القديمة، رأيت للمرة الأولى كتلة المياه البنية الفائقة لنهر “إيريه” وغابة سان كريستوبال، هذا الوحش الأخضر غير القابل للاختراق. لم أكن معتادًا على المناخ شبه الاستوائي وكان جسدي غارقًا في العرق منذ بدأنا السفر عبر الرمال الحمراء التي كانت تنتأ في الطريق السريع صوب المدينة. لقد خلّف إرهاق السفر من “إستوبي” (ألف كيلومتر تقريبًا) روحًا يمكن اختصارها في الشعور بالمناخوليا. لقد تمدد الوصول في البداية مثل حلم يقظة ثم جاء تغضن الفقر الفظ. كنت أعددت نفسي من أجل محافظة فقيرة، لكن الفقر الحقيقي يشبه قليلًا الفقر المتخيل. لم أكن أعرف حتى الآن أن الغابة تساوي الفقر، تجمعه وبطريقة ما تمحوه. قال عمدة لهذه المدينة إن مشكلة سان كريستوبال أن البؤس على بعد خطوة من الجمال. وهذا صحيح حرفيًا. ملامح أطفال “نيى” وسيمة جدًا رغم القذارة- وربما بفضلها-، والمناخ شبه الاستوائي يقترح وهمًا بأن ثمة شيئًا لا يمكن تجنبه في طبيعته. أو لنقول ذلك بطريقة أخرى: الرجل يحارب رجلًا آخر لكنه لا يحارب شلالًا ولا عاصفةً كهربائية.

لكن من نافذة السيارة كنت اختبرت شيئًا آخر: أن الفقر بـ سان كريستوبال يمكن أن يتجلى حتى عظامه. الألوان كان مسطحة وأساسية وذات بريق يثير الجنون: أخضر الغابة الكثيف ملتصق بالطريق كجدار نباتي، وأحمر الأرض اللامع، وأزرق السماء بضوء يجبر العينين على التغميض باستمرار، والبني المضغوط على طول أربعة كيلومترات من ضفة نهر “إيريه” إلى ضفته الأخرى، كل ذلك كان يتكشف لي كعلامات جلية على أني لا أحتفظ في ذاكرتي بشيء يمكن أن يقارن بهذا الشيء الذي أراه للمرة الأولى.

حين وصلنا إلى المدينة رحنا إلى المجلس المحلي لنستلم مفتاح بيتنا، ورافقنا موظف في السيارة ليدلنا على العنوان. كنا على وشك الوصول عندما رأيت فجأة، وعلى بعد مترين، كلبًا حارسًا. غير أن الشعور الذي انتابني- وربما نبع من إرهاق السفر- أنه لم يكن إلا شبحًا تقريبًا، كأنه، أبعد من كونه يعبر الطريق، قد تجسّد من العدم في وسط الشارع. ولم يتح لي الوقت لأفرمل. ضغطتُ على المقود بكل قوتي، وشعرت بالضربة في يديّ وبهذا الصوت الذي نسمعه مرة واحدة ولا ننساه أبدًا: صوت جسد المدهوس بمصد السيارة. نزلنا مهرولين. لم يكن كلبًا، بل كلبة، ومجروحة ولاهثة كانت تتفادى نظراتنا كأنها تشعر بالخزي.

مالت مايا ناحيتها وربتت بيدها على ظهرها، إيماءة ردت عليها الكلبة بحركة من ذيلها. وقررنا حملها فورًا إلى أقرب بيطري، وبينما كنا نفعل ذلك، في نفس السيارة التي صدمتها في التو، شعرتُ بأن حيوان الشارع والمتوحش هذا يمثل شيئين متناقضين في الوقت نفسه: فأل سيئ وفأل حسن، صديقة ترحب بنا في مدينتها لكنها أيضًا رسولة تحمل خبرًا مخيفًا. فكرتُ أن وجه مايا حتى قد تغير بعد وصولنا، من ناحية صار مثل الوجوه الشائعة- لم أكن رأيت من قبل وجوهًا كثيرة تشبهها-، ومن ناحية غدا أكثر كثافة، كانت بشرتها تبدو أكثر نعومة وفي نفس الوقت أكثر مقاومة، بنظرة حادة لكنها أيضًا أقل صرامة. كانت وضعت الكلبة في حجرها وبدأ دم الحيوان يبلل بنطلونها. والطفلة كانت في المقعد الخلفي، بنظرة معلقة في الجرح. وكلما قابلت السيارة مطبًا، كان الحيوان يلتفت ويصدر تأوهًا موسيقيًا.

