فصل من رواية “في علبة الضَّوء” للكاتبة اللبنانية رلى الجردي

 

الفصل السادس

6

كان والد جابر، عبد الرزَّاق، وأمُّه وأخته هالة، قبل أيَّام من اندلاع الانتفاضة سنة ١٩٩١، في حيِّ الأندلس في البصرة. أوصلهم الأب إلى بيت أقرباء لهم، وذهب يتفقَّد المحافظ وأعوانه، وينظر معهم في وضع الجيش العراقيّ المنسحب من الكويت. وعزم على العودة مع العائلة في اليوم التالي إلى بابل. لكنَّ هالة كانت تتصبَّب عرقًا وتتنفَّس بصعوبة جرَّاء التهاب حادّ في الرئتين، ما استدعى نقلها إلى المستشفى.

رلى الجردي

كان عبد الرزّاق يعلم بأنَّ عشرات العراقيِّين في البصرة يحلمون بفرصة كهذه لينتقموا من رجل مخابرات مثله، أجبر عوائل المشتبه فيهم وحتّى المعدومين، على توقيع تعهّدات خطيَّة بعدم مزاولة أيّ نشاط مناهض للحكومة، وإجبارهم على المثول عدَّة مرَّات في الشهر أمام لجان تحقيق. مرَّ يومان وهو يتململ كقطٍّ وقع في فخّ. وأخرج الجميع من باب جانبيّ للمستشفى، حين استردَّت هالة عافيتها، وأدخلهم في سيَّارة شبه مهترئة. وصل إلى حيٍّ شبه مقفر. أوقف السيَّارة قبالة محل بقالة لم يكتمل بناؤه، وأطفأ المحرّك وقال: “انتظروني في السيَّارة”. غاب بضع دقائق ثم أطلَّ مرَّة أخرى مع رجل آخر، سمعوه يقول لهم: “بسرعة …بسرعة. گلهم يدخلون البیت!”. وما إن خطا عتبة المحلّ حتّى أطلَّ رجل مسلَّح من اليسار، رفع الكلاشن وأطلق عليهما النار ثمَّ اختفى. تناثر الباذنجان المكدَّس فوق بطن أبي جابر، فامتزج لبُّه الأبيض بالدَّم وبرقت قشوره السَّوداء.

بدأت هالة تبكي، وصرخت حياة صرخة قصيرة لأنّ الذُّعر لكزها فأسكتها. أمَّا جابر، فبدأ يرتجف، لكنَّه مسح دمعته بصمت ودبدب خارج السيَّارة. عليه أن يستعيد زئير الأسد، أن يمتلك وجوده في الغابة. كان يجلس قرب والده ليتفرَّجا على الأسد في برنامج عالم الحيوان، فيغطّي وجهه بيديه. ويضحك أبوه قائلًا: “شايف شلون يفترس الغزال؟ مَحد يسأله ليش؟ مَحد يتجرّأ عليه. لأن هذا حقَّه!”

تمدَّد جابر مع أخته على الإسفلت، الواحد باتجاه الآخر، وأمّهما تربِّت على رأسيهما. سمعوا أصوات رجال يتشاورون بحذر في حيّ مجاور. شعر جابر بماء يغمر خاصرته. بوَّلت هالة في ثيابها، ومسحت بيدها مخاطها الذي نزل على فمها. وشدَّ جابر على شفتيه ليخنق غصَّته. سمعوا وقع أقدام تقترب. حذَّرتهما أمُّهما من ذكر اسم أبيهما أو النَّظر إلى جثَّته. كان في عينيها مخالب نمر وفي صوتها ضُغاب كنبرة الأرنب الحادَّة حين يتوحَّش. ظهر رجل وسألهم عن أسمائهم، فقالت له إنَّها من عائلة السَّاعدي. لم تذكر اسم عبد الرزَّاق ولا عائلته. أضاف:

ـــــ وين تسكنون؟

ـــــ بابل.

نظر إلى القتيلين في محل البقالة كأنَّه يعرف كلَّ شيء. قال: “هاي الفترة راح تروحون معي للمبرَّة مالت الشَّاكري. بس يفرجها ربكن تروحون بابل، زين؟” وقف جابر وتبع الرجل دون أن يلقي نظرة ولو خاطفة على والده المسجَّى على الأرض. أهكذا يمتلك وجوده في الغابة؟ بالتبرُّؤ من والده لحظة يموت؟ بخنق العبرة حزنًا عليه؟ بترك ماضيه كجثَّته، يأكل نفسه أمام نواظرهم؟

اختنقت الانتفاضة قبل أن تعيد رسم مسارها. خنقتها تماثيل صدَّام الغاضبة. ساءها ما حلَّ برؤوسها وأعناقها على أيدي الذين كفروا بالقوميَّة. الصَّنم نفسه الذي تعرَّض للشتم وتلقَّى شرار النار في ساحة سعد هو الذي أخمد الثورة. الأصنام تعمِّر أكثر من الأحياء حتَّى حين يُكسر عمودها الفقريّ. تُغيِّر ولا تتغيَّر. لا تلد ولا تولد. لا ترضى بأقلّ من العبادة. تفرَّج الأميركيُّون على الأصنام تقضم الانتفاضة وتترك الجثث تتساوى في الشوارع.

رحل جابر، في السنة ذاتها، مع أمِّه وأخته إلى جرمانا في سوريا. كانت أمُّه ناقمة على كلِّ شيء؛ على والديها وأخيها رضا لأنَّهم تخلّوا عنها ساعة تزوَّجت من عبد الرزَّاق، وعلى نفسها لأنَّ حبَّها له لم يتعدَّ ولعها بخصلةِ شعره الفضِّيَّة وسط سواد حالك.

***

تتحرّك نيويورك وتتغيّر نور. تراها مدينة صعبة، صلبة، خلَّابة. يرهقها المشي الآليُّ السريع بين محطة مترو وأخرى. تركِّز في نقطة وهميَّة في رأسها كلَّما انحشر جسمها مع الأجسام الأخرى المتكرِّرة. هي في عالم غير معهود يتخلَّله صرير فرامل، صفَّارات، اصطكاك قضبان السكك الحديديَّة بدواليب القطارات. فالاصطدام بروائح البول والبصاق والعفونة في الجوّ السَّاخن روتينٌ لا بدَّ منه. تعلَّمت في دار شمس كيف تتنشَّق نفحات الأتربة والأعشاب بعمق. تُدخلها إلى جوفها وتتركها تقوم بعملها السَّاحر. وكان عليها، في نيويورك، أن تتظاهر بأنَّ الروائح لم تصفعها، وأنَّ الأصوات أقلُّ عنفًا. حقول دار شمس ونهرها لا أثر لهما هنا. ومع ذلك، فالشجر والماء يلوِّنان المدينة. هذه المدينة العموديَّة لها ظاهر وباطن. كلاهما جميل وقبيح. نيويورك هي خطُّ الأفق وناطحة سحاب وما بينهما من ملائكة وشياطين.

كانت، قبل ساعات من حلول السَّنة الجديدة، تنظرُ إلى وجه جابر. جلس قربها على مقعد البامبو في بيت زميلة لها في سوهو، وواكبت نظراته شعرة نائمة على خطِّ الكحل الممتدِّ فوق إحدى عينيها الناعستين. بدا وجهها أكثر امتلاءً كوجه طفلة. قال:

ـــــ متغيِّرة لو آني أشوفچ أجمل.

ـــــ إنتَ كمان متغيِّر. هيدي اللِّحية كانت لازمتك.

ـــــ لازمتني؟ ليش؟

ـــــ بتبيِّن كأنَّك عم تبتسم. لازملك تبتسم أكتر. بدل ما عاقد حواجبك وعاملّي أستاذ رياضيات.

ـــــ کلّ لحیة وليها قصَّة وهاي قصَّتها حزینة تعرفينها. بس دام عاجبتك نخلِّيها.

ـــــ عاجبتني.

عرضت صاحبة الحفلة على الحاضرين، حين اقترب اللَّيل من منتصفه، لقطات لأهمِّ أفلام أميركا اللاتينيّة التِّي صدرت في السنوات الأخيرة. اكتظَّ المكان بالساهرين وخفتت الموسيقى. لبسا معطفيهما وخرجا إلى البلكون. شدَّها جابر نحوه والتحم جسداهما المرتجفان من البرد. مرَّر يدَه على خاصرتها وتلامست شفاههما. فتح أزرار معطفها وكنزتها فقالت: “جابر لا، لا، وقّف.” ابتسم مجيبًا: “زين.. زين.” مسح على لحيته ليتحايل على شهوته وابتعد عنها. كانت قبل اليوم متأكّدة من السَّعي نحو الملموس، من إشباع الرَّغبة التي لا تحتاج إلى تحليل أو إثبات أو عذر. لكنَّها اليوم تريد شيئًا آخر. تريد أن تحرم نفسها من اللَّذات المتقطِّعة القصيرة كي تخلق لذَّة بعُلوّ وطول يناسبانها. تريد قليلًا من الحرمان كي تحصل على شيء من السَّعادة، عندها يتخلَّص جسمها من الالتباس.

