“في مرتع القش أتخمّر” مقطع من قصيدة طويلة للشاعرة الهولندية أنّاماري أستر – ترجمة حازم كمال الدين

“في مرتع القش أتخمّر” الفصل الأول من قصيدة في ثمان فصول

أنّا ماري استر

 

فزعًا حطّ الجدارُ الضريرُ في ذلك الشارع،

واجهةٌ جانبيةٌ لزريبةٍ أصبحتْ طللاً.

لم أبصرِ الظلّ الذي رماه،

ولا الشعاراتِ التي على جلده المفتّت،

إلاّ بمرور الوقت.

صفائحُ، صناديقُ مبتلّة داهمها النوم بمحاذاة قدميه،

إعلاناتٌ تخلو من الهمّ، بساطٌ بشظايا زجاج.

خزّان الصرف الصحيّ كنتُ أشمّ،

صرصرةُ حياة كنتُ أسمع.

 

دعاماتٌ تسند أساسات البناء.

من ذا الذي رآى النوافذ إذْ تهالكت،

من ذا الذي أغلقها بالخرسانة الخفيفة؟

 

على حافة عنقي،

عرّشتْ هدأةٌ للتوّ. ذلك كان هو الجدار. حجمه

كان يخلق شيئا. على أصابعي تعيّن

الانزلاق وسط تضاريس الطابوق،

حِتار الأظافر تمزّق على صفحة البناء. هزّني الشوق

إلى غارةٍ ليليةٍ سائلٍ لعابُها بحثا عن طريدة، هزّني الشوق

إلى إغلاق البوابات، إلى جسر السكك في الأسفل،

والاندلاع في المطر المنهمر.

أما الصموت فليس له أن يعرف أيّ شيء.

 

في تلك البقعة القفر،

بعد حين، كنتُ أرى كائنا يحيا هناك،

ويحتجب في الداخل كلّ جمعة. كمن يريد التخلّص من قضيّة،

هكذا بدا..

باستمرار كان ثمة شيء يكبح جماحي.

 

ذات ظهيرة

رأيته كيف يومئ للطيور. إشاراته ضخمة مهيبة لكنها أيضا مهذّبة.

على السطح المتصدّع ترسم الطيور حلقاتٍ على الهواء.

كان عليها البحث عن قوتْ، تماما مثله، إن شاء الله.

 

ما بين ارتعاشات ضوء

الربيع مدّ لي يدا.

أيادي الأشجار تدلّت عليّ.

حرارته أكلتني.. لهيب يأكل تفاحة.

 

إلى البيت

كنت أعود اضطرارًا. للأيام العسيدة ثمة قواعد.

عليّ إنجاز أشياء كثيرة قبل إرخاء الظلام السدول.

كان ينادي عليّ.

 

ولمّا استدرتُ

اجتاحني شعره الهائج.

في حضرة شعره

انهارت دفاعاتي. من شعره فاح دبس وأربعون يوما

من الكرى. نبذتُ عبوسه

وتنشّقتُ تبغه.

 

واهيةٌ مقاومتي كانت إزاء شعره.

ففي داخله بقيتُ أتيه.

اشتهيت فقدان الاتجاهات.. في قلب تلك التعاريج.

تجعيداتُ شعره جعلته يبدو شجيرةً ملتاعة،

وأنا التي مسّدتُ ذاك الغرس المتخمّر بأناملي.

 

حافاتِ أظافري الحالكة زمجرت، أنشبت نفسها في العفن.

كل الذنب ذنب شعره.

كل الإكراه أكرهني باطن منكبينه.

ثمّة ما يُمضغ، ما يُخمّرُ في صندوق القش،

هكذا كنتُ أجد نفسي في عالم خارج جسدي.

فحمٌ نباتيّ وأغصان واجمة طفقت تعبئ ثغوري.

 

أحراشه كانت بحاجة لتشذيب هائل،

إنها كثيفة جدا،

حالكة أكثر ممّا يجب،

وبدا كأني أنا التي أضحيتُ أحراشا.

لكن

ما رأيته، سربلني بالمخاوف:

كان لسانه فاحما كفجلٍ أسود.

كل الذنب ذنب سموم الغدّة الصفراوية.

أقداحا منها كان يرتشف ليلا، ممزوجة بأعشاب لا يعرف رائحتها أحد هنا من قبل. لا يشمّها أحد.

وإذ كان الكرى يستحوذ على الناس، كان يلوذ بأسطح منازلهم.

أغصانٌ طفقت تلوّح من بعيد. تؤدي له التحية

تفرش له ظلالا من النبؤات.

