“فندق اللذة” قصة قصيرة للكاتب المصري أحمد الشريف

أحمد الشريف

ـ هل ماحدث كان صدمة له؟

ـ نعم.

ـ هل كان سبباً فى ألمه ودفعه لترك أسرة أمه ووطنه؟

ـ نعم.

ـ ولكن ماحدث ألم يعجل بخروج ما كان بداخله عميقاً ينتظر فرصة الظهور والتحقق.؟

هز رأسه موافقاً .

مع ذلك هناك حكايتان عنه. الأولى، حكاها هو نفسه للعاملين معه، تحديداً لمواطنى البلد الذى انتقل إليه. حكى لهم أنه ارتبط بعلاقة حب مع فتاة فى بلده الأم سويسرا. فى مدينة زيورخ. هناك وبالقرب من البحيرة أحبت المشي لساعات وسط العائلات أثناء عطلات نهاية الاسبوع. أما هو فكان يتمنى أن يعيش معها فى شقة صغيرة أوغرفة بفندق فى مكان خارج سويسرا. فى بلد من البلاد التى تشرق فيها الشمس دائماً.

قال لها كذلك إنه يود الاستمتاع بالمباهج البسيطة للحياة؛ خاصة بعد أن قرر بيع حصته بالشركة التى كان والده شريكاً فيها. لم يعد يحتمل سباق التنافس الكريه فى الشركة. لكن ولأسباب لم يفصح عنها قررت صديقته الابتعاد عنه وإلغاء فكرة الخطوبة والزواج. رغم تألمه لما حدث، لم يستسلم لأحزانه، ساعده أنه قرر ترك سويسرا، والجزء المرح من شخصيته الذى ورثه عن أمه الأيطالية وعائلتها. بدأ بتنفيذ ماقرره، واضعاً خلف ظهره مشاكله العاطفية، ومستلهماً قوة إرادة أبيه السويسري وحبه وتقديسه للعمل والإنجاز.

جاء يوم السفر. لم يكن هناك أحد لتوديعه. كان معه فقط صديقه ريتو، الذى يعمل فى مجال العقارات. أما الأهل من جهة الأب فعلاقته بهم انقطعت بعد بيع حصته بالشركة، قاد به صديقه بناء على طلبه فى اتجاه جنوب سويسرا، حيث يعيش من تبقى من أسرة أمه.

أحب أن يقضى بضع ساعات معهم ويزور قبر أمه التى أوصت بأن تدفن هناك.

***

الحكاية الثانية لا تنفصل عن الأولى، الاختلاف بينهما، فى التفاصيل وبعض الأسرار، منها خوفه من إلاقامة فى سويسرا لشعوره أن أفراداً من أسرة أبيه كانوا يريدون التخلص منه بطريقة أو بأخرى؛ للاستيلاء على نصيبه فى الشركة.

بدأت تهاجمه الأحلام والكوابيس المزعجة أثناء ذلك. ذهب إلى طبيب نفسى، فنصحه بتغيير المكان أو السفر بعيداً، فسافرمن جنوب سويسرا إلى فرنسا.

مدينة مارسليا على وجه الخصوص.

اعتقد إنه يمكنه أن يؤسس هناك مشروعاً ويعيش فى سلام متحرراً من أشياء كثيرة كانت تكبله فى سويسرا. كان معه صديقه ريتو. بعد أيام من باريس انطلقا إلى مرسيليا، عند وصولهما ذهبا إلى فندق صغير قريب من الميناء ويديره رجل إيطالي، وضعا حقائبهما فى إحدى الغرف ونزلا لاستكشاف المدينة والبحث عن مطعم.

قرب الميناء تمتد على طول الأرصفة العديد من المقاهى والحانات والمطاعم، دخلا أحد المطاعم، جلسا خلف نافذة تطل على رصيف الميناء. حركة غير عادية فى المطعم، على الرصيف وفى الميناء عموماً. سأل بوردين صديقه ريتو، فأجاب إنها مرسيليا.

: ـ ماذا تعنى بذلك؟، سأل بوردين بقلق

: ـ أعنى شحنات الأدوية المهربة والهيرويين والعصابات التى تتنافس فيما بينها

: ـ أحقاً ماتقول؟، صمت ريتو عندما جاء النادل. وضع الطعام أمامهما وانصرف. امتدت يد بوردين وقبضت على زجاجة خمر أحمر، صب منها فى كأسه واحتساه بسرعة، رأى ريتو وأحس أن بوردين لم يرق له ما ذكره عن مارسيليا والميناء وما يحدث فيهما. كان على وشك أن يخبره أيضاً عن الانفجارات الإرهابية ذات البعد السياسى، لكن بعد أن رأى وجه بوردين وحالة الانزعاج التى صار عليها. كف عن الكلام وحاول تلطيف الجو.

ـ عرفت أن هناك باخرة ستبحر إلى برشلونه غداً.

ـ وما شأنى بها! علق بوردين.

ـ أعنى اذا لم يعجبك الحال هنا يمكننا السفر إلى برشلونه.

ـ حسناً. قال بوردين وهو يتناول الطعام ببطء وشرود.

***

فى بهو الفندق يجلس موسيقى أمريكى مشهور ومعه بعض الأشخاص من جنسيات مختلفة. تكلم عن أمريكا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا وعدداً من الدول التى زارها، حتى استقر فى طنجة الدولية. جلس بوردين بمحاذاتهم وبدأ يسمع ما يقال.