اقترب منها وقبَّل رأسها. شعرت بفرح غريب. قالت: “جابر، تأخَّر الوقت، لازم نروح.” نزلا إلى الشارع ينتظران قدوم سيَّارة أجرة. أضاءَ الثلج السَّماء خلف أحياء سوهو التي عُرفت في الخمسينيَّات باسم “مئة فدَّان من الجحيم”. كانت سوهو يومها أرضَ خراب صناعيَّة. دخلها بعد عقود رسَّامون وفنَّانون وشعراء. قطنوا في الطوابق العلويَّة لمبانيها لينجزوا أعمالهم. دورٌ بلا حيطان، غنيَّةٌ بالضَّوء، في مقابل حفنة من الدّولارات. ورغمًا عن قوانين الإيجار، أكلوا وشربوا وناموا فيها. حوَّلوا سوهو من مصانع لتدوير الورق والأقمشة إلى منازل دافئة ومتاجر رائعة عجيبة. كانت نيويورك من هنا، من سوهو، قد بدأت تأخذ شكلها الطبيعيّ بالنسبة لنور. أهي دقَّات قلبها المتزايدة التّي دلَّتها على رونق هذا المكان؟

استقلَّا سيَّارة الأجرة. نظرا إلى الطرقات وهي تمتصُّ انعكاسات زينة العيد. الصِّفر رقمٌ ثوريّ، فكَّرت نور. تشعر بأنَّها تقع في الحبّ والحرارة في الخارج صفرٌ تمامًا. توقَّفت سيَّارة الأجرة، بعد دقائق، أمام شقَّتها فودَّعته. قال: “يوم واتَّصل بيچ.” كرهت الانفصال عن رائحة النَّبيذ والصَّنوبر المثلج التّي تفوح من جسمه.

مرَّ يومان ولم تسمع منه كلمة. شرب في الحفلة عدَّة أكواب من النَّبيذ. تُضخِّم أجواءُ الحفلات المشاعرَ. هل جعلته يقول أشياء لا يعنيها؟ أحسَّت بقلق شديد قضى على شهيَّتها للطعام.

بدأت أصوات هدير الشَّاحنات وأبواق السيَّارات تصدح من جديد. عاد العمَّال إلى تنظيف الشوارع من الثلج بالمجارف وجمع أكياس النّفايات، كأنَّ السَّنة تقلِّد التي سبقتها. اتَّصل جابر معتذرًا بأنَّ أقرباء له جاءوا لزيارته بغتة من شيكاغو. قال:

ـــــ لازم نحچي.

ـــــ إي.

ـــــ أكو مطعم صغير قريب من نهر الهادسون. أحب أعزمچ عليه.

ـــــ طيِّب. على العشا؟

ـــــ زين.

وصلت إلى المطعم قبل الموعد بربع ساعة. جلست تنظر إلى نهر الهادسون. قرَّرت أن تتصالح معه، فتوقَّفت عن مقارنته بنهر دار شمس. خفَّفت الأضواء من رماديَّته وبرودته. تقطعه المراكب وتمرُّ من فوقه الجسور، وتستقرّ في باطنه الأنفاق. تستريح مانهاتين، على ضفَّته الشرقيَّة. وتبحر من هناك القوارب بين بروكلين وجزيرة ستايتن ثم تكمل سيرها لتصل إلى المحيط الأطلسيّ. لم يبقَ على ضفافه سوى خيالات وانعكاسات للسكَّان الأصليِّين؛ للهنود. كان أهل قبيلة لينايب يسمُّون نهرهم بما يليق أن يسمَّى، بعلامة فريدة: “النهر الذي يسير في اتِّجاهين” أو، موهيكانْتاك. يجتمع في الشتاء الجليد في المناطق الباردة ويتبدَّد شمالًا وجنوبًا، وفقًا لسير النهر.

يحمل النَّهر اليوم اسم هنري هادسون، وهو بحَّار قام باكتشافه سنة ١٨٧٤، وقدَّمه قاعدةً للمستعمرين الهولنديِّين. كيف يكتشف الإنسان نهرًا؟ كيف يكتشف الرجال الهواء والنوارس والأحجار؟ أليست فكرة الكشف التِّي تتحدَّث عنها عمَّتها أقلَّ حماقة من الاكتشاف؟ أليس الأجدى أن يُعرِّف هؤلاء الرَّحالة أنفسهم بالنَّهر كالحجَّاج الذين يغيِّرون أسماءهم بعد زياراتهم أماكنَ مقدَّسةً؟ لماذا لم يأخذ هنري هادسون صفات النَّهر؟ لماذا لم يتعلَّم منه شيئًا؟ أهكذا يشعر السَّارق العصريّ الجديد وهو يهلِّل لعالم الاكتشافات؟ أيظنُّ أنَّ ما سرقه لم يكن موجودًا إلَّا حين وقعت عيناه عليه؟ لم يخطر في بال السكَّان الأصليِّين أن يكتبوا أشجارهم وماءهم بأسمائهم، لأنّهم يعلمون بأنَّها ليست ملكهم بل هم ملك لها.

ابتدأ الإنكليز والهولنديُّون، بعد عبور هنري هادسون نهرًا لا يعرفه ولا يفهمه، يتناحرون على استعمار تلك البقعة من الأرض. حمل النَّهر ماضي نيويورك هذا وحاضرها. صار معبرًا إلى لقمة العيش، إلى أحلام عصريَّة وهويَّة جديدة. غيَّر القادمون المدينة، فانقسمت إلى نيويوركات مختلفة، متنافرة تارة وتارة متجانسة. انبثقت ظلال جديدة من السَّواد، سواد البقاع الآسيويَّة والأفريقيَّة. خاف فالمهاجرون القدماء. رغبوا أن ينصهرَ الجدد في جسم نيويورك من دون مقاومة، وألَّا يحاولوا تغيير نيويوركهم البيضاء.

مرَّ جابر بأصابعه فوق أصابع نور وقال:

ـــــ تعرفين نور شنو أوّل شيء عشگته فيك؟

ـــــ شو؟

ـــــ صوتچ. چان يحيِّرني. چنت أشتهي أذوگه.

ـــــ وأنا علقت بالنَّمشة هيدي الّلي حد رموشك.

ـــــ أحبّچ.

قبَّل باطن يدها فارتعشت من الفرح. ستصل إلى باطن نيويورك كما وصل جابر إلى باطن كفِّها. غيَّرها الحب ووشَّى المدينة. تستطيع الآن أن تترجمها إلى لغتها من دون أن تخسرها. قسوتها، حنانها، جرائمها، وعطاءاتها ستصبح جزءًا من حكايتها. ستتحدَّث معها، لا كغريبة، وهذا يكفيها اليوم.

***

بالرّغم من عشقها جابرًا، فإنَّ جسدها كان يطلب التمهُّل بل يندفع رغمًا عنها في اتِّجاه اليابسة كلَّما أجبرته على خوض الأمواج، وكلَّما استعرضت حججها المنطقيَّة عن العذريَّة وبلاهةِ المصابين بها. لم يهزأ جابر منها كما فعل أكرم الذِّي علَّق: ” “نور شو بكِ؟ ما خبَّروكِ إنُّه إجا القرن الواحد والعشرين!”. لم يخطر في بال أكرم أنَّها أدركت أمورًا جديدة عن نفسها. تودّ الآن أن تتقشَّف في رغباتها؛ أن تمشي خطوات موازية لخطوات عمَّتها كي تعيد صياغة جسدها، كي تتناغم الأعضاء كلّها فتقترب ممَّا تريد، من جابر. حين خرجت عمَّتها من البيت ليلًا إلى القبو، كانت تهيِّئ جسمها لمحبَّة الخالق. أدركت ذلك المساء إلى أيِّ درجة تستطيع أن تحبّ. طقوس من الحرمان غيَّرت جسدها. لم يعد هو نفسه. صار بسيطًا متجاوبًا مع طريقة القلب. تحتاج نور الآن أن تتبع ظلّها حتَّى يختفي، إلى أن تعثر على صورة لم تَرَها من قبل، صورتها هي. بدأ التقليد يكشف لها سرًّا من أسرار الحياة.

