فصل من رواية “يعطيك دودة” للكاتب المغربي عبدالله المتقي

” بينيلوب خفشاء 1، بالليل تنسج شباكا لتصطاد سيكولوبا 2″

عشق الخفشاء – لويسا بلنثويلا

عبد الله المتقي

جلست وصيفة العايدي على الأريكة الزرقاء تداعب مفاتيح سيارتها بأصابعها القصيرة، ثم قالت للأولاد وهي تبتسم “عمو عبدو سيصل الليلة إلى مطار قرطاج الخامسة زوالا”.

تلقى الأولاد الخبر بالهتاف، وباحتفالية موغل في الرقص، ولا أحد يقف أمامهم حاجزا للانتماء الى الفرح، لأن أشياء كثيرة ستأتي مع عمو عبدو: علب الحلوى، مصاصات مسكرة وملونة، لعبة موسيقية إلكترونية، وبعيدا عن الهدايا، يعطي لأحلامهم الصغيرة خاطرا بسعة أحلامهم الصغيرة.

كانت وصيفة العايدي تتابع مشهد الفرح منبهرة بما يجري، ومن المؤكد أنها حين ضحكت كحت خفيفا، ووضعت كفها على فمها، ثم كحت من جديد، وقفت وهي تضحك وتضرب يدا بأخرى:

– “هيا عمو عبدو ينتظر”

نزل الأولاد سلم العمارة كالسهم، وفي السيارة الصغيرة تقول وصيفة العايدي لابنتها عطر:

– “شغلي الموسيقى هذا وقت الاحتفال”.

في طريق المطار، ظلت وصيفة العايدي تنقر بأظافرها الطويلة على مقود السيارة، ثم غرقت في تأملاتها وبدت كما لو تحدق في وجه عبدالله الداودي، وتتذكر عندما قدمته لها صونيا العاجي في مكتبها بالجريدة، بوصفه ناقدا وفوتوغرافيا وصديقا مغربيا، وأنه خلع نظارته الطبية ووضعها فوق مكتبها، وبقي يحدق فيها مشدوها وهي تحكي له عن جبل المتاعب التي يسببها لها عمودها الأسبوعي، ولاحظت أنه قطب حاجبيه او ما شابه، وتتذكر أنها أهدته ديوانها الشعري “درس في النوم”، ولا يمكن أن تنسى أن أصابعه كانت كما عازف بيانو، وأنها دخلت غوغول كي تبحث عنه، حين غادر مكتبها وصديقتها صونيا العاجي، ولم يسقط منها سهوا، أن كل تفاصيل اللقاء تناكحت في رأسها، ثم ريثما انفجرت فيها أسئلة كبيرة وحارقة، عادت بها إلى سنوات خلت من عسل الحب الذي تذوقته مع طليقها أمجد النبسي في سيارته الرباعية، ومن المضاجعة الساخنة في بيته الفسيح، وفي فنادق فاخرة بالعاصمة وخارجها لماما، فلم يكن قد مر وقت على انفصالهما.

الأحلام التي رسمتها في بداية حياتها مع أمجد النبسي، تحولت بعد عشر سنوات من العشرة إلى إسفنجة امتصت كل طاقاتها، وحولتها إلى صورة مشوهة تجمع شتات تمزقاتها كل يوم بالكاد .

ارتباطها كان مستحيلا، فرغم معارضة عائلتها، قلبت الكل رأسا على عقب، وتزوجته رغم أنف والدها الصامت، لأنها بقدر ما كانت تتعلق بأمجد النبسي، بل ربما أكثر، كانت عنيدة، وتشبه ذيل كلب لا يتقبل الاستقامة، ونفس العناد جعلها لا تلتفت إلى أمها التي عرت ثديها وهي في محنة حارة، كي تصرفها عن هذا الزواج الذي لا يناسبنا، لأنها كانت تشعر بأن هناك شيئا ما يرتجف في أعماقها، كلما سمعت باسم أمجد النبسي.

لكنها الآن تحس أنها أفضل حالا من الأمس، الأمس الذي يبدو فيه وجه طليقها فوضويا ومثقوبا كالغربال، وفي عينيه خمول عار، ولا شيء يعنيه سوى تدخين الشيشة واحتساء النبيذ، ثم أخيرا الإمساك بها ليوقعها ويرتمي فوقها.

