فصل من رواية “كم أكره القرن العشرين، معلَّقة بلوشي” للكاتب العراقي عبد الكريم العبيدي

عبد الكريم العبيدي

مَنْ سيضبط حركة الزمن في الشلامجة؟
هذا السؤال أقلقني كثيرا، ربما كان من الصعب عليَّ إطلاق سؤال كهذا أو حتى تصور قبوله. أنا “شمروخ” وحسب. “خوشكه” أدركَ دنو ذاته، فأهاب بالظنون التي أتاحت له نفسها بالتدريج. لكن الحرب جعلتني أتعقب مرغما قهقهة الدقائق، وهي تقنص تَشوش ادراكي المستبد. لم أتحرر من أسار ذلك الاشتباك حتى الآن. كنتُ أعاني من غموض مرض السرعة التي يسير بها الزمن، أبحث، حينا في انفلاته، وحينا في تقلصه المر داخل أشواط لعبة الجثث. لا أعرف أيّ الأمرين كان أسوأ؟ لكنني جراء لهفتي واستعجالي في الهرب، واجهت ما هو أشد غموضا وغرابة منهما، اصطدمتُ بنكتة، أطلقها الرعب، وطالبني بمجاملته بضحكة!
يقال يا “جان بيبي”، إن قبائل بدائية في جزر المحيط الهادي لا تعرف الزمن، ولا تدرك ما انقضى منه، ولا ما سيأتي. حتى لغتهم يا جدتي تخلو من أفعال الماضي والمستقبل. ترى هل أبكي الآن؟ آه… الزمن كان موجوداً يا “سليكة” داخل بيت البلوش، وموجوداً في أعوام هربي، وها هو ينبض بين أكوام الجيف، في أشد لحظات استبداده قسوة.
– انه العبث بعينه.
– نعم، انه العبث بعينه يا “عزّام”
لا تبتسم لهمستي مرة أخرى، أو تدع حواف اصفرار ابتسامتك تتنفس على شقوق شفتيك، لتبدو وكأنها رسالة بنصف سطر “مشمرخ”، تتهادى من داخل رائحة جسدك النتنة، لتمسك ظاهر وجودك اللاعقلاني. لم تترك في هربك يا “عزّام” أيّ ملمح صغير للعثور على زنزانتك الجديدة، لقد ذبت هناك فجأة داخل قيودك الأشد قسوة، متستِّرا بضمير “خوشگه” مجهول لا يمكن ملاحظته، لأنه لا ينتمي إلى أيّ شيء عداك، أو عدا “شماريخك” الثملين، بينما بدت ثرثرة اعتراضك وكأنها صورة تنازل أخرى. ثرثرة طالها العفن، فمالت بطرفها عن لب المدينة، لتشير إلى موت تجده في غرفة بائسة تضم “شماريخ” العدم، مثلما تجده في خارجها. غصة دائمة، وضيق ثابت في الصدور، وصداع موجع لا تنفع معه عشرة أشرطة من أقراص “الباراسيتول”!
هكذا فضَّلتُ الاصرار يا “رواء” على تبني الظنون كسبيل أمثل للخروج من كل أزماتي، في محاولة شبه يائسة لإنقاذ بلوشيتي. أنقذها مِمَّنْ؟ من كارثة أبيك، من طرف دونيتها المستترة في قلوب القبائل، من أولئك الذين يصفونها بـ “خطأ تاريخي”. شيء “يتواجد”، يمكن قبوله على مضض، ولكن لا يمكن الاتفاق على أنه موجود كأصالة قبلية، اسوة بـعروبية قبائلهم المتشبثة بأعرافها.
الآن، بدأتُ أعيد الزمن الى منابعه، أخضعه لسلسلة من التشكُّل، في معركة مباغتة كادت تحيل زمني كله الى هباء. لم أتخلص منها كلية، ولم أفكر في اعادة ما سلب مني. لا أحد يرد الاعتبار الى “بلوشي شمروخ”، ارتاد طريقا ملتبسا، تحفه المخاطر، وسعى الى استتباع ارث خبيث من رعب الشلامجة، ظلَّ يداهمه وفق تلونات دموية زادت من سقف جنونه، وكادت تغرق شطحات ظنونه بنوع من الغموض المشابه لرطانة “عزّام” عن العبث واللا جدوى.
أظن أن هذا الجزء من حياتي سيغدو الأشقى، سأطلق عليه “معلقة بلوشي”.
انسللتُ كثعبان باتجاه أحد أكوام الجِيَفة. لماذا تخيلتُ نفسي ثعبانا ماكرا، يسلخ الغطاء القشري لجسمه مرارا؟ أنا لا أحتاج الى فاعلية الغش والاختفاء هذه. الأرض هنا بلا لون. في الحروب لا تحتفظ الألوان بمباهجها. يغدو لونها بلا لون، وهذا اللا لون، هو ثوب الحروب الوحيد.
هكذا غدت ساعات الحرب في أول مناولة مرئية لها، بدت هادئة صامدة صبورة، تتحرك ميناتها وأسوارها وماركاتها داخل ساحة زمن الحرب، في أفق حسي لاهث، قبل أن يطالها الموت، وتغدو بحاجة الى ذات استكشافية تعيد لها اعتبارها كشهيدات، يُعد رحيلهن، من أكثر الخسارات في قائمة المعارك.