لمّحت نور في رسائلها لكاميليا إلى وجود حبيب في حياتها، لكنّها لم تذكر أيَّ تفاصيل. أمَّا جابر، فعلى عكسها، فقد أعلن لوالدته عبر الهاتف: “أم جابر ابنك عشگان واحدة لبنانيَّة.” ضحكت وقالت: “تره الحب ما هو کلمة وبس. شوف أمَّك وحظها المصخّم!”. ثمَّ اتَّصل بنافع، أستاذه. كانت مخابرة قصيرة مشى بعدها إلى البلكون وهو يغالب البكاء الممزوج بالضَّحك. نشر نافع قصائده بعد خمسة عشر عامًا على شلل الكلمات. تحدَّث عنها كما يتحدَّث عن طفل أنجبه بعد سنوات طويلة من العقم. لكم تمنَّى جابر سماع خبر جديد عنه، أيِّ خبر، كأن يقول له إنَّه عاد إلى عمله في التدريس، أو وقع في حبّ امرأة، أو لحق برفاقه في السّويد. لكنَّ الأيَّام مرَّت ونافع قابع في جرمانا كإنسان يعمل في محطَّة قطار ويرتاب من ركوبه. وفتحت عودة الشِّعر إليه ثغرة في حائط الذَّنب الذي انتصب أمام جابر لسنوات كابن رجل مخابرات.

علَّمه نافع العزف على العود، وعوَّد أذنه على المقام حين كان في جرمانا. رموه في السِّجن خلال سنوات الحرب مع إيران، ثلاثة أشهر لأنَّه رفض أن يكتب قصيدة يهجو فيها أعداء صدَّام. حين خرج، عرف أنَّه لن يسمع كركرة الماء المتدفِّقة في ضحكة أمِّه. توفيّت في حادث سيَّارة. تساقطت أحلامه مع شعرات رأسه. انحنى أمام قبرها وهمس: “سامحيني يمّه. يا ريت گدرت أفديچ بعمري.” ومزّق القصائد التّي حضَّرها للنشر وتوقَّف عن التعليم. أغلق باب الغرفة على نفسه وجلس مع عوده. رضخ يومًا لإلحاح رضا خال جابر فذهب معه إلى مقهى في الأعظميَّة لملاقاة بعض زملائهم. هناك رأى أحد شعراء صدَّام الجدد يشرب العصير. مشى نحوه، وقبل أن يستطيع رضا اللَّحاق به كان قد بصق في وجهه. أُخذ هذه المرَّة إلى سجن نقرة السَّلمان. كان ينتظر الموت المحتم.

لم يمت. لكنَّه حين عاد إلى الكاظميَّة لم يقوَ على النَّظر إلى الخيالات والأصوات التّي يتركها الناس من حوله. كان كقلب أُفرغ من حرارة الدِّماء. كان أكثر صلابةً في السِّجن حين أنجز بروڤات موته. لكنَّ صُوَر زنزانته ورفاقه انقضَّت عليه حين عاد إلى حياة يصعب فيها الموت. صور مكتَّظة بقلوب تعشق، وبانعكاسات أجسادها العموديَّة وصمتها الأفقيّ الأخير. رجاه أبوه أن يهاجر إلى أيِّ بقعة أخرى من الأرض.

على الرّغم من حبّ جابر لنافع، فإنَّه لم يكن يعرف كيف يكره أباه من دون أن يسير إلى الهاوية. في داخله غرفةٌ معتمة وفيها صورته وهو يجلس في حضن أبيه. باب الغرفة مقفل. لا يستطيع أن يستعيد الصُّورة أو يمزِّقها. كلّ ما استطاع قوله لنافع قبل أن يترك جرمانا إلى لوس أنجلس: “چنت أتمنَّى لو إنت والدي”. وشعر بأنَّ الأقدار وضعت الواحد منهما في طريق الآخر كي يجدا لغة ألم واحدة تحت ركام الثنائيَّات.

***

قدِمَ أيَّار للمرَّة الثانية، فعزمت نور على الذَّهاب إلى لبنان لتصوير أحد الفيلمين القصيرين لأطروحة الماجيستير. كانت تفكِّر في دار شمس وأهلها الذين لم تَرَهم منذ سنتين. كانت تفكِّر في نفسها أيضًا. لَكَمْ تغيَّرت. شعرت بأنَّها تختزن قوَّة غريبة، وهي تقف على شرفة الشقَّة الجديدة التي اشتراها جابر، ربَّما استمدَّتها من نيويورك، من امتحانات العيش فيها، من جرأتها، من ألحان مقاهيها. لو أحاط بها جابر بذراعيه الآن وهي تدير ظهرها لبروكلين فلن تعترض. ستتركه يقرأ ما كُتِب خلف كلّ صورة من جسمها. لَكَمْ كبرت الزَّنابق البيضاء في الحوض الذي اشترته له. تعلو الآن فوق البلاط الحجريّ الأحمر. تبدو مغرية بضلوعها الخضراء، وتسيطر على الورود المحيطة بها. تشعر نور، وهي تتأمَّلها، بأنَّها اقتربت من البحر وباتت قادرة على الاندفاع مع حركة الأمواج. لم يعد جسمها مكبَّلًا بالاضطراب العذريّ والشكوك. صار خفيفًا طيّعًا.

دخلت الصالون وجلست على الكنبة، ألقت بيديها على المساند المحيطة بها. ارتشف جابر فنجان القهوة وقال:

ـــــ نور لمّن توصلين دار شمس تصارحين أهلچ بعلاقتنا. ويش ننتظر؟

ابتسمت ومالت بعنقها بأسلوب مبتكر. تراءى له في تلك اللَّحظة أنَّ في عينيها زنابق، والزَّنابق طفت على وجه بحيرة داكنة. مشى نحوها ليتأكَّد ممَّا رآه. سمع لهاثها وهمس قائلًا: “أريد أنام سنين فْحضنچ”. التصقا طويلًا حتَّى نضج طعم الجلد وصارت القبلات جسمًا آخر. تعلَّما كيف يتنفسان من فم واحد وكيف يُكملان السكوت.

لم تجدِّد نور إيجار شقتها في مرتفعات مورنينغ سايد. انتقلت قبل سفرها إلى لبنان للعيش مع جابر في الشقَّة ذات الشبابيك العارمة وإطارات الخشب العسليَّة. لم يكن يحتمل شبابيك لها قضبان حديديَّة. قال إنَّه بحث كثيرًا عن شقَّة تستقبل أشعَّة الشمس والقمر وانعكاسات الأشياء من الخارج. من بابل وبغداد إلى جرمانا، ومن لوس أنجلس إلى نيويورك، يستطيع الآن أن يتغلَّب على شكّه في وفاء الأمكنة. يستطيع أن يأنس بحنينه إلى أصدقاء وطرقات تركهم وتركها في العراق. لم يعد يريد أن ينظر إلى شجرة الدَّردار في سنترال بارك ليفتِّش عن سعفات نخيل.

شعرت نور، هي الأخرى، شيئًا فشيئًا، باقتراب المستقبل، وبأنّ العقل والعاطفة توقَّفا عن لعبة التنافس الوهميَّة. بدا لها أنَّ المكان الطبيعيَّ هو صدر جابر. أمَّا الزمان فهو مجهول يعبر بين ساعتي قلب، كلّ منهما بإيقاع.

***

وصلت نور إلى مطار بيروت بعد ظهر يوم السبت. كانت تفكِّر في أمِّها وأبيها. لَكَمِ اشتاقت إلى متَّتهما الصباحية! نظرت إلى صورة كاميليا على زجاج حاسوبها. تأمَّلت عينيها الزرقاوين وخدَّيها الورديَّين. تشبه كثيرًا خالتها مهيبة. قامت هذه السَّنة بالتحويل من البيولوجيا إلى علم البيئة في الجامعة الأميركيَّة. أمَّا أخبار محمَّد التي وصلتها خلال سنتين، فكانت متضاربة. مرَّة يقولون لها إنَّه أصبح عاقلًا، ومرَّة أخرى يخبرونها بأنَّه يتحاشى الجلوس مع بعض أصدقاء والديها القدامى لأسباب دينيَّة.

كان أبوها في انتظارها. أدمعت عيناه وقبَّلها قائلًا: “طوَّلتِ الغيبة يا بابا. فقدنالِك كتير.” وأخبرها، في الطريق إلى دار شمس، أنَّ محمَّدًا لبسَ زيّ الجودة وانضمَّ إلى حلقة الشَّيخ فوزي. وأضاف، والمرارة تُثقل صوته، أنَّ ابنه كان مهووسًا باصطياد العصافير قبل أن ترحل هي إلى أميركا. أمَّا هذا الصيف، فقد صار صيدًا للشيخ فوزي. لا يفوّت مناسبة لزيارته والعمل بنصحه.