الموسيقي يحكي عن طنجة وبيته هناك. يسهب فى الحديث عن موقع طنجة الفريد وتعدد الثقافات والأديان والأعراق بها. عندما رأى ريتو اهتمام بوردين بالموسيقى وحكاياته؛ قام بتحيتة ومن معه ثم عرف نفسه وصديقه لهم.

أحس بوردين أن هناك شيئاً مشتركاً بينه وبين هذا الموسيقي الودود، أثناء حديث. الموسيقي قال إنه سيسافر فى الغد إلى برشلونه ومن هناك إلى الدار البيضاء ثم إلى طنجة. تبادل بوردين مع صديقه نظرات واستأذن وقام . لحق به ريتو.

ـ إذن فقد قررت السفر إلى برشلونه.

قال ريتو مبتسماً.

لم يعلق بوردين، لكنه ابتسم وربت على كتف صديقه.

***

فى الباخرة عاد لبوردين مزاجه الرائق وحبه للحياة والناس. سروره يزداد ساعة بعد ساعة. توقفت الباخرة عدة ساعات فى برشلونه. فضل عدم النزول من السفينة للمشى أو شراء أشياء لالزوم لها كما فعل ريتو والآخرون .

كان يفكر ما الذى سيفعله عندما يصل إلى تلك المدينة طنجة؟، هذه المدينة وكما سمع من الموسيقى ومن معه تشبه بلده سويسرا فى أشياء: التنوع العرقى واللغوى وانفتاحها على العالم. لكن مالذى سيفعله؟، هل يكتفى بغرفة فى فندق أو يشترى بيتاً صغيراً يسكن فيه ويعيش مستمتعاً بالشمس والبحر؟ ضرورى أن يعمل شيئاً؛ فالنقود من الأفضل أن تستثمر،أيضاً لايريد أن يصير كالمتقاعدين، يجلسون فى حدائق بيوتهم أو على أرصفة المقاهى. مطلوب أن يعمل شيئاً، شرط أن يكون مشروعاً خاصاً به وحده، يديره بطريقته. سيسأل الموسيقى ومن معه، وسيتريث عدة أيام وأسابيع ؛ كى يعرف المدينة والناس، وما الأنسب له.

***

رست الباخرة بميناء الدار البيضاء. نزلوا وتجولوا فى شوارع المدينة وزنقاتها. بالمدينة كثير من الفرنسيين وجنسيات أخرى. تناول بوردين وريتو والموسيقى ومن معه الطعام فى أحد المطاعم. أثناء سيرهم أشارالموسيقى إلى حى مهجور وقال

: ـ هذا حى بروسبير.

منذ سنوات ليست بعيدة وقبل أن يتم نقله لمكان آخر كان هذا الحى يمتلىء بالفتيات والنساء: فرنسيات، أسبانيات، مغربيات وغيرهن. معظم الجنود الفرنسيين والرجال من مختلف الأماكن، قصدوا هذا الحى لقضاء أوقات مرحة بين مقاهيه ومطاعمه وحماماته ومتاجره ودور السينما به.

جلهم دخلوا الحى كذلك؛ لأشباع رغباتهم ولذائذهم الجسدية. الآن صار مكاناً خرباً وكئيباً.

ـ للأسف. خرجت الكلمة من فم بوردين باللغة الفرنسية .

مساء ذهبوا إلى نادٍ ليلى فى وسط المدينة. النادى فيه قاعة كبيرة للرقص.

جلسوا فى ركن من القاعة. بوردين يرى ويسمع مايدور حوله بتركيز وانتباه. الموسيقى قال لبوردين هامساً: هناك قاعة فى الطابق الأرضى لعرض الأفلام الخليعة. ابتسم بوردين ولم يعلق. امتدت الجلسة حتى منتصف الليل . قاموا بعد ذلك وتوجهوا صوب فندق قريب ؛ ليناموا. اشترك بوردين وريتو بغرفة واحدة، والباقون ساروا إلى عدة غرف. قبل أن يخلدا للنوم حاول ريتو استكشاف مايدور فى رأس صديقه، ولماذا كان صامتاً طول الوقت. إجابة بوردين كانت هكذا: تمنياتى لك بأحلام سعيدة.

***

فى اليوم التالى كانت الباخرة تبحر صوب طنجة. خلال تناول الطعام سأل بوردين الموسيقى عن مكان جيد للإقامة بطنجة، فرد قائلاً إنه وصديقه ريتو سيكونان فى ضيافته حتى يستطيعا إيجاد مكان مناسب. شعر بوردين بالراحة والهدوء. هو يحتاج إلى وقت؛ ليعرف المدينة .

ـ شكراً ونرجو ألا نثقل عليك. لوح الموسيقى بيده بما يعنى، لا عليك، وقال إن بيته مفتوح للجميع، وإنهما سيعرفان مشاهير المدينة وساستها ومن يدير شئونها.

***

بعد يومين من الإقامة فى بيت الموسيقي الذى يقع قريباً من وسط المدينة، خرج بوردين وريتو ليتناولا وجبة غداء وقهوة فى مقهى يطل على البحر. أثناء سيرهما كان يشاهدان المغاربة، الأوربيين والأفارقة، يسيرون بالشارع، يجلسون فى المقاهى وتتجاورحوانيتهم فى الأسواق حيث يعملون معاً بسلاسة وانسجام. وصلا للمقهى وأشار بوردين للنادل فجاء مسرعاً. أبلغه ما يريدان. ضمن ما يعجبه فى هذه المدينة أن اللغة ليست حاجزاً أو مشكلة فى التواصل. أكثر من نصف السكان يتكلمون الفرنسية والأسبانية ويفهمون الإنجليزية.