حيثما كان،

آه، كان عليّ أن أقتفي اللون البرتقالي،

وخزاته، وخزات دبابيس نيكوتينه.

حيثما فاح وميض الكحول دخلتُ.

متبخترا بردائه الصوفيّ كان

يأخذني بلا مناسبة، إلى سلّم عارٍ.

يمسك بيدي كأنني طفلة.

ظلامٌ دامس.

لو كان لهذا الفضاء نوافذ فهي حتما نوافذ أُلصقت بشيء

لا يستطيع التنفّس.

استعلمته

هل العتمة هذه ضرورية حقّا.

كانت كلماته حادّة:

“في الظلام يرى المرء ما يريد أن يرى.” تحسّسنا في ممرّ.

وكان فضاءٌ إلى جانب يدي اليمنى.

في الغرفة..

ما بين تراقص أخيلتنا

كان يطالعني غسيل في نزعه الأخير، ظلال

أشجار في قارّة قصية.

ما الذي خبّأه هنا؟

حينها أخذ بزمام يدي.

لم أشعر إلا بما هو رقيق. هناك ابتدأت حاجةٌ قطنيّة.

وسادةٌ تمتدّ، وفي باطن منكبيه أوقعتْني في شباكها ثمرة.

باب الأسئلة أغلقتها

في حفرته تركتني أسقط،

هناك.. من غياهبها اندلعت بلاد.. اسم البلاد غانومي.

ساخنا كان..

ناعما خضِلا لا حدود له، وساداته أضحت أمواجا بها أيائل سابحةً،

خيولا خائضة، وقد أخذني إلى بقاع

يشبّ فيها غمامٌ وبخار. تستحمّ فيها قطعانُ حريم بالزعفران.

“لا تحطّمي رأسك بالحسابات ورسم الخطط.

احبسي أنفاسك. ستجري الأمور من تلقاء ذاتها.”

من عمق الأرض نهض صوته.

من القبيلة، من الصدع، من الفتحة..

حيث اندلع كهفٌ أرضيّ، سلّمٌ جزري، هناك في الأسفل،

حيث نشأت الحياة يوما، ونشأ النماء

وحيث سنرحل يوم نرحل.

نعم، من الأسفل من هناك انبثق صوته.

 

كلّ الذنب ذنب صوته

“اتركي بحق السماء كل هذه الأفكار.

أنت ملكٌ فقط لنفسك وقدرك.

عيشي وانظري، مُطيعا سيُمسي العالمُ.

ملكةُ غانومي أنتِ”

حتّى الآن لم تجر الأمور بعفوية.

يا ما عدت مسربلة بالجفلة للبيت، وعلى الدوام كان الصموت هناك وبانتظاري.

سبرتُ أغوار عيني، سترتُ بصري.

حموضة معدتي اجتذبت حلقة من الماء الأجاج.

 

الشاعرة:

أنّاماري أستر Annemarie Estor تعرّف نفسها كالتالي على موقعها في الانترنت.

أنّاماري أستر (1973) شاعرة واختصاصية بالعلوم الثقافية.

عن مجموعتها الشعرية الأولى (أشواك النار) حصلت على جائزة هرمان دو كوننك Herman de Coninckprijs عام 2011. قصيدتها الطويلة (باطنُ منكب التيس) حصلت أيضا على جائزة هرمان دو كوننك كأفضل مجموعة شعرية لعام 2013.

عام 2018 حصلت على جائزة يان كامبر Jan Campert-prijsعن (مساء الأرض الحرام) وهي (قصيدة جريمة) كما أطلقت عليها الشاعرة.

أنّاماري أستر 39٪ منها هولندية، 53% ليمبورغية، 48٪ إسباني، 24% إيطالي، 8% بربري، وهي تعيش في مدينة أنتوربن البلجيكية. لحظة ولادتها لم يخرج رأسها أولا للعالم، وإنّما خرجت مؤخرتها حاملة برج الثور والجنسية الهولندية في خاتمة اليوم الثالث من عيد الفصح.

أنّاماري ماتزال ترتحل جنوبا بانتظام وتدرس بعضا من اللغة العربية في المدرسة المسائية. هذه هي سيرتها الذاتية. ولكن يبقى السؤال فيما لو كان هذا يعكس الحقيقة بطريقة مثالية.

https://annemarieestor.wordpress.com

 

المترجم:

حازم كمال الدين: مسرحي وروائي ومترجم متخصص في الشعر والمسرح، يعيش في بلجيكا.

https://www.flandersliterature.be/translators/hazim-kamaledin