شعرت نور بالاختناق. صار موضوع زواجها من جابر صار أكثر تعقيدًا. لا يجب أن يعرف محمَّد شيئًا قبل أن تقنع أمّها وأباها بالموضوع. لمعت ذكرى عابرة في رأسها عن محمَّد. كان في السَّابعة من عمره. جلس يرسم ألوان الحدود الخمسة، سادة الموحِّدين الدُّروز، على غلاف دفتره. سألته يومها خالتها عايدة:

ــــ هودي الحدود الخمسة؟

ــــ هودي الألوان السِّحريّة. في أزرق وأحمر وأصفر وأبيض وأخضر. إذا خلطناها وحطَّينا سمّ العنكبوت معا منعمل وِيبْ فْلُوِيد.

ـــــ شو؟

ـــــ هيدي حبال بيرشّهم سبايدرمان من إيديه. بيِلَزْقو بالحيطان، بيصير يطير.

استبدل اليوم محمَّد سبايدرمان، رجل الخوارق، بسادة لهم كرامات. لكنَّه لم يفهم الطيران. اكتفت روحه بالدَّوران في الهواء الذي يخرج من فم الشيخ فوزي. جعله مثالًا يُقتدى به، لكن ليس كما اقتدى الشَّيخ فوزي بالشَّيخ مزهر. فهذا الأخير كان رجلًا حيّيًا رقيق القلب. يقولون إنَّ بعض الكائنات المفترسة في الطبيعة تقلِّد مخلوقات مسالمة كي تقلِّص من نسبة الاعتداءات عليها من الآخرين. التنكُّر بمظهر كائن مسالم، مثل الشَّيخ مزهر، كتب للشَّيخ فوزي فرصةَ النجاة. بعد أن جذب عددًا كبيرًا من التلاميذ إليه، أصبح قادرًا أن يصدَّ هجمات مَن هم أعلم وأمهر منه.

نزلت نور من السيَّارة حال وصولها إلى الحيّ قائلة: “بدّي شوف عمتي سارة وخالتي مهيبة. بابا اسبقني على البيت. لاحقتك.” ركضت في الطريق الحجريّ الملتوي الذي ظلَّلته أشجار السنديان والكينا ودخلت الخلوة. ارتمت في حضن عمَّتها. تنشَّقت رائحة الحبق واسترخت براحة طفوليَّة. وما إن همَّت بالسُّؤال عن خالتها مهيبة حتَّى رأتها تدخل المجلس وفي يدها باقة من الزُّهور البريَّة. ضمَّتها نور بشوق، ثمَّ تربَّعت علی الأرض قبالتها. كان في عينيها نظرة حالمة لم ترها من قبل. أخذت تداعب الزُّهور بأصابعها. انحسر منديلها ليكشف عن شعر شبه مصفَّف. شعرت نور بغرابة هيئتها وحركاتها. تذكَّرت ما سمعته وهي صغيرة، فقد شعر والدها بالانكسار حين أقسمت ألَّا تتزوَّج وأن تصبح جُوَيِّدة. وقالت أمُّها بمرارة: “ما شفتِ شي من هالدِّني. وحيد مات، الله يرحمه. بكرا بيجي غيره. لازم تتزوَّجي وتجيبي ولاد!”. استفاقت نور من ذكرياتها على رائحة حطب مشتعل آتيةٍ من أحد البساتين المحيطة بهم، تململت ووقفت قائلة: “رح إرجعلكن بكرا. بعدني ما شفت إمّي”. علَّقت عمَّتها باسمة: “يا ترى رح تشوفي حدا بدار شمس متل ما تركتيه؟”

كانت أمُّها وكاميليا في انتظارها عند باب البيت. عانقتهما ضاحكة، ثمَّ تأبّطت ذراع أمِّها ومشت معها لتسلِّم على محمّد. “الحمدلله على سلامتك أختي”، قالها في وقفة منضبطة. خالت أنَّها سمعت رنَّة حنونة في صوته. ولم يُطل، في المساء المكوث معهم في الحديقة التي عجَّت بالأقرباء والأصدقاء.

لم تنم جيِّدًا. استيقظت متأخِّرة، وخرجت إلى النَّهر. استلقت على الأعشاب وعصرت أطرافها الطريَّة بين أصابعها، وتنشَّقت ماءها الأخضر اللَّزج. لا زال النهر وزائروه متشابهين. يهدأون حين يهدأ، ويقفز حين يضجُّون من حوله. يُصاب الجالس على ضفافه بالنعاس من دون أن يراوده الكرى في مثل هذا الفصل من السَّنة. وقد يغطّ فجأة بالنّوم دون أن يصاب بعوارض النعاس. أغمضت نور عينيها وهي تفكِّر فيما قالته لها أمَّها قبل أن تخلد إلى النوم. انضمام محمَّد إلى الأجاويد أمَّن له الهدوء النَّفسيّ الذي كان يفتقده. صار أقلَّ عصبيَّة وأكثر صبرًا. وجد أخوها الحلَّ لأزمته، أمَّا هي فمن سيحلّ لها مشكلتها.

***

كانت، خلال الأيَّام التالية، تسترق النَّظر إلى هيئة أخيها الجديدة، إلى سترته البيضاء، جبَّته، سرواله الأسود الفضفاض وشاربه العارم الذي يغطِّي شفتيه. كانت أمّها على حقّ. بدا أكثر هدوءًا وثقة بالنَّفس. أصبحت أمّها في الوقت ذاته، أكثر تحفُّظًا في لباسها وعاداتها اليوميَّة. شعرت نور بضيق شديد، وخطرَ لها أن تتحدَّث إلى كاميليا. جلست بالقرب منها على السَّرير. كانت تستمع إلى الموسيقى، فنزعت السمَّاعة من أذنيها وتربَّعت قائلة: “خير انشالله؟” حكت لها عن علاقتها بجابر. علَّقت بتجهُّم:

ـــــ مش يمكن لو تعرَّفتِ على حدا درزي كان عجبك كمان؟

ـــــ شو أنا عم فتِّش بصَحَّارة تين!

ـــــ أنا…

ـــــ بلكي كان لازم إهجم على أوَّل درزي بشوفه بنيويورك! أنا بحبّ جابر، بتعرفي شو يعني بحبّه؟

نصحتها بأن تفاتح عمَّتها في الموضوع. “عمّتي؟ لا، لا”، ردَّدت نور وهي تشعر بالوجل. حسبت حساب كلَّ شيء إلّا عمَّتها سارة. هل سيقضي حبُّها لجابر على علاقتها بها؟ لن تجد عمَّتها دليلًا في طيَّات ما قرأته واختبرته على أنَّ حبَّها لجابر حقٌّ لها.

حملت كاميرتها وقرَّرت أن تلوذ إلى دير القمر هربًا من همومها. حملتها قدماها إلى مسجد الأمير فخر الدِّين المعنيّ الثاني وسوق السكَّافين. مشت في ساحة الميدان، ونظرت إلى انحراف مئذنة المسجد المثمَّنة على أثر زلزال. ذكَّرها منبر المسجد المصنوع من الخشب الأحمر الدَّاكن بقاعة المحكمة التابعة لجدِّها الأعلى. طلب الأمير، في أحد الأيَّام، من طبيبه الكبُّوشيّ أن يعمِّده ليصبح مسيحيًّا. وعزا مؤرِّخ غربيّ ذلك إلى التقيَّة. قال إنَّه تعلَّم في بيئته الدرزيَّة كيف يحافظ على سرِّيَّة دينه، وكيف يكذب على الآخرين. حاول أن يُرضي العثمانيِّين، فصار أيضًا مسلمًا من أهل السُّنّة. لكنَّ في كلِّ ذلك ضربًا من المحال. قد رفع صوته بصلواته المسيحيَّة والإسلاميَّة إلى أُذنِ الله، مرَّةً وخمسًا وألفًا. صار مسيحيًّا وصار مسلمًا. احتفظ بمزيج لا يمتّ بصلة إلى أيّ طائفة؛ لا يختصّ بالدروز.

“تُرينا دير القمر حقيقتنا قبل أن يُفسدها التضادّ”، قالت لها عمَّتها يومًا. ألم يبن الرُّومان هيكلًا لإلههم قمر في البقعة حيث ارتفعت كنيسة سيِّدة التلَّة؟ غاب القمر في قلب مريم العذراء وصارت هي هيكلَ نوره ووعاءَ شعاعه. صارت مزيجًا من الكلّ. كانت دير القمر مكانًا واحدًا كليًّا للعبادة، في لحظات متباعدة من الزمن، ومتقاربة خارج الزمن. ضمَّت حجارة الوثنيِّين وكنيسًا لليهود، وتلقَّفت صلوات المسيحيِّين والمسلمين. أمَّ الصَّلاة في مسجدها أئمةُ المذهب الحنفي، وصلَّى الأمراء الشهابيُّون مصحوبين بمشايخ الدّروز.