جاء النادل ثانية ليضع الطعام على المائدة.يأكلان وهما ينظران صوب الشاطىء والأفق البعيد، حيث يلتقى البحرالمتوسط والمحيط الأطلسى. من مكانهما يستطيعان رؤية معالم مدينة طريفة.

ـ أشعر أنك وصلت لقرار. يقول ريتو وهو يحتسى رشفة من فنجان القهوة مع ابتسامة ماكرة.

ـ نعم أيها الثعلب.

ـ إذن وجدت فكرة مشروع ما.

يضيف ريتو بصوت مرتفع مرح.

ـ نعم.

انتهيا من تناول الطعام واحتساء القهوة. غادرا المقهى واقتربا من الشاطىء. يسيران معاً ويتابعان الرجال، النساء، الأطفال وهم يسبحون ويستجمون على الرمال. مراكب صغيرة بأشرعة بيضاء فى البحر. معظم المراكب فيها رجل وامرأة أو رجل وامرأتان. المراكب تتحرك فى دوائر يميناً ويساراً. ركابها يصيحون على بعضهم البعض وعلى من يستحم بمحاذاتهم ببهجة ودعابة.

فكر بوردين فى مشروعه كثيراً حتى وجد ما يناسبه : فندق. نعم فندق.هذا مشروعه. السياحة فى طنجة مزدهرة. جنسيات عديدة تزور المدينة من خارج المغرب ومن داخلها. كما أن البحارة الذين يعملون وتتوقف بواخرهم وسفنهم ليوم أو أكثر فى الميناء يحتاجون مكاناً يقضون فيه أوقاتهم ويستمتعون. لكن أى نوع من الفنادق سيكون فندقه؟، لاحظ ورأى عندما كان فى الدار البيضاء إنهم ذهبوا لمكان للطعام، وثان للشراب، وثالث للرقص والغناء. لماذا لايكون فى مكان واحد أو مبنى واحد كل هذه المتع: رقص وغناء ونوم وطعام وشراب وجنس لمن يريد؟، وسيكون فندقه هذا مثل بلده: على الحياد. سيرحب بالجميع، كلنا بشر فى النهاية. حدث نفسه.

ـ فيما تفكر؟

يسأل ريتو واضعاً يده على كتفه.

ـ فى مشروعى ومدى وكيفية تنفيذه على أرض الواقع.

لم يعترض ريتو ولم يتحمس. يعرف صديقه جيداً، عندما يتخذ قراراً أو يبدأ عملاً ما، يكون بعد تفكير وتروٍ. لكن يجب مناقشة الأمر مع الموسيقى وأخذ نصيحته. إقامته فى المدينه وعلاقاته ستساعد. قال ذلك لصديقه وهما يبتعدان عن الشاطىء فى طريقهما لقلب المدينة.

***

مساء كان هناك حفل. الجو يشع بالمرح والحبور. الضحكات تسمع فى أرجاء البيت مع موسيقى خافتة. بوردين يمر بين المدعوين باحثاً عن ريتو، لكنه لايراه. تقترب منه زوجة الموسيقى، تحييه بلطف وتسأله عن زوجها.

ـ لا أعرف أين هو. تظهر علامات الضيق على وجهها القلق. تعبث أناملها بشعرها القصير وتجيب عن سؤالها بنفسها: حسناً، ربما مع صديقه المغربى، صارا لايفترقان. لم يعلق بوردين. يعرف أن الموسيقى وبعضاً ممن حوله لهم ميول مثلية. زوجته هى الأخرى سحاقية، وكل منهما يعرف ميول الآخر وارتضيا بذلك. علاقة زواجهما لها طابع خاص. بوردين يقدر هذه العلاقة ويقبل اختيارات ورغبات وميول الناس. هو أيضاً له علاقاته وأسراره. كما أن الجو العام فى المدينة يسمح بعلاقات كهذه. هذا ليس مهماً الآن. الموسيقي وعده أن يعرفه بشخصيتين ستساعدانه فى مشروعه، أين هم؟، لم ينتظر بوردين طويلاً، ظهرالموسيقى فى صالة البيت الكبيرة ومعه ثلاثة رجال . قدم اثنين منهم إلى بوردين.

ـ هذا إلياس وهذا مهدي وهذا هو السيد الذى حدثتكما عنه. يقول مبتسماً، واثقاً، وراضياً عن نفسه؛ لقدرته على مساعدة الآخرين وتذليل العقبات لهم.

يمد بوردين يده لهما محيياً مبتسماً. يتركهم الموسيقى ويذهب مع الرجل الذى كان ينتظره. دون مقدمات يخبرهم بوردين عن مشروعه ورغبته أن يجد عقاراً فى وسط المدينة، ومن عدة طوابق. إلياس يبلغه بوجود بيت بهذه المواصفات ملك أسرة أسبانية تود بيعه.