كانت عقارب بعض الساعات تشير الى الواحدة ظهرا، بينما كانت عقارب ساعات أخرى تشير الى الثانية والنصف. * لماذا داهمني شعور بالابتسامة الى هذا الفارق؟ ربما لأن ساعات “الواحدة ظهرا” جعلتني أتفرس في عراقية الجثث المشوهة التي تحملها، بدت كدليل لا لبس فيه، يثبت أن تلك الجثث تعود الى جنود وضباط عراقيين، بينما قدَّمت ساعات “الثانية والنصف” دليلا لا يقبل التأويل على ايرانية جثثها. لم أعد أأبه بعد ذلك بأي علامة في رأس أو بسطال أو بندقية، لأميز بها عراقية الجثث عن ايرانيتها. ثمة ساعة ونصف بدت كافية جدا بين دولتين متنازعتين، منشغلتين في حرب ضروس طاحنة، بين موت عراقي وآخر ايراني. بين ساعات الحروب الحيَّة وبين مؤقتيها الميتين.
شدتني أشواط اللعبة حقا، بدأتُ ألهثُ خلف ساعات الواحدة والثانية والنصف معا، أرددُ بهمس هوية حامليها:”عراقية، ايرانية.. ايرانية، عراقية،.. ايرانية، ايرانية.. عراقية….”، ومع كل هذه الاستكشافات المسلية كانت ظنوني تضع نسبا تقديرية لأعداد القتلى العراقيين والايرانيين في كل كوم من أكوام الجِيَف، ثم سرعان ما أنسى حماقة تلك التقديرات من فرط تصاعد آفاق اللعبة ومفاجآتها. ربما لم تعد هوية الجثث تعنيني كثيرا. في الحروب المجنونة لا يوجد قتلى من الطرفين، ثمة ضحايا وحسب.
من الواضح أن مباهج اللعبة بدأت تتشكل بسرعة، لتمنح بقائي خيطا واهنا من معنى، رغم بؤسها، وشذوذها، وغرابتها.
وحدها الساعات يا “عجلان” منحت أكوام الجيف انسانيتها، وحدها التي صححت مسارات ظنوني، وجعلتني أشعر من داخل عفونة الجثث أنني أتسلل بين جثامين آدمية لعراقيين وايرانيين اشتبكت في أبشع لوحات الموت ضياعا وتحللت، تاركة لساعاتها مهمة حساب الزمن وفرز تجلياته. ربما أخفقت بعض الساعات في مهمتها تلك. لم تولِ وصية القتلى احتراما، ففي ذروة تفاعلي مع أقطاب الرعب اكتشفتُ أن الفارق بين الساعات العراقية والايرانية لم يثبت. كان يتقلص حينا ليبلغ أقل من ساعة، وأحيانا يتسع ليصل الى ما يقرب من ساعتين أو أكثر. أحيانا وصل الفارق بينهما الى سبع ساعات. وهنا غازلتني لعبة “الگَرنْتي” وتهكم مشتقاتها *.
ولكن مَنْ منح الوقت كل هذه الأبهة!؟ مَنْ جعلني أتمسك بعقارب ساعاته البلهاء وألهث كراقص خلف تحولات لعبة الجثث؟ أظن أن الزمن في الشلامجة بات في أرذل العمر، فَقَدَ ذاكرته سريعا، لم تسعفه حتى ساعات “الگَرنْتي”. ما أهمية أن أعرف هوية الجثث؟ دون أن أنغمر في ماضيها، في ذواتها، في عللها، وفي شؤم حياتها. لا بد أن أشق لي برزخا في زمن الشلامجة العجوز. ها أنا أعود وأزداد يقينا، أن ذلك الجزء من حياتي سيغدو الأشقى، وسأطلق عليه “معلقة بلوشي”.
معزوفة الجيوب بدت مبجَّلة أكثر. الجيوب كلها “گَرنْتي”، لا تحتاج الى مؤقتين أمناء، ولا يوجد فارق بينها عموما. هي تخبئ ما هو أكثر من ذلك، تحتفظ بماهية الجثث. بتلك السطور الخفيَّة المأخوذة من عفونة صفحاتها.
كان “حازم سكراب” محقا وهو يهز بسبابته ويحذر “شماريخه” من ثقوب وشقوق جيوبهم. كان يردد بحزم “قبل أن تفكر في مخاطر المعارك، عليك أن تفكر في جيب تمام. في الحروب: الجيوب تسبق الماهية. وجودك في جيوبك. أنت جيب اذن أنت موجود”.
– وماذا عن الجثث المحترقة والمسلوبة. أليس قرص الهوية أفضل ضمانا؟
– أي قرص أي هوية؟ هذه بدعة. وجود صاحب الجثة مرهون بسلامة جيوبه!