انتبهت إلى أنها وصلت إلى مشارف المطار، بعدما لكزتها عطر، تسحب تذكرتها، تفتح البوابة بشكل تلقائي، تركن سيارتها بموقف ما، وتمشي وحيدة صوب نافورة الماء لتنتظر عبدالله الداودي.

حينها كان وجه عبدالله الداودي مستبشرا، وهو يسمع المضيفة تعلن عن وصول الطائرة لمطار “قرطاج الدولي”، على كرسيه القريب من النافذة، أزاح الستارة، ولم تسعه الفرحة وهو يرمق أنوار تونس العاصمة من الأجواء، حتى أن رغبة مجنونة واتته في أن يرمي نفسه من الطائرة قبل هبوطها، فلم تكن المرة الأولى التي يركب فيها الطائرة ليحط الرحال بمطار قرطاج، لكنها المرة الأولى التي يشعر فيها أنه متعلق بتونس حد أنه تمنى لو كانت عروسه، هكذا دون زواج.

بعد إجراءات التفتيش، التقيا قريبا من نافورة المطار، وكان الوقت آخر المساء، أمسك خصرها بارتباك، نم سحبها إليه، واشتبكا كغصني شجرة النيم الكثيفة، هي لفحت عنقه بأنفاسها الدافئة، وهو سمع قلبها يخفق، وحين لمحه الأولاد من بعيد، هرعوا نحوه،وهم ينادون باسمه “عمو عبدو عمو عبدو”، وارتموا في حضنه، وأمطروه بالقبل والعناق. في السيارة، اخذت يديه من جديد، قبّلت أصابعه وقالت بصوت مغناج:

“- غبت طويلا يا عجوز.

ولعله يذكر أنه قال لها :”و .. لعن الله صبية تشايخت”

وضحكا ملء السيارة الصغيرة، ضحك الأولاد كما لو ضحكوا للمرة الأولى بعد هذا الغياب، ثم غابت السيارة وغابوا في الشارع الفسيح والطويل صوب العاصمة، هي تعرف أنه عربيط ومجنون، ومتقلب، ويعيش في بيته وحيدا كبومة، تسحره أكلة (الشكشوكة) وأطباق سمك “القاروص”، والبطيخ الأحمر، وهو يعرف أنها تعيش في شقتها كالوحيدة مثل سلحفاة بحرية، مسحورة بالآيس كريم، والخوخ، وتنتشي برؤية البحر، تعدو صوبه، تتمرغ في أمواجه الزرقاء لو تضاجعه بنشوة.

لا .. هي الآن تدندن مع “عُلية 3” : (غالي والله علي):

“غالي والله غالي مهما يغيب عني غالي

غالي وحيفضل غالي والله

ده في بعده مش خايفه ده حبيبي وأنا عارفه

راح أمشي بنوره في ليلي واروح له واغني ياليلي ليل

ده غالي يا ناس وحيفضل غالي”.

وتنقر بأصابعها القصيرة على مقود السيارة، كما لو تحولت إلى طائرة ورقية، تداعبها ريح خفيفة، فتتمايل بخفة، ويدغدغها المرح، وكانت تضحك، وكان يأكلها بنظراته.

على مشارف العاصمة، يذكر أنها اقترحت عليه أن يلحسوا آيس بابو قبل، وتلحسه هي بجنون كما لم تلحسه من قبل، وكان عبدالله الداودي يعرف أنها دوما تحلم بالانتقام من هذه المثلجات، كان يتصنع الابتسام، ولم يكن يبتسم في داخله، لأنه يعرف كل تفاصيل ومحكيات الآيس كريم الذي يذكره بماضيها أيام أمجد النبسي .

وهي تلعق مذاق التوت، قالت له بشفتين باردتين :

– هل تعرف يا عزيزي أني مرحة كما لم أمرح من قبل”، ثم أضافت بصوت شبقي ومهموس :

– سألحسك الليلة أمام المرآة، نعم، أمام المرآة، أحب أن تشاهدنا، وينتابها الحسد وتقتلها الغيرة، ثم تعاود الضحك كما لو أن أصابع تدغدغها من تحت كسوتها الزرقاء.