حسناً، متى يمكننا أن نذهب ونتحدث مع هذه الأسرة. أجاب إلياس بحماس

: ـ الآن يمكننى الاتصال بهم وتحديد موعد. هذا هو الرجل الذى أريد، قال بوردين فى سره بعد أن سمع سرعة رد إلياس وحماسه. ثم قال وهو يوجه حديثه هذه المرة لهما، : إذن لنجد محامياً ؛ للتوثيق والتثبت من صحة البيع والإجراءات القانونية. ابتسم مهدى وقال بثقة، : أنا ذلك المحامى، لاتقلق.

ـ حسناً، لنبدأ العمل . قال بوردين بصوت ينم عن الرضى والتفاؤل والشعور إنه فى الطريق للهدف.

***

بعد انتهاء إجراءات البيع والشراء وبعد توثيق العقود، شرع بوردين ومعه إلياس ومهدى وريتو ومجموعة من العمال، فى ترميم وتصليح وإدخال تعديلات وتبديلات على البيت؛ ليتلاءم ويتناسب مع ماخطط له بوردين. الطابق الأول ستكون به صالة استقبال. على الجانب الأيمن منها نادٍ ليلى صغير، الجانب الأيسر مطعم متوسط الحجم . الطابق الثانى سيقطع جزءاً منه لتصميم حانة، تقدم الشراب والمزات بأسعار تناسب الجميع، خاصة السكان المحليين. سيقيم لهم فردوساً صغيراً، يحجبهم كستار عن الفقر والفوضى والعنف فى الخارج.

أما باقى الطابق الثانى و حتى نصف السادس، سيصبح غرفاً للنزلاء.

إقامته ستكون فى النصف المتبقى من السادس.

قبل يوم الافتتاح صعد بوردين وريتو إلى سطح الفندق. جعلهما المشهد يسترخيان بعد تعب ومشقة إعداد وفرش الفندق وبناء المصعد الكهربائى الذى استهلك وقتاً ومالاً. يشاهدان على مرمى البصر بيوتاً بيضاء وسماء زرقاء وأفق بحر طنجة الفريد. فى الشارع سيارات وناس وأشجار وهواء يتلاعب بالملابس المعلقة لتجف. لكم هى رائعة هذه المدينة! يسرح بوردين ويسأل نفسه، لماذا لم يأت إلى هنا من قبل؟، هل كانت المدينة فى الماضى أفضل أو الآن أجمل أو بعد سنوات ستكون أحسن؟، لم يصل لإجابة محددة، إلا إنه مقتنع أن أنسب وقت للمجىء، الوقت الذى جاء فيه، وأن المدينة ستجذب الناس إليها بجمالها وموقعها وغموضها .

ـ هل أنت جاهز للمنافسة؟

يسأل ريتو بوردين بطريقة تجمع بين الجد والدعابة.

ـ أى منافسة؟

يجيب بوردين بسؤال متفحصاً وجه ريتو, فيعيد ريتو السؤال لكن بطريقة أخرى أكثر تحديداً .

ـ أنت تعلم أن فندقك فى مكان ملىء بدور السينما والمقاهى والمطاعم، كذلك الفنادق، أقصد ما الجديد الذى ستجذب به الزبائن؟ كان بوردين أعد عدته وفكر بعمق فيما ذكره ريتو. أولى الخطوات أن الزبون سيجد مكاناً للنوم والطعام والشراب والمتعة فى نفس البناية ولن يحتاج للذهاب لمكان أخر. ثانية الخطوات، الأسعار الثابتة والرخيصة، الخطوة الثالثة عمل شبكة علاقات داخل المدينة من خلال الموسيقى .

الرابعة، وهنا توقف بوردين وسأل ريتو :ـ متى ستسافر؟

ضحك ريتو وربت على كتف صديقه وقال : ـ أخبرتك لكنك نسيت فى حومة الإعداد للفندق، لقد حجزت للسفر بعد الافتتاح.

ـ حسناً، أريدك عندما تلتقى أصدقاءك ومعارفك سواء فى سويسرا أوخارجها، أن تخبرهم عن الفندق وما يتمتع به من مزايا، كما أريدك، وهذا على حسابى أن تنشر فى الصحف والمجلات إعلاناً عن الفندق.

ـ ثم ؟، قال ريتو.

ـ لاشىء آخر سوى أنى سأفتقدك كثيراً . قال بوردين متأثراً وصادقاً. فابتسم ريتو وعانقه بحرارة.

***

بعد عدة شهور من الافتتاح، صار الفندق معروفاً، وحركة الدخول والخروج منه باتت مألوفة. الزبائن يقضون الساعات بل الأيام فيه من غرف نومهم للمطعم، من المطعم للنادى الليلى، من النادى للحانة، وكأنهم فى حلم جذاب. أصبح بوردين بدوره لايخرج من الفندق إلا للضرورة، كما أثبت مهدى حنكة فى الإدارة وخبرة بمعرفة الشؤون القانونية. وفيما يتعلق بالرجل الثانى إلياس، فلا يمكن الاستغناء عنه.

إلياس لايعرف فقط شوارع ومقاهى وفنادق وزنقات طنجه وأسواقها، بل الحمامات والبيوت السرية والعلاقات بين زوجات أغنياء المدينة ومن يديرونها وبين عشاقهن. موسوعة تحوى كل شى، تقريباً، عن طنجة العلنية والسرية وعن حاضرها وماضيها القريب والبعيد. ومن بين ماحكاه له إلياس، إنه فى الزمن القديم كانت هناك منطقة، يلتقى ويتجمع عندها الرجال والنساء ويختلطون ببعضهم البعض تحت جنح الظلام ويطلقون لغرائزهم العنان .