جلست في أحد المقاهي واتصلت بجابر من هاتفها الخَلَوي. لم تستطع الخوض في موضوع زواجهما، قالت له، لأنّ محمَّدًا صار جُويِّدًا، وأيّ جُويِّد؟ أحد أتباع الشَّيخ فوزي الذي يتلذَّذ في تفنيد مصادر الكفر والانحلال لدى الطوائف الأخرى. صمت لبرهة ثمَّ سألها: “ليش ما تحچين ويّ عمتچ؟” أجابته بخوف: “عمتي؟ لا. لا مش قادرة!”. ستنتهي من تصوير الفيلم قريبًا، فتجمع أمها وأباها وتصارحهما بالموضوع. ستسألها أمّها عشرين سؤالًا عنه قبل أن توافق. وسيُعجب والدها بصفاته. سيُريها من جديد ذلك الجرح في رأسه، وهو يقول إنَّه تذكار من مظاهرة طلَّابيَّة تندِّد بالطائفيَّة. سيطلب من عمتها أن تسامحها على إساءة لم تقترفها. سيحبّ جابر كثيرًا.

***

أنهت التَّصوير في بلدتين ريفيَّتين، بعد مرور ثلاثة شهور، ولم يبقَ أمامها سوى البلدة الثالثة. بحثت، في مسودَّة فيلمها التوثيقي، في التحوُّلات التي طرأت على علاقة الإنسان بالطَّعام في بداية القرن الواحد والعشرين. ربَّما كان تقشُّف عمَّتها وفقدان الشهيَّة لدى سارة برانفورد يجولان في ذهنها حين اختارت موضوع الفيلم. كتبت في نيويورك الخطوط العريضة له. أمَّا الإيقاعان الزَّمنيّ والمكانيّ وطريقة السَّرد فستبلورها فيما بعد. وانضمّ إلى فريق عملها مدير فنِّي يشرف على أماكن التَّصوير ومهندسُ صوت وشخصٌ يُعنى بالإضاءة.

منعها انشغالها بالتَّصوير من زيارة الأقرباء. قالت رباب لسلوى: “شو كأنّها تْأَمْرَكِت نور؟ ما حداش عم بيشوفا؟” فأسكتتها كاميليا قائلة: ” شو رأيك قِلّا تجي تصورك. هيك بتشوفيها!”. ومع ذلك، لم تجد نور بدًّا من الذهاب إلى المتن الأعلى لحضور عرس نوال، زميلة قديمة لها في الجامعة.

استيقظت في صباح يوم الأحد على صوت والد نوال يدندن مع فريد الأطرش “علشان ما ليش غيرك”. كانت تشعر بصداع شديد في صدغيها وتجرُّ قدميها جرًّا. امتدَّت حفلة العرس البارحة إلى بعد منتصف اللَّيل. وقرَّرت، بعد أن غادر العروسان، أن تبيت في منزل عائلة نوال.

لبست ثيابها ببطء وحملت حقيبتها استعدادًا للعودة إلى دار شمس مع صديق لأبي نوال يعمل سائق أجرة. وقبل أن تغادر الشقَّة، ملأ المكانَ صراخٌ حادّ في البناية تبعه سباب. سمعوا توسّل رجل ممتزجًا ببكاء امرأة. هرع أبو نوال إلى الطابق الأعلى وهو يقول: “هيدا بيت أديب اللحّام!”. لحقت به زوجته وابنته، وتبعتهم نور مشدوهة. أطلَّ رجل بكتفين ضخمتين ورأس صغير. كان يحمل سكِّينًا. سأله أبو نوال: “شو الموضوع يا جماعة؟ شو في يا أديب؟”، فصرخ قائلًا: “بدنا نذبحه هالمسلم الكلب اللّي ضِحِك على أختي وتزوَّجا! بدي إسلَخْلُه جلده متل ما بِسلخ جلد البقرة!”. صرخ به أبو نوال: “لاه لاه، اعطيه للدَّرك! شو عم تعمل؟” أجاب: “فِش عندي دَرَك! في نار بصدري بدّي طفّيا. روح فِلْ مِن هون!”، ثمّ استدار وقال لوالدته: “إمّي زيحي تَقِلّك. بدّي فرجي النّاس كلّا عليه!”.

دفع، بعد لحظات، شابًّا بثيابه الدَّاخليَّة أمامه. وجهه كان مليئًا بالكَدَمات والدَّم يغطّي عينه اليسرى. صرخت نور: “مجرمين! اتركوه .. ما إِلكُنْ حق!”. جحظت عينا اللَّحام وشتمها: “انقبري اسكتي! إي تفوه على البنات!”. وخرج رجل آخر من شقّة اللَّحام وبدأ يضرب الشّاب بقطعة حديد، فأخذها أبو نوال منه بالقوَّة. دفعت أمّ نوال ابنتها ونور أمامها فنزلتا بضعة أدراج في اتِّجاه البيت. صعدت من الشّاب صرخةٌ مخيفة تلاها صمت. كان قد أُغمي عليه. صرخ أبو نوال بأعلى صوته: “يا مجانين، قطعتولُه ياه!”. لم تستطع نور أن تحرِّك قدميها. سمعت اللَّحام يقول: “بدّي علقه على شريط الكهربا قدّام هالبناية لحتّى يُصْفى دمُّه!”، وأجاب الرَّجل الآخر: “يا خال، بيت النار عندك. رصاصة واحدة وخلصت!”. رمى أبو نوال نفسه فوق الشَّاب كيلا يحاولا قتله. لم يتجرَّأ أحد على مساندته ما عدا امرأة تعمل ممرِّضة. وصلت سيَّارة الإسعاف بعد دقائق مع رجال الشرطة، فنُقل الشّاب إلى المستشفى، واعتُقل اللّحام وخاله.

كانت أخت نوال تتأبَّط يد أمّها مذعورةً، حين استعادت البناية هدوءها، فشجَّعتها قائلة: “ما تخافي يا بنتي. ما رح يصير عليه شي. متل السعدان. يالله بيستاهل!”. اعترى نور وجعٌ حادّ في معدتها، فأتت لها بفنجان من ماء المريميَّة لتشربه، لكنَّها أبعدته عنها. همست ودموعها تنهمر: “ما كنت عارفة إنُّه في بقلبك كلّ هالحقد. عم بتدافعي عن الإجرام؟”. تعجَّبت من تطاول نور عليها بالكلام، وعبست قائلة: “اصطفلي!”.

وقفت لتغادر الشقَّة. رفعت حقيبتها عن طاولة الصالون. كانت يدها ترتجف بشدَّة، فارتطمت الحقيبة بكيس قربها وقع على الأرض وخرجت منه عشراتُ كاميرات الكوداك باللَّونين الأسود والأصفر. رأت لوهلة قدميها بعيدتين عن جسمها والكاميرات كالنّمال تزحف نحوها. جمعتها والدة نوال استعدادًا لأخذها إلى الاستوديو للتظهير. انتقلت بخفَّة وأنفة من طاولة إلى أخرى كأنَّها راقصة باليه. حثَّت ضيوفها على التقاط صور لهم وللعريسين. انتشرت الكاميرات على الطاولات كأنَّها ربطات من الخبز. منخفضة الكلفة، مُعَدَّة للاستخدام مرَّة واحدة، ومزوَّدة بفلاش مدمج وبَكَرَةُ فيلم مثبَّته. كان هذا أقصى ما توصَّلت إليه كوداك في الاستغناء عن المصوِّر المحترف. صنعت عَشرات الأيدي اللَّقطات. مع هذا، كانت متجانسة مترادفة ذات بسمات ميكانيكيَّة أدمنت عليها الكاميرا.

***

مشت نور تحت الشمس المحرقة في طرقات لا تعرفها. استدلَّت على موقف سيَّارات الأجرة. كانت النار تعشِّش في شعرها، ترقد كالجمر بين جفونها المبتلَّة بالدُّموع، وتحرق شفتيها الناشفتين. لا تتذكَّر ما قالته لسائق الأجرة، ولا كيف انطلقت السيَّارة بها إلى دار شمس. امتدَّت موجات من الألم من عنقها حتَّى أذنيها. تحوَّل فمها إلى مغناطيس يشدّ صفَّ أسنانها الأعلى في اتِّجاه الأسفل، ويقاوم انفصال الفكَّين.

فكَّرتْ في الرَّصاصة التي لم تخرج من بيت النار؛ لم تقتل الشاب. فكَّرت في الرَّصاصات الدافئة التي يطلقها بيت على نفسه، وعائلة على أطفالها، ومدينة على أهلها. تنغرس في أجسامهم لتحميهم كما تفعل حقن اللّقاح ضدّ الشّلل وضدّ الأوبئة. تُميت عاطفتهم تجاه البيوت الأخرى والأطفال الآخرين والمدن الأخرى. تحمي الرَّحم الأوَّل حيث تنام الطائفة، مولودُها الأبديّ. لهذا تبدو دافئة وجيلاتينيَّة. لا تخلِّف وراءها الدِّماء. تختبئ الأرواح التي تموت تحت الصُّخور حيث المناعة أقوى. والأرواح التي تشهد عليها تنفصل عن الجبال لأنَّها تكره كلَّ ما هو شاهق؛ كلَّ ما يتساوى أمام البصر. تزحف بعيدًا عن البحر لأنَّها لا تحتاج إليه. ففي البحر تتَّحد كلُّ المكوِّنات والعناصر والأرواح. والبحر لا يرى سوى أفكار السماء المتغيِّرة.