كانت تحبه وتفكر فيه، كانت تكتب له في رسائل الفايس والواتساب، وغالبا ما كانت تنتهي دردشة الليل، برداءة أحوال الطقس، يغلقان معا النت بضربة نرفزة، وكطفلين صغيرين يكتب لها باكرا “صباحك عنبر”، وتكتب له : “صباحك سكر”، ويعودان لعالمهما الافتراضي كما جرت العادة بينهما.

وصلا شقتها التي في الطابق الثالث، وما إن تأكدا أنهما وحيدين في المطبخ، وبعيدين عن الأطفال، وحتى يدخلها دائرة تمارينه التسخينية، ضربها على قزيبتها بكف يده اليمنى، لتمتلكها رغبة جامحة للمضاجعة، وتفتح كل أبوابها ونوافذها على مصراعيها، ودوما كانت تفضل أن يكون فوقه .

التفتت نحوه، غمزته وقالت له:

– أحب أن تكون لي وحدي الليلة توحشتك.

هكذا كانت تقول صفية العايدي المهووسة بالنكاح حد أنها لم تعد تتحكم في صهيلها، شفتيها الغليظتين، نهديها المتدليين، ولغتها المتعبة في نهاية اللعبة التي تصببهم عرقا، وكما لو يتشمسون دون مظلة في الصحراء.

ارتدى بيجامته، وكان يحب أن يجلس في البلكون، ويحتسي فنجان قهوة “عربية”، وارتدت هي بيجامتها المثيرة والمشقوقة، ولم تصدق أنه في شقتها للمرة الثالثة، رغم أنف حارس العمارة والجيران.

في المطبخ، قالت في ذهنها:” وحده هذا العجوز أشتهي لغته، وحده يكهرب شهوتي،”، وتصل رائحة القهوة إلى البلكون عبدالله الداودي، الذي انتزع كل ما يقع في العالم من رأسه، ولم يفكر سوى في فنجان قهوة، سيجارة شقراء، طبق القاروص، و .. بيجامة ” م” المشقوقة .

بعد العشاء، طلبت منه أن يبقى بجانبها في السرير وحتى الفجر، كي يتقاسما معا هذه الشقة، هذا السرير، هذا الخبز والسمك وهذه السجائر، وأن يسحبا نفسهما من هذه الوحدة الباردة، وبعيون مفتوحة،وسلاما وليشرب الفضوليون البحر .

في السرير، حكى لها أن فقيها مغربيا كان يركب بغلة في الطريق إلى مأدبة بعيدة، وحين أدركته الصلاة، توضأ باللبن، ولما أنهى صلاته، مسخ لقلاقا.

ضحكت صفية العايدي حتى بانت كل فلجات فمها، وقبلت أصابعه، وهمست له بصوت مشهي: “كم أحبك وأفكر فيك”، ثم حكت له حكاية تونسية، عن المقاوم ” بوزبلة” ، كما قرأتها في رواية “أراجيح”، وكاد يسقط من السرير ضاحكا، لا بل سقط فعلا، وتابع ضحكه فوق الأرض. وفي نهاية الحكي كانت المرأة قد مسخت لبؤة شرسة، وأكلت الرجل بكامله، ولم تبق سوى على جمجمته التي تبدو فوق المخدة كما لو أنها في متحف، فقد حصل الذي أرادت واشتهت.

وقفا أمام المرآة متشابكين، تلاقت شفتيهما، بقيا يلتهمان القبل المحمومة، اغتصبته ثم أكلته، كما أنثى العنكبوت التي تلتهم زوجها بعد التزاوج، يهدف لحصولها على الغذاء اللازم لبويضاتها المستقبلية.

– أشعر كما لو أن الله يصافحني هذا الصباح.

قالت له باكرا في الهاتف، وهي في طريقها للجريدة، وقبل ان تستأذنه في إغلاق الهاتف، أضافت بمرح طفولي:

– البارحة كان عيد ميلادي، وليست في رأسي الآن، سوى أننا كما تلك الحيوانات التي لا تفعل شيء في حياتها سوى ممارسة الجنس. وأطلقت ما يشبه القهقهة، ثم أغلقت الهاتف بهدوء.

 

(1)- الخفشاء : التي تبصر في الليل دون النهار

(2)- السيكلوبات في الميتولوجيا الإغريقية هي عمالة لهم عين واحدة وسط الجبهة، يصنعون شعاع المشتري

(3)- عُلية، مغنية تونسية.

 

كاتب وشاعر مغربي

[email protected]