لكن ورغم مزايا إلياس وحبه للفندق ولعمله، إلا إنه كان يظل بالساعات فى الحانة، يحب الحانة أكثر من سائر أماكن الفندق. يعلم بوردين أن الفتيات والنساء اللائى يترددن على الفندق والنادى الليلى والحانة على وجه الخصوص، أن لإلياس دور أساسى فى مجيئهن .

استطاع عبر معرفته بعدد من النساء الخبيرات اللائى يعرفن بحدسهن الأنثوى ومن مخزون تجاربهن فى البيوت والحمامات وصالونات الحلاقة والتجميل وفى حوانيت بيع ملابس وعطور النساء، من عندها الاستعداد والرغبة والطموح لحياة مختلفة ومغامرات بعيداً عن الأنظار.

ليس فحسب الفتيات والنسوة من أسر فقيرة، بل من ينتمين أيضا لأسر معروفة وثرية. كان بوردين هو من تكلم مع إلياس عن هذا الجانب من سياسته ورؤيته لإدارة الفندق، تحدث معه عن رغبته فى أن يكون الفندق مكاناً لهروب الأزواج من ملل الزوجية، ومكاناً لتحررالزوجات من قيود الزواج والمجتمع. بوردين يعتقد أن الجنس عملية بين رجل وامرأة لأشباع رغبة الرجل الجنسية ولسد احتياجات المرأة الاقتصادية فى الأساس. كما أنه تيقن ومن خلال خبرته وعلاقاته أن الحبيبة حتى ولو كانت لا ترى أحداً فى العالم إلاك ويمكن أن تفديك بحياتها لو تعرضت للخطر، فأنها تريد هى الأخرى شيئاً ما: دعوة على العشاء، أو زيارات للمسارح ودورالسينما وأماكن اللهو وهدايا فى أعياد الميلاد. أليست كل هذه الدعوات والزيارت تحتاج لأموال؟، الأسوأ من كل هذا، الزواج. يختار الرجل امرأة ويتزوجها، ويعمل ليل نهار كالعبد من أجل إرضائها. أليس من الأفضل والأجدى وتوفيراً للوقت والمال، أن يختار امرأة لوقت قصير، يدفع ويستمتع، بلامنغصات ولاندم و إهدار لوقته وحياته. لكن الأهم من كل هذا أن تشعركل من تدخل للفندق والنادى الليلى والحانة، أنها جاءت برغبتها وأنها سعيدة وتستمتع بما تقوم به، كما أنها حرة فى عقدها اتفاقاً مع رجل بإرادتها ودون إجبارولا إلزام . هذا ما تحدث به وأراد أن يفهمه ويستوعبه إلياس، لكنه يطيل المكوث فى الحانة، وأحد العاملين أبلغه بتجاوزات إلياس مع الفتيات والنساء. هو لطيف معهن، طيب، مرح، يلقى النكات، يرقص ويغنى بطريقته ويضفى المرح فى الحانة. لكنه يتمادى ويقترب أو يلتصق بالفتيات والنساء. يقبلهن، يحتضنهن، يتحسسهن ويصفعهن على مؤخراتهن، خاصة وهن على وشك مغادرة الحانة مع صديق أوزبون إلى الخارج أو لإحدى غرف الفندق. الفتيات والنساء لم يشتكين، لكن من أعلمه قال إن بعضهن كن غير مرحبات ومتضايقات .

بوردين لم يقرر بعد، ماذا سيقول أو يفعل، وهل مايقوم به إلياس يستحق اللوم،

أو هو بمثابة جزء من ثقافة السكان المحليين؟، على أية حال لن يتوقف طويلاً عند هذا الموضوع، مادامت ليست هناك شكاوى من الفتيات والنساء. لكنه فكر أن يتكلم مع إلياس لاحقاً، كذلك سيكلفه بأعمال أخرى إضافة لعمله فى الحانة.

***

ذهب بوردين إلى بيت الموسيقى بعد أن تلقى إتصالاً منه، يدعوه لحفلة صغيرة. رغم انشغاله لم يستطع رفض الدعوة أو تأجيلها ليوم آخر. ذلك يرجع لتقديره لصاحب الدعوة وعرفاناً لما أسداه له من مساعدات، أيضاً لما يضيفه لقاؤه بالموسيقى وزائريه إليه من معلومات، عما يحدث فى المدينة، خاصة الجديد من القوانين ومايدور داخل الغرف المغلقة لمن يديرون المدينة. عندما دخل للبيت شعر أن هناك شيئاً غير عادى. تجلى ذلك فى الوجوه : إنصات بانتباه لمن يتكلم، خاصة من يعملون فى المؤسسات التى تدير المدينة. كما أن عدداً من أصحاب الأعمال والشركات وأشخاصاً ممن يعملون فى مناصب مهمة فى ميناء طنجة، يتكلمون ويتهامسون مع بعضهم البعض. شعر بوردين أن شيئاً حدث أو سيحدث. بعد دقائق ظهر الموسيقى ومعه صديقه المغربى.أتى إليه محيياً، مبتسماً، وهادئاً.

ـ شكراً لحضورك . قال الموسيقى بعد أن صافح بوردين بحرارة.

