“قاعة انتظار” قصة قصيرة للكاتب المغربي ادريس خالي

ادريس خالي  كيكا
ادريس خالي Idris Khali

وسلّم. سلم دون أن يوجه نظرته نحوي. كنت الوحيد الجالس بالقاعة. ورأيته يحرك شفتيه. ربما كان يتلو دعاء ما. ثم جلس على الكرسي الجلدي الأسود. ويمكن القول إنه لم يكن قد تجاوز العقد الثالث من عمره بعد.غير أن العمر لا يقاس فقط بالسنوات بل بالنظرة. والرجل كان أبا لبنتين. بنتان تضعان غطاء على رأسيهما. لا أحد يمكن له الادعاء بأن الأطفال يختارون حياتهم. هذا واضح. وتقدمت البنت الكبرى نحو كتاب الله الموضوع بعناية على طاولة في زاوية غرفة الانتظار. وقرأت فيه قليلا ثِم مدته لأبيها. حتى في لباسهما الفضفاض لا يمكن لك أن تخطأ عمريهما. وجلستا بهدوء. هدوء لا يناسب سنيهما. ولكن شيطان اللعب يغلب الأطفال. ورأيتهما تلعبان بما لديهما. كانت البنت الصغرى تضع كفيها على كفي أختها وترقب عينيها. وحاولت الأخت الكبرى أن تسحب كفيها بسرعة كي تضرب ظهر كفي أختها. برفق ستضربهما. وسحبتهما. غير أن الكف اليسرى للبنت الصغرى نجت فيما الأخرى تلقت ضربة خفيفة. واستمرتا في اللعب. ثم قام الأب من مكانه وذهب إلى القاعة المخصصة للنساء فيما استمررت أنا في قراءة الكتاب الذي بين يدي. وعاد الأب وفي يديه سجادة بلاستيكية. لا أعرف هل كان الرجل يعلم أن في السوق سجادة يمكنه حملها ككتاب. لقد رأيت أحدهم يحملها في يده كما لو أنها كنز عظيم. وأفرش الرجل الذي يبدو وكأنه يرى الموت في كل مكان السجادة على بلاط الغرفة. لو كانت للبلاط ذاكرة لأدرك عدد الأحذية التي مرت من هذه القاعة. أحذية أطفال. أحذية رجال وأحذية نساء يأتون إلى هنا مكرهين لا أبطال. وخلع الرجل حذاءه المهلهل. ثم باعد بين رجليه قليلا ووقف مستقيما. ثم صوب عينيه نحو أخمص قديمه. غير أنه توقف هناك. توقف قبل أن يقيم الصلاة. ربما تذكر شيئا ما وعاد لارتداء حذاءه. ولم يحتج الرجل للانحناء كي يضع الحذاء في قدميه. كان الحذاء واسعا وخاليا من سيور. ولمحته من زاوية عيني اليسرى يدخل قدميه المجوربتين في فردتي الحذاء واحدة تلو الأخرى. وكان الحذاء الواسع يبدو كما لو أنه متعبا من السير .ولذلك بدا طيعا ومساعدا للرجل. ثم تقدم نحو الموظفة المكلفة بالاستقبال وتحديد مواعيد الزيارات
 – من فضلك، أين هو اتجاه القبلة؟
ولم تتكلم المرأة. المرأة التي لا غطاء على رأسها. المرأة التي يبدو أنها لم تنظر للمرآة ككل النساء حين كانت تهم بالخروج من المنزل. فقط قامت من على الكرسي وتقدمت الرجل بخطوات معدودات كما لو أنها كانت تعرف شيئا مهما عن هذا العالم والعالم الآخر. وأفرشت السجادة في الاتجاه المحدد. لم يقل الرجل شيئا. ولم تنتظر المرأة منه أن يفعل. ربما كانت مقتنعة بأن ذلك من صميم عملها الذي تتقاضى أجرا عليه.
وأغلقت أنا الكتاب. أغلقته عند هذا المقطع بالضبط:
ثم هرمتُ. في الخارج، حقيقة الكلمة
وحقيقة الريح أوقفتا صراعهما.
النار، التي كانت لي المصلى، انسحبت.
ما عدت خائفا حتى، أصبحت لا أنام . ( الصوت والحجر.ايف بونفوا)
ثم تقدمت نحو الموظفة. وأحست بوجودي فرفعت عينيها نحوي دون أن تفلت السكين التي كانت تمرر بها قطعة الجبن على كسرة الخبز التي في يدها اليسرى. ورمقت إبريق الشاي الصغير في جارور المنضدة. وقلت لها: بالصحة.
ولم تقل الموظفة لي شيئا. من المؤكد أنها أدركت ما رميت له بكلامي.
 – ماذا هناك؟ قالت ببرود قاتل.
 – أريد تغيير موعد زيارتي، قلت لها ضاغطا على كلمة ‘تغيير’.
ولم أنتظر أن تجيب الموظفة. كل ما فعلته هو أنني واصلت الكلام.
لقد تغير الوقت، قلت. تغير كثيرا. صار الناس يحملون المسجد معهم أينما حلوا. أنا لا أفهم كيف يعطي هؤلاء لأنفسهم حق الصلاة في قاعة مخصصة للزوار، أضفت.
 – وما لها الصلاة؟ عيب؟ قالت المرأة.
 – أبدا. من قال ذلك؟ أنا فقط قلت في نفسي إن هذه القاعة تشبه إلى حد ما غرفة انتظار.
 – أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قالت المرأة الموظفة.
ونظرت إليها. وقلت في نفسي إن تلبيسي تهمة ما أمر سهل جدا. ولذلك أخذت بطاقة الزيارة وانسحبت.
آنذاك كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحا. ثم وجدتني أطوي اليوم وأصل إلى السابعة مساء.
السابعة مساء ودقائق معدودات. ورأيتني أشرع في فتح شيء ما. شيء ما ربما كان يحمل في داخله سائلا أحمر يساعد على تحريك الرؤوس وقول أشياء العالم كما هي.

كاتب من المغرب
[email protected]