يقال إن سان كريستوبال إما أن تحملها في دمك أو لا تحملها، هو كليشيه يطبّقه الجميع على مدينة مولدهم في أي مكان بالعالم، لكنه هنا يتمتع ببُعد أقل شيوعًا وواقعًا أكثر فرادة. فالحقيقة أن الدم بالتحديد هو ما يجب أن يعتاد على سان كريستوبال، ما يجب أن يغيّر درجة حرارته وأن يستسلم لثقل الغابة والنهر. نهر إيريه نفسه بكيلومتراته الأربعة عرضًا هُيئ لي في أحيان كثيرة كنهر كبير من الدماء، وثمة شجرات في المنطقة لعابها شديد القتامة حتى أنه من المستحيل تقريبًا التفكير في أنها نباتات. الدم يجول في كل شيء، يملأ كل شيء. ووراء خضار الغابة، وراء بُنية النهر، وراء حَمار الأرض، ثمة دم أبدي، دم ينزلق ويكمّل الأشياء.

تعميدي، بالتالي، كان حرفيًا. حين وصلنا إلى الطبيب البيطري كانت الكلبة عمليًا ميؤوس منها، وعند سحبها من ذراعيها رأيتُ نفسي مبللًا بلزوجة غدت سوداء عند تلامسها مع الثياب وكان لها رائحة ملحية مقرفة. أصرت مايا على أن يضعوا جبيرة لقدمها وأن يخيطوا جرح ظهرها، والكلبة غمضت عينيها كأنها لا تنتوي الكفاح أكثر من ذلك. بدا لي حينها أن عينيها تتحركان بتوتر تحت الجفون المغمضة، كما يحدث للأشخاص حين يحلمون. وأنا كنت أحاول أن أفكّر فيما يمكن أن تراه، أي حياة صعلوكية في الغابة يتذكرها عقلها، ورغبت في أن تتحسن حالتها وأن تعيش كأن جزءًا كبيرًا من أمني الشخصي في ذاك المكان يعتمد على ذلك. اقتربتُ منها ومررت يدي على بوزها الساخن بيقين، شبيه بالاقتناع، بأنها تفهمني وأنها ستبقى معنا.

بعد ساعتين، كانت الكلبة تبكي في باحة بيتنا وكانت الطفلة تعد لها إناءً من الأرز وبقايا الطعام. جلسنا معًا وقلت لها أن تفكر في اسم لها. لوت هي أنفها، إيماءتها الطبيعية لتمنح لترددها دراماتيكية، وقالت: “مويرا”. وهكذا ظل اسمها للآن حتى وهي نائمة بعد سنوات طويلة على بعد خطوات مني، كلبة عجوز ملقاة في الممر. مويرا. وإذا كان على عكس كل توقع قد دفنتْ نصف العائلة، فربما لن يكون مستحيلًا أن تدفن العائلة بأكملها.

الآن فحسب فهمت رسالتها.

 

    • “الجمهورية المضيئة” صدرت حديثا عن دار ذات السلاسل في الكويت. وهذا الفصل بنشر هنا بالاتفاق مع المترجم.

أندريس باربا: Andrés Barba روائي ومترجم ومصور فوتوغرافي إسباني، ولد عام 1975بمدريد. يعتبر أحد أبرز الروائيين الإسبان الشبان حاليًا، حصل على العديد من الجوائز الهامة من بينها “جائزة إيرالدي” ونشر أكثر من 15 كتابًا ما بين الرواية والدراسة وكتب الأطفال، بالإضافة إلى ترجماته من الإنجليزية وأبرزها “موبي ديك”.

 

أحمد عبد اللطيف، كاتب ومترجم مصري