ـ يسعدنى أن أحضر وأراك. قال بوردين ونظر حوله بسرعة ثم سأل عن مايجرى .

ـ لاتشغل بالك، الأمر بسيط، هناك أنباء عن إلغاء الحماية على طنجة.

لم يعلق بوردين، لكنه رغب فى معرفة المزيد، فتحدث الموسيقى بحنكة قائلاً إن هذه الأشياء تستغرق وقتاً، وإن المؤسسات والمجتمع فى طنجة لن يتغيروا بين يوم وليلة . والأهم أن من سيحكم ويدير طنجة ليس شيوعياً، قال الكلمة الأخيرة ضاحكاً وهو يربت على كتف بوردين متمنياً له الاستمتاع بوقته والاستمرار فى تطوير مشروع فندقه الناجح. قرر بوردين ومنذ مجيئه للمدينة، أن يلتزم الحياد، مؤمناً عن قناعة أن من يعاند النظام الاجتماعى ويقف ضده لاينجح، وأن الحكيم من يلين ويطيع شرائع البلاد ويخضع لها، حتى لايصطدم بما لايحمد عقباه .

وفيما يخص فندقه ومن هم فى مثل حالته، لا يعتقد أنهم سوف يتأثرون كثيراً، فالناس لن يتوقفوا عن الأكل والشرب والبحث عن مكان يستمتعون فيه ويحصلون على لذتهم. فندقه أحد هذه الأماكن، وبعد تلك المدة من العمل،ها هو يرى ويسمع، ممن يترددون على الفندق لفترات قصيرة أو طويلة، أنهم عثروا على غايتهم ويحسون أن الزمن توقف وأن فترة الطعام والشراب ومصاحبة فتاة أو امرأة من النادى الليلى أوالحانة إلى إحدى غرف الفندق بمثابة دقائق خالدة من النشوة واللذة.

***

حركة لاتنقطع فى الفندق وملحقاته : النادى الليلى، المطعم، والحانة.

يحب بوردين يوم السبت. يمتلىء الفندق ويأتى الزبائن من المدينة ومن خارجها. يشعر بطاقة جديدة وغبطة ويتحرك فى أنحاء الفندق كراقص باليه. فى هذا اليوم يقف فى صالة الاستقبال. أحياناً يحل مكان مهدى . يرد على التلفونات، يحجز غرفاً للزبائن،يفحص دفتر الاستقبال، ويراجع الحسابات . فى منتصف النهار يصطحب

إلياس لشراء الاحتياجات وما يلزم . يمران على أصحاب الحوانيت وبائعى اللحوم والأسماك والخضروات والفاكهة. وهما سائران يتذكر بوردين ما أخبره به أحد العاملين عن مايفعله إلياس فى الحانة، فيسأله مزيداً من المعلومات ثم يطلب منه الحذر وألا يضايق الفتيات والنساء.

ضحك إلياس وقال إنه على دراية بطبائع النساء، ويعرف كيف يتعامل معهن، وما يقوم به يعجبهن ويدعم عودتهن للمكان . فى أحايين يقدم

لبعض الفتيات والنساء، زجاجة بيرة، كأس خمر، أو صحناً صغير فيه شرائح لحم البقر أو الدجاج؛ كنوع من الرشوة لجذبهن للمكان ومساعدتهن. وكى يؤكد لبوردين على حسن نواياه، وعلى أنه يعمل حباً فيه وفى الفندق، يخبره عن فتيات ونساء يسألنه النصيحة، فيما يتعلق بزبائن رجال. هل يجلسن مع هذا الزبون أم لا، وهل هذا الزبون كريم. وهناك فتيات يفضلن أن يكن عذروات، لذا فهن يسألنه،عن ما اذا كان هذا الرجل أوذاك، هادئاً وغير عنيف أم لا، حتى لايفقدن غشاء بكارتهن. ثم حكى أنه فى إحدى المرات، ودون قصد، كان فى الطابق الثالث من الفندق، وعند مروره جوار غرفة سمع امرأةٍ ورجلاً بالداخل . كانت المرأة غاضبة وتصرخ.

ـ جعلتنى أنزف .

ـ ربما عندك الدورة.

ـ لا، لو الدورة عندى ماكنت خرجت من البيت.

ـ أنا لم أفعل شيئاً بعنف .

ـ لا فعلت، لقد شعرت بعضوك اللعين وهو يحتك بقوة بشىء ما بداخلى .

هنا غضب الرجل واحتد وعلا صوته ، :ـ أنت امرأة نحيفة، ضعيفة الجسم ومخادعة .

توقف إلياس عن الحكى بعد أن أسكته بوردين بحركة من يده . صمت قليلاً وهو يفكر، ثم أصدر أمراً إلى إلياس. ـ : يجب أن نوظف حارساً ؛ حتى نتفادى أية مشاكل أو منغصات فى الفندق.