تماوجت كلمة “بيت النار” في رأسها. تقول عمَّتها سارة تقول إنَّ حمزة بن علي الذي أسَّس الدَّعوة الدرزيَّة هو العقل. العقل كحجر الصوَّان يقدحه الله بفضله. حين يُقدحُ العقل، يندفع منه الشَّرار فتتلقاه النَّفس وتتحرَّك به وفيه. سألَتْها نور مرّة:

ـــــ شو هو الزّناد يا عمتي؟

ـــــ اللّي بتشعلي فيه النار. وَلِيّ النفس متل الزناد بْيجمَع الشّرار لمّا العقل وإرادة الله بيلتقوا.

ــــ هو بيت النار؟

ـــــ نعم والنّور. لكن أحيانًا اللّي مِنفَكرُه نور هو في الباطن نار. والعكس بالعكس.

ـــــ إذًا كيف رح نعرف الحقيقة؟

ـــــ بالعرفان منوصل للعلم. منِفهم الملتبس. نحنا مْسَلّمين لألله مش خوف من غضبه ولا طمع بثوابه.

ـــــ يعني لازم نسلّم بلا شروط؟

ـــــ نعم.

تساءلت اليوم، وهي جالسة في السيَّارة وحرارتها ترتفع، كيف يمكن لمن لَمْ يسلك طريق العرفان أن يميِّزَ بين الحقيقة والوهم؟ كيف يعرف ما هي حكمة الله وعدلُه؟ تشكُّ في كلمات عمَّتها وتشكُّ في قدرتها على فهم ما يحدث حولها. الحدود الخمسة – سادة الدروز – أمرٌ يبدو لغزًا؛ ضربًا من الرَّمزيَّة. تعاليمهم لا تقدِّم ولا تؤخِّر في شيء في الحياة اليوميَّة. ومع هذا، فهؤلاء السَّادة متَّفقون على أنَّ العالم الذي لا نستطيع أن نحسَّ به أهمُّ وأجمل من العالم الذي نختبره. ألهذا يؤجِّل الناس الحكم على المجتمع الذي يعيشون فيه؟ ألهذا يؤجِّلون تغييره؟ الإيمان بهؤلاء السَّادة يساعدهم على تنقيح وتصحيح اللَّقطة السينمائيَّة، لقطة الحياة نفسها، قبل أن تُعرضَ على الشاشة الكبيرة. يسمح الإيمان لهم بتنظيف الصُّورة، بمسح المرارة والخيانة منها. هو كبرنامج الحاسوب “فاينِلْ كات پرو”، الذي يساعد المخرج على صنع نسخة الفيلم النهائيَّة، نسخة الحياة التي بدونها يصبح الموت من دونها هو الموت؛ نهاية بدنيَّة لا غير.

هل تبدو عمتها سارة خارج الزَّمن أم هي خارج الإيمان؟ هل هذا اختبار لها، لإيمانها؟ ما جدوى هذا الاختبار؟ يبدو دون مستوى الله. لا يليق بحقيقة الحقائق. هناك أشياء تدعو إلى الشكّ وليس من إجابات لها. كيف نستطيع أن نسلِّم ونحبّ بلا شروط؟ إذا كان الخالق الواحد مسؤولًا عن والد إيلي وأكرم ودانا ومحمَّد، وعن تناقضاتهم فنحن فقدنا الثقة بمعتقداتنا، ولم نعد نأتمنها على خلاصنا. نحن هنا على هذه الأرض وليس أمامنا سوى الظاهر. الظاهر وإن لم يكن الحقيقة، فليس وهمًا أيضًا. ليس هباءً. كيف نستطيع تأجيل الحكم على ما نراه في الظاهر جريمة؟

قال الطبيب الذي اتَّصلت به سلوى إنَّها تعاني التهابًا بكتيريًّا في المعدة، وإنَّ تدهور وضعها النَّفسي أدَّى إلى تفاقم مرضها. سأل عمَّا حلَّ بها، فقالت بقلق: “ما فهمت مِنَّا شي. هلَّق بتّصل ببيت صاحبتا وبعرف شو صار”. ووصف لها دواءً للالتهاب ومهدِّئًا للأعصاب. وأصى بأن تُكثر من شرب السوائل وتلتزم الرَّاحة التامَّة.

كانت، طوال ثلاثة أيَّام على التَّوالي، تصحو لتشرب الماء والعصير ثمَّ تنام. تغزو مخيَّلتَها الصُّوَر. تتراءى لها نوال في ثياب الزفاف تشدُّها لترقص معها. ويظهر اللَّحام من ورائهما بسكِّينه الكبيرة. ترى صهره عاريًا ينزف. يتوسَّل، لكنَّها لا تسمع صوته. ترى جابرًا مجروحًا. لا تسمع منه سوى كلمة ماء. يموت أمام الجميع. ترقص السَّكاكين حوله والناس يزغردون. تُقنعهم والدة نوال أن يتركوه مكوَّمًا على موته. وتصفق باب بيتها وراءه وتخرج. تصحو نور من كابوسها وهي تصرخ.

***

انتشرت أخبار الجريمة بين الناس. أُحيل اللَّحام وخاله على التحقيق، ووُضعت أخته في عهدة عمَّتها لحمايتها. الشّاب نجا من الموت بأعجوبة. يوم تزوَّج بأخت اللَّحام، دقَّ هذا الأخير على صدره وقال إنَّه سيذبحه هو وأخته. وأوهمهما، بعد مرور ثلاثة شهور، بأنَّه غفر لهما ودعاهما إلى العشاء. أدخلتها يومها أمُّها الغرفة وربطتها بخشب السَّرير بمساعدة خالها. وقام أخوها قام بتعذيب زوجها بشتَّى الوسائل، قبل أن يهشِّم خصيتيه ويقطع عضوه التناسليّ.

استقرَّت في اليوم الرَّابع حرارة نور، لكنَّ بعض الألم لازم رأسها ومفاصلها. ضمَّها بدري بحزن قائلًا: “شدِّي حيلِك يا بابا. هودي وحوش. جربي شيليهن من راسك”. وأضاف أنَّ عمَّتها زارتها مرَّتين، ووجدتها نائمة فجلست قربها تصلِّي. طلبت نور منه أن يأخذها إلى الخلوة، فحثَّها على تناول الطعام أوَّلًا. عدَّلت جلستها وبدأت تأكل من صحن الأرز المسلوق الذي أتت به كاميليا.

وقفت بعد الظهر تحت الدُّوش تتأمَّل الماء المنهمر بغزارة على يديها. نشفت جسمها وفتحت قارورة عطر الياسمين لكاميليا وتنشَّقتها. ارتدت فستانًا فضفاضًا. لم تحتمل أن يضغط شيء على جلدها. لبست خاتم الياقوت الذي أهداها إيَّاه جابر، ونبشت ديوان بيشوپ، وحاولت أن تسترجع صوت دانا وهي تقرأ قصيدة “الأرق”. بدت كأنّها تقوم بطقوس ضدّ الخوف والغثیان. لم تقوَ على التحدُّث مع جابر بالتليفون. لا بدَّ أن يكون قد اتَّصل بأكرم، وفهم سبب انقطاع مخابراتها. فتحت حاسوبها وكتبت له: “أتذكر حين قلتَ لي إنَّني خارج اللَّقطة؟ صرت الآن داخلها يا جابر! أصوِّر نفسي. أتقمَّص خيالات الآخرين. لقد انكسر ذلك الحاجز الذي يُشعرني بالأمان ويحميني”.

مشت بخطوات بطيئة إلى باب البيت وفتحته. كان محمَّد يهمّ بالدُّخول ومعه إياد الذي بانت في عينيه فجأة نظرةٌ شرهة، فمدَّ يده عاليًا كي يصافحها. اعتذرت بأنَّها لا تريد أن تصيبه بعدوى مرضها. أجاب باستخفاف: “أنا أَبصخنش! بعدين يالله كبِّي لورا ضهرك”. نظرت إليه باشمئزاز فابتسم. خرجت وهي تقول لمحمَّد: “أنا بالخلوة”.

