“فوائد السفر السبع التي لم أعرفها” للشاعر الفرنسي جلبير مونتيني ترجمة جبار ياسين

Gilbert and Jabbar kikah
جيلبير مونتيني وجبار ياسين

1

قال لي ونحن على كومة من القش: مات حصاني. قلت: سيدفنه العشب. اخيرا سيشبع من رائحة الأرض. سيخب في آخرته طليقا من غير عنان وسرج. بلا حوذي يسوطه أو فارس يقوده. سينفذ من خرمة الأفق ويسرح في الخلود. ثم قال لي ونحن نغذ الخطى: أمات حصانك؟ قلت: مات. رأيت عيناه تصفران، ثم تسودان، سمعت حمحمة متكسرة، رفس الأرض بحدوتيه وقال لي وداعا ثم اغلق عينيه ونام.
سنمضي، حفاة، على اقدامنا،سنترك سروج الخيول على العشب لكي تنمو زهورا بينها. ستبذر في فصل الخريف وتنبت لتصير سيقانا وتثمر زهرا. سيكون علامتنا في الطريق، حينما يوما نعود وقد لانعود. فتبقى الزهور تنثر بذارها، فصلا اثر فصل بأنتظار من يقطف وردة وينثر بذرها في مكان بعيد وتصير حصباء الطريق طرقا مزهرة. هكذا يكون السفر.

2

قلت له حين الوصول: مازال في الأرض خمر وجمال وعشب ومعمار جميل. قال لي من جرب الخمرة حاذى الجمال، وما السكرة غير باب، خلفه ألف باب هذا الذي تسميه الجمال. باب في النظرة الأولى وآخر للعشق وثالث في اول الليل، وباب له واسعة، حين يطل الشفق وأخرى حين تلعب الخمرة في الرأس وابواب أخرى لاتعد، حينما يأخذ الحب شكل حمامة توكر على سقف بيت جدرانه من العنب البري. حينما تطل على قصر قديم نما العشب على جدرانه فصار يشبه رأس باخوس. هكذا يكون السفر.

3

الشمس لا تطل من الشرق كل صباح ولا تغرب في موعد ثابت. هكذا أخبرني راهب متصوف في تمنراست، وهكذا أخبرتني أمرأة شقراء، بيتها يطل على البحر. حينما تعشق حورية البحر تضيع الجهات وتسكر مراكبنا وتتيه في اليم ويصبح كل بحار غريب. لكن ليلا سيأتي لتضئ فيه النجوم، تصير بوصلة ويصير البحر طريقا كي نصل اليابسة برفقة حسناء تصير شعاعا، حينما نطأ الأرض. نأكل خبزا وتوتا ونشرب ماءا قراحا من قرب تشبه الأثداء. تيه صغير يوقد شمعة في القلب لندرك إنا مازلنا نحب الحياة وان عودتنا ممكنة، هكذا يكون السفر.
4

تقول وردة الصبار في الصحراء اني غنية بالماء. يقول الشجن ان السرور امامي ليس بالمستحيل. يقول الجسر اني وسط بين يابستين لا تلتقيان. المسافر الحق لا ينظر للوراء بل يغذ الخطى في طريق طويل. يتذكر الماضي وينسى ويرسم في الخيال ما سوف يأتي. ينسج قبعة من قش ومن ورق السعف وقد لا ينسج إلا أملا يقيه الشمس. صبورا على عطش، صبورا على جوع، صبورا على وحدة قاسية. لكنه حين الوصول يتنفس الصعداء كما لو كان كل الطريق، كل الطريق في سرير أمرأة اجمل من أفروديت. هكذا يكون السفر.

5

حمام الكنائس في المدن وحمام المساجد في جيجل يلتقط الحب وينظر للناس في مرح و يهدل. انه في طمأنينة. سلام في معبد هندي وسلام في كنيس، سلام في باحة مسجد. سلام على صخر حائط المبكى، سلام على هرم خوفو وأهرام مكسيكو. حين يطير الحمام ينفش ريشه الأبيض من أجل السلام فالسلام جناحين يشيران شرقا وغربا. حين نسافر لا نحب الحرب بل غنج الطبيعة، ضحكة الأطفال، قسمات النساء وألوان أفخاذهن تحت الشمس. نحب عطر الشاي والقهوة والبيرة تحت الشمس ولون زهرة البفوان، بيضاء. نحب النهر يجري ونرسمه صموتا. نحب الجبال والاودية والبقر التي ترعى. نحب ثغاء الخراف على السفح، موردا في الربيع. نحب الغيم ورديا لنأمل في غد مشمس. نحب سريرا، كيف ما كان، كي ننام بعد ارهاق السفر. الحلم يأتي فنرى العالم كله في ومضة ولا نخاف السقوط من قمم الجبال. ننهض، نشد الامتعة ونصفر لحنا ونسير. هكذا يكون السفر.

6

نولد في اللغة. ننحت الكلمات نحتا، تنحتنا الكلمات نحتا، تؤنسن وحشيتنا. نصغي لهدير الكلام وقرقرة الحروف وزقزقة الحبر على رقاق الورق. تأخذنا الكلمات بعيدا. الى البحر حينا، وحينا خلف الغيوم. تسفرنا الى سهوب تحرقها الشمس وأخرى غمرتها ندف الجليد. في الربيع نرى النهر يجري فنلقي به قواربنا التي من ورق. نصيح بالنهر: أيها النهر خذني معك. تمضي المياه وتأتي محملة بغبار ضفاف بعيدة وزورق من ورق اطلقه طفل يحلم بالسفر. يوما نصادفه، حاني الظهر، محدقا بالماء يجري حيث تسير على صفحته الغيوم. يروي لنا حلما بموانئ تحت الجليد، سفن تشع بالنور، وأشجار تمس الغيوم وخيلا تخب في مراعي السماء وحسناء تشرب بيرتها وحيدة، في آخر الليل. كنت اريد ان اكون برفقتها ليلة واحدة، ويضيف: هكذا يكون السفر.

7

في طفولتنا جمعنا الطوابع والصور. جففنا الفراشات في الكتب المدرسية. شاهدنا السنونو يعود ليبني عشه من طين وقش وشعر قطط البيت وريش الدجاجات، تحت مزاريب البيوت. ربينا القطط والعصافير والكلاب تحت سقف واحد. غازلنا بنات القرية عند منعطفات الطرق. هناك كانت قبلتنا الأولى، في الليل، خلف أغصان الكروم. كانت سماء الليل تنث علينا عطرها قبلا، فأبتلت ملابسنا فخجلنا. حلمنا بالسفر كي نفرح في عري وفي حب بلا خوف.
في البعيد خلف البحار وخلف الجبال القينا عصا الترحال سنينا. عاشرنا الخلاسيات والشقر والسمر. ملكنا اليمين نساءا وملكتنا النساء يسارا لهن . شربنا الخمر وغنينا على قرع الطبول. رقصنا مع افريقيات ينضحن بخورا. آه من نساءالجزر الوحشية في المحيطات. ناغينا قمرا في الليل على ضوء من التبر. نسينا مقدمنا والرحيل. نسينا الفجر في أريافنا، نسينا قلاع اوربا الملفوفة بالصنوبر،نسينا سلالم المرمر، ابراج الكاتدرائيات، موسيقى دي بوسي. وايقظنا الموج حين مد البحر، فتذكرنا نبيذ كرومنا وعدنا للبلاد. هكذا يكون السفر.

كاتب ومترجم عراقي، لاروشيل، فرنسا
[email protected] fr