***

فى يوم مشمس بهيج، دخل الفندق ريتو ومعه وفد سياحى مكون من ثلاث نساء وأربعة رجال . تبادل التحية والعناق مع بوردين ثم عرف أفراد الوفد به وعرفه بهم . الزيارة لم تكن مفاجئة. علم بها منذ أسبوع، عندما راجع رسائل البريد ومجلات وجرائد تأتيه من الخارج. رغم طول الرسالة التى حكى فيها ريتو عن أشياء شتى، ومنها كساد سوق العقارات وأنه يريد أن يكون معه فى طنجة لفترة طويلة، لكن لم يحدد يوم وصوله. بعد تسجيل أسماء الوفد وإعطائهم مفاتيح غرفهم، دخل بوردين وريتو المطعم. تناولا الطعام معاً وهما يتحدثان عن الفندق وسويسرا وطنجة. بعد ذلك خرجا من الفندق وبصحبتهم ثلاثة من الوفد لزيارة غابة الرميلات. انحشروا جميعاً فى سيارة بوردين وهم يبتسمون بمزاج رائق . بعد أقل من نصف ساعة وصلوا .

أوقف بوردين السيارة فى مكان قريب من مدخل الغابة. بعد أن ساروا عدة أمتار، أغمض ريتو عينيه واستنشق بعمق الهواء النقى الممزوج برائحة البحروأشجار

ونباتات الغابة. حالة من الانبهار والسرور بالمناظر وإطلالة الغابة الفريدة على البحر تسيطر عليهم. التقط ريتو والآخرين، صوراً لأشجار البلوط الفلينى والأكلبتوس والصنوبر المثمر. كانت تُسمع فى أرجاء الغابة أصواتاً لطيور وحيوانات وحشرات . بعد تجوال طويل، جلسوا على مقاعد مصنوعة من جذوع الأشجار قبالة البحر.

ـ هذا أجمل مكان فى العالم .قال ريتو معبراً عن نفسه ومن معه. بوردين أراد مشاكسته :

ـ لست أول من قال هذه الجملة.

ـ من قالها قبلى ؟

أشار بوردين تجاه قصر بناه برديكارليس، الثري اليونانى الأصل، الأمريكى الجنسية . بناه من أجل زوجته وحبيبته، قال لها إنه سيبنى لها قصراً فى أجمل مكان فى العالم .

ـ إذن لنذهب إلى هناك .

علق ريتو متحمساً وهو يحث من معه ليتبعوه.

***

عندما رجعوا للفندق، توجهوا للمطعم وتناولوا وجبة شهية معاً. بعدها كانت هناك جلسة خاصة تجمع ريتو ببوردين. تمعن ريتو فى وجه صديقه، الذى ظهرت عليه التجاعيد . فى الغابة لاحظ أيضاً أن جسد بوردين لم يعد مفعماً بالحيوية والنشاط كالسابق. رأه يضغط على نفسه؛ ليجاريهم فى السير هنا وهناك. عند صعود التلال الصغيرة أو عبور الجسور الخشبية، كان يتنفس بصعوبة ويلهث ويعرق . يبدو أن السنين والمجهود الكبير فى العمل، لهما دور فى هذا. أو ربما خلل ما فى القلب . والد بوردين رحل بعد مشاكل فى القلب. لكن مالم يعرفه ريتو، أن بوردين شعر منذ فترة بالوهن والضعف وأن الطبيب حذره من المجهود الكبير، وأن الرسالة الأخيرة التى وصلته من ريتو، يخبره فيها بزيارته ؛ دفعته للتفكير فى تنفيذ ما خطط له .

ـ ريتو أحب أن أقول لك شيئاً .

ـ أنا من يريد أن يقول لك شيئاً .

ابتسم بوردين ومد يده وأمسك بيد ريتو وقال :ـ أعرف ماالذى ستقوله، أظنه شيىء يتعلق بصحتى.

ـ نعم .

ـ إذن اسمع ما سأقوله لك.

قبل أن يتكلم دخل مهدى إلى المطعم ومعه بعض الأوراق. توجه حيث يجلس بوردين والتمس توقيعه. بعد قراءة سريعة للأوراق وقع عليها، ثم مازح مهدى سائلاً إياه عن إلياس .

ـ فى الحانة أو النادى الليلى أو يسير بين ممرات غرف الفندق، ليتأكد أن كل شىء على مايرام، وكى يرشد الفتيات والنساء للغرف اللائى يبغين الدخول إليها.

ضحك بوردين ومعه ريتو أيضاً . تمنى لهما مهدي ليلة سعيدة وابتعد. بعد ثوان من الصمت، تكلم بوردين جاداُ وهو يمسك بيد ريتو بحزم ويحدق فى عينيه .

ـ أريد منك البقاء هنا لتساعدنى، فيما تبقى لى من الوقت، ولتديرالفندق من بعدى.

لم يتفاجأ ريتو بهذا. ليس له زوجة أو أولاد فى سويسرا، وعمله فى العقارات لم يعد على مايرام، والأهم من كل هذا، حبه لهذه المدينة. لذا لم يجب بوردين قائلاً ، إنه يريد وقتاً ليفكر، بل أجاب بسؤال : ـ لكن ما خطتك أو من سيكون معى ؟، تنفس بوردين بعمق وقال: لقد كتبت وصية من أجل هذا .

***

مرت أيام، أسابيع، شهور، وسنوات ثلاث بعد هذا الحوارالمهم بين بوردين وريتو. تدهورت فى هذه المدة صحة بوردين. صار لايُرى فى صالة الاستقبال، المطعم، النادى الليلى، والحانة إلا على فترات. أغلب الوقت يقضيه فى غرفته يقرأ الجرائد والمجلات وينتظر أن يمر عليه ريتو أو مهدي أو إلياس ؛ ليتسامروا معه ويطلعونه على مايحدث فى الفندق وما يحتاجونه، ويسألونه نصائحه وقراراته.