أتباع “عزّام” المتحدرين غالبيتهم من الطبقات السفلى سخروا من وجود جيب وجيب تمام في هذر “سكراب”، لكنهم، طبقا لسفسطة صاحبهم كانوا يؤمنون بأن “الجيوب تسبق الماهية”. لم ينكروا أن “الجيوبية مخرج انساني” كما زعم “سكراب”. لقد أمسى “عزّام وشماريخه” يشعرون تجاه ذلك الإحساس بالغربة العميقة، لذا مال كلٌ منهم مرغما إلى الوحدة والانطواء، أو حشر نفسه وسط مجموعة “شماريخ” أخرى، بين ضائعين وهاربين من أمثاله، تكتظ بهم غرفٌ عبثيةٌ في “الجمهورية والومبي والحيّانية والمشراگ ونظران والتنّومة”. غرفٌ بحجم التابوت، بحجم القن العبثي، داخل بيت متهالك، قد لا تتجاوز مساحته أكثر من ستين مترا.
في النهاية، عثرتُ على جيب تمام يا “سكراب”. اجتزتُ مخاطر المعارك بظنون مريحة. الجيوب تسبق الماهية حقا. وتلك “الانتفاخات الجيوبية” بدت مغرية في تنافسها اللاهث على أسئلة أصابعي. اخترتُ جيبا مهلكا منها وانغمرتُ في ماهيته.
تناثرت حزمة مضغوطة من قصاصات الصحف والمجلات، جميعها تحوي مسائل ومقولات شطرنجية. دوَّن صاحب الجثة بخط يده:”الشخص الذي يمتلك الأفضلية عليه أن يتصرف بسرعة”. *
ولكن مَن يزعم الأفضلية في الشلامجة؟ هذه المقولة بارعة دون شك، تشبه “كش ملك” موجه لي، لكنني لستُ ملكا. أنا بيدق مثلك. الفارق بيننا هو أنك ميت، وأنا حي ميت، هل ترى ذلك فارقا مهما!؟
الجيوبية مخرج انساني حقا.
في قصاصة أخرى قرأتُ يا “سكراب”:”البيدق هو روح الشطرنج”. * أيّ روح يا صاح؟ البيدق مثل “ناگوط الحِب”، يتحرك للأمام خانه خانه، ويأسر أي قطعة تقع في الاتجاه القطري له يمينا أو شمالاً، لكنه القطعة الوحيدة التي لا يمكنها العودة إلى الوراء. انه كبش فداء لا غير، وما يجري له على رقعة الشطرنج يجري لي هنا في ساحة الحرب. العدو أمامي، وفرق الاعدام ورائي. المهم سلامة الملك. جميع قطع الشطرنج يا “سكراب”، باستثناء فخامته، يمكن التضحية بها. أولها البيدق المسكين، لأن الأهم هو ازالة خطر “الكش” عن صاحب الجلالة. ابعاد أي تهديد عن حياته الغالية. طز بكل معدات الشطرنج، من الرقعة الى البيدق والحصان والفيل والقلعة والوزير وساعة الشطرنج وحتى الطاولة. نموت نموت، ونشبع موتا، ليحيى الملك.
هتفتُ كالمجنون بين أكوام الجثث:”وجودك في جيوبك. أنت جيب اذن أنت موجود”، ثم مددتُ أصابعي في أحد الجيوب، لمستُ محفظة جلدية سميكة، أخرجتها على عجل، وعثرتُ في داخلها على صورة فتاة جميلة، بدت في مطلع العشرينيات، تلهث سلسلة من الخرز الملتفة حول ضفائر شعرها الأشقر، وقد ظهر جزء من ثوبها البنفسجي المطرز بأقراص فضية لمّاعة. أما على ظهر الصورة فقرأتُ بيتا شعريا مكتوبا بحبر أحمر وبخط اليد:”لمن صباي لمن، شال الحرير لمن.. ضفائري منذ أعوام أربيها”؟ *
من جيب آخر أخرجتُ كتيِّبا أخضر، ورحتُ أقرأ بخشوع:”كن رحيما لا سيما عند ساعة موتنا فنغادر هذا العالم بنعمة رضاك. يا من رضيت بالموت في سبيلنا ارحمنا، نسألك فاستجب لنا، أن تُشفق على جميع الموتى المؤمنين، وتمنحهم الراحة الأبدية، نسألك فاستجب لنا، أن تُشفق على جميع الشعوب وتهب لهم السلام والوئام”. *
شاهدتُ وجها منتفخا مغطى بالدم، يعلو صدر صاحبه جيب منتفخ هو الآخر، فتحتُ زر الجيب وأخرجتُ ورقة مطوية مجعدة، مكتوب عليها بخط رديء: “خويه صخي.. فدوه أغديلك، اذا جابوني الكم شهيد، ادفني ابصف قبر عمتي اهْضيمه… بس ترى آنَه مطلوب ربع دينار وخمسة وعشرين فلس.. باكيت جكاير دنهل.. اشتريته من دكان حجي ابو جاسب.. اعذرني خويه كنت أدخن بخفية من وراك..
ما أوصيك بأمي الحنونة.
ودير بالك على الطيور”!

 

تصدر الرواية قريبا عن دار قناديل للنشر والتوزيع

 

روائي عراقي. بغداد
[email protected]