ضمَّتها السّت مهيبة إلى صدرها وقالت: “استهدي بالرَّحمن. اطلبي من الله يلطف بعباده ويهديهن”. تساءلت نور عن معنى أن يكون في الدِّين هدايةٌ للناس، فأجابت عمّتها: “مش كلّ درزي بيصير مُوَحِّد، ومش كلّ موحد بيصّير من أهل العرفان. أصابيعك بإيديكِ سوا يا نور؟”. فتنهَّدت عن غير اقتناع. لا تنحصر المأساة بما فعله اللَّحام، بل في أعداد غفيرة من الناس الذين برَّروا فعلته. كسا الإرهاق وجهها وانهمرت دمعة لم تستطع حبسها وهي تتذكَّر أم نوال. أرادت لوهلة أن تخبر عمَّتها عن علاقتها بجابر وتطلب مساعدتها، لكنَّ الكلمات خانتها. لم تكن تعرف كيف تتغلَّب على قلقها وخوفها. بدأ جسمها يرتجف. حين رأتها السّت سارة بهذه الحالة طلبت منها أن ترتاح في حجرتها؛ المكان الذي لا يدخله أحد غيرها.

استلقت نور على فرشة صغيرة في الحجرة. فاحت رائحة الشاي الأخضر من الغطاء الذي غطَّتها به خالتها مهيبة. وجدت السكينةُ طريقًا إلى نفسها، فأغمضت عينيها وغطَّت في نوم عميق، وحين استيقظت، كان المكان قد غرق في العتمة. رأت في الممرّ صحنًا من البلّور، فيه شمعة مضيئة. تلقفت صوت عمَّتها آتيًا من الدار. كانت تتحدَّث إلى محمّد. بدا صوته قويًّا ثابتًا. اخترق همسات أوراق الحبق ومواء القطط الخفيف. قال:

ـــــ الدرزي اللّي ما بيدافع عن إخوانه بيكون ضلّ عن تنبيهات حمزة بن علي، وليّ الحق، مِتِل ما ضَلّ ابن البربريّة الملعون.

ـــــ هودي إسّا اللّي قريتُن وفهمتُن؟

ـــــ هيدا السنّي هتك عرضنا. بيستاهل الذبح!

ـــــ في محاكم لتحكم بالعدل.

ـــــ نحنا المحاكم!

ـــــ هيدي الرّوح نحنا مْنِنْسَأل عنّا. هيدي مش مخاض تسع شهور. لا فيها يمكن خمس مخاضات من خمس إمّات. اليوم عم يبكوا بِكِلّ جيل على إبنهن. حتّى الحيوان لازم تِرأَف فيه وتطعميه وتحميه. كلنا مخلوقات ربَّك.

ـــــ بعقيدتنا زواج هالشّاب منها حرام. اللّي بيرتكب الحرام لازم نقتله!

كظمت السّت سارة غيظها ونظرت في وجهه بحيرة قائلة: “وِلا ما بتخاف تذبح نفس لَلّي خالقَكْ؟ مين عَطاك هالجبروت إنتَ! فكِّر بحكمة وما تُنطق بالجهل. انطُق بالإحسان”. كانت تعرف جيّدًا أنَّ كلمات محمَّد مصدرها الشَّيخ فوزي. قالت له إنَّ هناك دعاة يقضون على الإيمان. يتغطرسون على الكشف بلا عمل ولا يقين. فهم محمّد ما رمت إليه، فتجنَّب الخوض في موضوع لا يفقه فيه شيئًا، واكتفى بالقول إنَّ للشَّيخ فوزي كرامات يعرفها البعيد والقريب، وإنَّ عمَّته تظلمه بكلامها هذا. وأضاف بخبث أنَّ الله اختبر إيمان الشَّيخ فوزي مذ كان صغيرًا. فقد عاش يتيمَ الأب، وكان يعمل ليل نهار في حقل عمِّه قاسم. ينظِّف قشر الصَّبار ويتخلَّص من شوكه كي يُطعمه للبقرات. ينام في المعلف صيفًا شتاءً ويتغطَّى بأكياس الجنفاص ليدفأ. وكافأه الله على صبره وزهده بالدُّنيا والنساء. عاش مع زوجته طاهرًا لأنَّه تزوَّجها زواج نَظَر، لا يبيح لنفسه أن يلمسَها وهذا أقصى الإيمان. فمن بركات الله أنَّه سخَّرها له.

شعرت السِّت سارة بأنَّ الوقت حان لتنتقل من التلميح إلى المواجهة العلنيَّة مع الشَّيخ فوزي وأتباعه. آن الأوان كي ترمي بالحيطة جانبًا. قالت لمحمَّد إنَّ كلّ من يقول إنَّه يعرف حكمة الله ورغبته لا يعرف قدر نفسه، أكان الشَّيخ فوزي أم غيره. وكذلك الذي يجهل ارتباط أهل الإيمان ببعضهم البعض أكانوا مسلمين، أم مسيحيِّين، أم بوذيِّين. فقد شرح سلمان الفارسي للموحِّدين المعاني العميقة للفرائض الإسلاميّة، لكنَّه لم يقل إنَّ من يقوم بهذه الفرائض، كالوضوء والصلاة والصوم، قد صار عدوًّا لهم. عبارتا “أقِمْ الصّلاة” و”الأمر بالمعروف” تتضمَّنان إشارات إلى توحيد الله. ومن ثمَّ فجملة: “انهِ عن المنكر” تدلّ على شريعته بما فيها من حقائق إلهيَّة ونجاة للأرواح. تفسير الموحِّدين مبنيّ على القرآن لا على تعاليم الشيخ فوزي. فأجاب بلباقة موارب محترف: “العفو منّك. يمكن كلامي ما كان بمحله. الله وأعلم. الحقّ بإيدِك. أنا بدّي رضاكِ”. لكنَّها لم تُجب، فاقترب منها وانكبَّ على يدها ليقبّلها قائلًا: “كلّ شي ولا غضبك! إرضي عليّ”. سحبت يدها بسرعة ودعت له كي ينوِّر الله طريقه.

صرخت نور وهي تقف في الممر: “إنتَ يا محمد ما إلك شبيه إلَّا الحيوان، والشَّيخ فوزي من صنف البهايم!”، فردَّ عليها بصوت أعلى: “إنتِ هون يا إم كاميرا؟ تُضرَبي ما أصغر عقلك. بدّ/ثي قصلّك لَلسانك!”. ثمَّ اندفع نحوها فطلبت منه عمَّته أن يترك الخلوة لأنَّ أخته مرهَقة. نظر إلى عيني نور بغضب لثوان، ثمَّ فتح باب الخلوة وخرج.

دعتها السّت مهيبة إلى الجلوس قربها وعاتبتها على طريقتها بالتحدُّث إلى أخيها، وأوصتها أن تلجم غضبها. اعتذرت نور متمتمة: “مش بإيدي”. بدت السّت سارة ساهمة حزينة. وقالت بعد دقائق إنَّ مشكلة محمّد الأساسيّة لا تكمن في نقصان عقله، بل عاطفته. الضمير لا ينمو داخل من هم بلا عاطفة. وأتباع الشَّيخ فوزي يأتون بالحجج التي لا تخلو من المنطق، ويستندون أحيانًا إلى الرَّسائل التي بين أيديهم كي يبيحوا القتل. هؤلاء لا يفتقدون العقل بل العاطفة.

صارت خلال ذلك الشهر تنام ثلث اللَّيل، ثم تستيقظ لتنكبَّ على تلاوة الرَّسائل العرفانيَّة، وتستشهد بأقوال الزهَّاد والأولياء الصَّالحين كي تمسح عنها آثام الآخرين.

***

حاولت نور أن تستعيد قواها لتكمل تصوير فيلمها بعد أكثر من أسبوعين على وقوع الحادثة، ورأت أمُّها سلوى أن ترفِّه عنها فقالت: “بكرا الأحد مشّوا نروح على البحر”. تحمَّست كاميليا للفكرة فهزَّت نور رأسها بفتور وقالت: “طيّب”.

علت جلبة في الحيّ، قبل أن يطلع الصُّبح عليهنّ، وانتشرت رائحة حريق. تردَّد صوت انفجارات متتالية بين التلال. أطلَّ الناس من غرفهم وشرفاتهم على الدُّخان الكثيف الذي أضاء سماء دير القمر، ووقفت نور مثلهم تنظر إلى النار التي اندلعت في الأحراج لتخلّف عدَّة حرائق جوَّالة. بدأ رجال الدِّفاع المدني والصَّليب الأحمر بإجلاء السُّكان الذين حاصرتهم حبال النار في دير القمر، وحاولت مروحيَّات الجيش حصر الحريق لكنَّ كتلًا هوائيَّة تحرَّكت في اتِّجاه أفقيّ أدَّى إلى هبوب الرِّياح. التقت شرارات النار بالألغام التي زرعتها أيدي المحاربين خلال الحرب الأهلية، فتفجَّر الواحد تلو الآخر وأطلق العنان للشكوك والانقسامات. حوَّل اللَّهب مساحات شاسعة من أحراج دير القمر وبساتينها الخضراء إلى رماد أسود، ثمَّ امتدّ إلى بعض بيوت دار شمس وأكل شجيرات يانعة زُرعت حديثًا.