لكن ومن وقت لآخر يخرج من غرفته .

فى نهار يوم مشمس نزل إلى غرفة الاستقبال، رأى مهدي وريتو ينصتان لشاب يتكلم معهما بالأسبانية وإلى جواره صديقته. كان يحكي عن أنه وصل فى إحدى الليالى إلى ميناء طنجة بعد رحلة طويلة. شعرت صديقته بالتعب فطلبت أن يقضوا الليلة فى المدينة قبل مواصلة الطريق للدار البيضاء. جابوا الأحياء بحثاً عن فندق جيد ورخيص فلم يجدوا، حتى عثروا على هذا الفندق، الذى دفعهم لإلغاء رحلة الدار البيضاء وقضاء الإجازة فى طنجة. كان الشاب يطلب الآن تجديد الحجز. رد عليه مهدي قائلاً، إنه كان يجب أن يخبرهم من قبل، لأن هذه فترة إجازات أعياد الميلاد وغرف الفندق محجوزة . أجابه الشاب بتأثر قائلاً إن الموضوع بالنسبة لهما ليس تمضية إجازة عيد الميلاد فقط، بل هما فى الأساس يسعيان ويبحثان عن عمل وإقامة بالمدينة. فى هذه اللحظة انتبه مهدى وريتو إلى بوردين الواقف على بعدخطوات يتابع الحوار.قبل أن يأتيا إليه مرحبين، طلب من مهدى وبإشارة خاصة الموافقة على تمديد حجز الغرفة للشابين. نفذ مهدى ما أمره به، وانصرف الشاب وصديقته وهما راضيان وممتنان.

ـ كل ما أطلبه منكما الآن أن تذهبا إلى النادى الليلى أو المطعم أوالحانة وتتركا لى الاستقبال. ابتسم ريتو ومهدىي وتركاه. لكن وهما يسيران اتفقا على أن لايتركاه لوقت طويل فى صالة الاستقبال؛ كى لايرهق نفسه وتزداد حالته الصحية سوءاً. لذلك كانا يتناوبان المرور على صالة الاستقبال، أما بوردين فكان يفكر بعمق فى مصير الفندق، ومالذى سيحدث من بعده. كتب فى وصيته أن ريتو يحق له ملكية وإدارة الفندق من بعده. لكن ريتو أصبح متقدماً فى العمر هو أيضاً، ومساعديه إلياس ومهدى كذلك . إذن ماذا يفعل؟، ومن يمكنه الاعتماد عليه فى المستقبل ؟، فكر فى دماء جديدة، شباب يتحلون بالرغبة فى العمل والطموح والانفتاح على العالم والحياة فى ذات الوقت . بغتة جمدت سلسلة أفكاره وتداعياته تجسدت أمام ناظريه صورة الشاب الأسبانى وصديقته.

ولم لا؟، حدث نفسه .فيهما كل الصفات التى يريدها ويحتاجها الفندق للأستمرار .

بعد فترة شعر بالارهاق وقلة التركيز. ضرب الجرس أمامه، فجاء أحد العاملين. طلب منه أن يبلغ ريتو أو إلياس أو مهدى، كى يأتى أحدهم ليحل محله فى صالة الاستقبال. بعد ذلك قام من مكانه متوجهاً للمصعد. عند باب المصعد لمح الشاب وصديقته يدخلان من باب الفندق ومتوجهين صوب المصعد أيضاً. عندما اقتربا ابتسم لهما ودخل معهما. نظرات وابتسامات وحيوية الشاب والفتاة جعلته يتذكر

الأيام السعيدة فى حياته. حدق فيهما معاً وسألهما

: ـ هل يعجبكما المكان ؟، لم يتوقعا سؤال بوردين، لكنهما ابتسما قبل أن يجيبه الشاب.

ـ لو أجبتك بنعم، فلا يكفى!

ـ ماذا تعنى ؟ ، سأل بوردين .

ـ أعنى إننى أشعر بنفسى كطائر يحلق.

شع وجه بوردين بابتسامة كبيرة مصحوبة بزيادة حبات العرق على جبينه مع ألم فى قلبه، غير أنه استجمع قوته وسأل الفتاة :ـ وأنت ؟

مالت برأسها على كتف صديقها الذى لف ذراعه حول وسطها وقبلها.

أزاحت شعرها الذى سقط على عينيها ثم أجابت

: ـ هو يشعر كطائر، أما أنا فأشعر كوردة يحملها موج البحر .

توقف الألم ومسح بمنديله حبات العرق على جبينه وسألهما معاً ذلك السؤال الذى ظل يعده وكأنما لزمن طويل .

ـ : هل تودان البقاء هنا فى هذا الفندق ؟ ، لم يجيبا على الفور؛ كانت المفاجأة أكبر من طاقتهما على الحلم . اتسعت أعينهما وأجابا بعد ثوان وبصوت واحد : نعم .

توقف المصعد وفتح الباب، تطلعا إليه طلباً للمزيد، فقال: ـ سأنتظركما غداً صباحاً فى قاعة الاستقبال لنتكلم فى بعض التفاصيل.

خرج الشاب والفتاة قاصدين غرفتهما، تاركين خلفهما بوردين وهو يحس برغبة شديدة فى عب كل هواء بحر طنجة والتطلع نحوالأفق الأزرق اللامتناهى.

 

 

[email protected]