تجمَّع عدد من رجال الحيّ عند ناصية بيت أكرم والشارع العام. سمعت نور عمَّها نادرًا يقول: “هودي الألغام من وقت حرب الجبل… قاموا القوات اللبنانيّة يعبّو براسن للمسيحيّة بدير القمر تا يهجموا علينا. بس نحنا كنّا مستعدّينلن!”. أجابه جاره أبو طالب: “اسمعلك هالحكي! وين مستعدّينلن؟ ما هنّي كان عندن ثكنة عسكرية مدعومة من إسرائيل. ونحنا شو كان عنّا سلاح؟ شو؟ ما نحنا كنَّا زليطات!”. فقال ابنه: “كلّ البلا من الإسرائيليّة. حقنونا وانسحبوا وتركونّا ندبّك ببعض. رفاقنا بالغرب لو ما يجوا الفلسطينيّة يساعدوهن كانت القصّة وسخة”. همست كاميليا لنور قائلة: “شوفي كيف قاعدين يجوجلوا بسيرة الحرب ومش خايفانين من الحراج الولعانة حواليهن!”.

لماذا تتصرَّف الذَّاكرة بالمكان هكذا؟ لماذا تحنِّطه؟ سألت نور نفسها. حين نبصر الأشياء يكون قد انعكس ضوؤها على عدسة العين المحدَّبة فتنقلب صورتها رأسًا على عقب. لكنَّ الدّماغ يعرف أنَّ في هذا العالم الملموس لا أحد يفهم الصُّورة المقلوبة، ولذا يقوم بتصحيحها لنا. أمَّا الذَّاكرة فتقع في الخطأ. تغالط حركة المكان. لا تستطيع أن تجعلنا نرى أنَّ المكان يتقلَّب باستمرار كلَّما تغيَّرت حاجات ناسه. تجعلنا الذَّاكرة نظنّ أنَّنا ما زلنا في المكان ذاته الذي دارت فيه الحرب. ربَّما لذلك تظلّ حاجتنا إلى الحروب ثابتة.

قرَّرت في ذلك الصَّباح أن تأخذ كلّ ما صوَّرته حتَّى الآن من فيلمها وترحل. طلبت من أبيها أن يحجز لها مقعدًا على أقرب طائرة مسافرة إلى نيويورك. حاول إقناعها بالتريُّث، لكنَّها توسَّلت قائلة: “بابا، مش قادرة كمِّل التَّصوير”. وكتبت في المساء رسالة إلكترونيَّة إلى جابر تخبره فيها بموعد وصول طائرتها إلى نيويورك.

طلبت سلوى منها ومن محمَّد أن يتصالحا يوم سفرها. ودَّعته بكلمات هامدة. هل صارت محبَّتها له أشلاء؟ تريد الآن أن تحزن بعيدة عنه، تحت سماء نيويورك. صافحها بأسلوب متعالٍ، فنظرت سلوى إلى ابنها بعينين آملتين وقلب خائف. كانت نور تعرف هذه النَّظرة جيِّدًا؛ نظرة من ترى ولدها يحوم حول جرَّة غاز مثقوبة.

أوصل بدري نور إلى المطار ثمَّ ذهب إلى الخلوة، يشكو من عمق الخلاف الذي وقع بين ولديه. قالت السّت مهيبة بأسف: “القزاز انشعر بيناتن. نور ومحمَّد ما بيجتمعوا بقا على كلمة”. وأضافت السّت سارة: “قدّامن امتحان صعب. بس إنتَ خلِّيك عم ترشده لمحمَّد”، فأجاب باستسلام: “إرشده؟ ما نحنا كلّنا عم نغيِّر عوايدنا ونسايره حتَّى يرتاح راسنا”.

***

وصلت نور إلى نيويورك مع غياب الشمس. التصقت بجابر وهي تغالب البكاء. عبثت أصابعها بشعره. تنشَّق عنقها وهمس: “اشتگتلچ هوایه”. وجرَّ عربة حقائبها وسارا نحو السيَّارة. تعمَّد إلقاء النِّكات ليعيد البسمة إلى وجهها.

سرت في جسمها قشعريرة عذبة وهي تنظر إلى سريرهما. استحمَّت وخرجت إلى البلكون. بدت في الوسط طاولة الحديد المستديرة وعليها باقة من الورود الصفراء التي تحبُّها وصحنٌ من الأجبان والخبز الإيطاليّ. كوَّرت نفسها على الكرسيّ الواسع ونظرت إلى المباني حولها، ثمَّ سمعت وقع قدمي جابر تقتربان ورنين أكواب زجاجيَّة. انحنى فوقها ومرَّر يده على زندها، فرفعت رأسها لتلثم شفتيه. قال:

ـــ ما أريد الآن أفكِّر في حلّ لوضعنا.

ـــ ولا أنا.

ـــ آني سعيد أشوفچ وألمسچ.

ـــ خفت عليك كتير….كنت…كنت إتخايلك…

ـــ لا تفكِّرين باللّي حصل ويَّاچ في لبنان. مو سهل بس حاولي.

ـــ أنا ومعك بصير أحسن.

ـــ هسّه أريدچ تذوقين الگليچة اللِّي سوَّیتها.

ـــ شووو… في تقدُّم!

ـــ أحبها. گلتْ أحاول أسوِّيها. خابرت ماما وأنطتني الوصفة.

طأطأ رأسه قليلًا وتنهَّد. “خير؟” سألته. قال إنَّ الگليچة أثارت حنينه إلى بغداد. ذكَّرته بقصَّة ناجي. في زيارته الأخيرة للعراق، أمضى معظم وقته مع خاله رضا وصديقه سركون. ثلاثة شهور لم ينسَ طعم حلاوتها. كانوا يجلسون أحيانًا في الزُّقاق خلف بيت سركون الذي يقع في البتَّاوين. يقطع عليهم أحاديثهم جدُّ سركون. يقترب من حفيده، وقد تقوَّس ظهره وأربكه النسيان، ويردِّد سؤاله: “أبراهم شفته؟” ويدلّ على بيته. توفيَّ أبراهم منذ خمس سنوات في حيفا. ترك بغداد وذهب. كان جاره وصديقه. يجمع علب الكارتون الفارغة والتي يرميها التجَّار. يحملها على درَّاجته ويعطيها لمصنع علب الكارتون في مقابل ربع دينار. وما زاد في شقائه أنَّ له ابنًا مختلّ العقل لم ينجب غيره، اسمه ناجي. يمضي نهاره في الأزقَّة متعرِّضًا لسخريَّة الأولاد ومضايقاتهم، وخصوصًا صبيًّا يدعى بدر الدِّين.

تمزَّقت في أحد الأيَّام عجلةُ الدرَّاجة، فلم يستطع مزاولة عمله. جاء إلى جدِّ سركون وهو يجرُّ درَّاجته ويشكو قسوة العيش وضياع عقل ابنه. فمازحه ليخفِّف عنه، وأصرَّ على أن يعطيه بعض المال ليصلِّح درَّاجته. وأعطته جدَّة سركون أيضًا عدَّة قطع من الگليچة التي يحبُّها ابنه ناجي. جرَّ أبراهم دراجته حتَّى شارع الرشيد، حيث انطلقت المظاهرات المندِّدة بنوري السعيد. وفوجئ بابنه واقفًا وسط مجموعة من تلاميذ المدرسة، والإرهاقُ بادٍ على وجهه. كان يصدح: “يسقط نوري السعيد القندرة!”. وبان وراءه بدر الدِّين وهو يقهقه بمكر ويجبره على الهتاف من جديد، واعدًا إيَّاه بگليچتين إذا فعل. حين رأى ناجي أباه وفي يده كيس مليء بالگليچة هتف عاليًا: “يسقط بدر الدِّين القندرة!”

ضحكت نور وهي تشعر بأنَّها ابتدأت تستعيد مرحها. قالت لنفسها: “أبراهم، سركون، رضا. مختلفون متشابهون. يعيشون ويموتون معًا. يعيشون ويموتون وحدهم مثل أهل دار شمس ودير القمر”. بدت طوابق الحيِّ المضيئة حولها أقرب من قبل، وزماميرُ السيَّارات أقلّ إزعاجًا. ظهرت سماء بروكلين كقطع من غزل البنات الزهريّ تحوم حولها طيور حالكة السَّواد.

 

رلى الجردي، رواية “في علبة الضَّوء”، دار الآداب، بيروت 2018