“قشور البطيخ” قصة قصيرة للكاتب العراقي محسن حنيص

محسن حنيص

بسبب البخل فشل عرس (حجي ريسان)، وانتهى دون ان يرقص فيه أحد. واثبت للحي ان البخل والفرح لا يجتمعان في مكان واحد. لم يكن الحاج ريسان فقيرا بمقاييس مدينة الثورة (شرقي دجلة)، بل كان ميسور الحال. فعدا دكان البقالية يملك باصا للنقل بين المدينة وباب المعظم، يقودها (سماري)، وهو سائق أجير أقرب الى العبد، يعمل منذ عشرين عاما دون ان يزيد أجره فلسا واحدا. ولكي يستعبده الى الأبد فقد خطب ثلاثة من بناته لأولاده الثلاث. ولكي يختزل المصاريف الى الثلث فقد قرر ان يزوجهم في يوم واحد. كلف الحاج ريسان اولاده بكتابة بطاقة الدعوة بخط اليد، واستنساخها على ورق الكاربون، بالف وخمسمئة نسخة. قدر معدل (النقوط ) المتوقع، وهو المبلغ الذي يدفعه المدعو للحفل كهدية، وطرح منها المصاريف، فوجد العرس مشروعا مضمون النجاح. كان الحاج ريسان مصمما منذ البدء على ان لا يخسر فلسا واحدا، بل على العكس، ان يربح من عرس أولاده مبلغا يكفي لشراء سيارة أجرة، ووضعها بيد الأبن الاصغر لسماري، واستعباده لربع قرن قادم.

لا احد يعرف ان كان ماحدث في العرس صدفة او ان الحاج ريسان قد خطط له، فقد كتب في بطاقة الدعوة ان الحفل تحييه فرقة (فليفل) للرقص الشعبي. والحقيقة ان فليفل وفرقته ليسوا قادرين على أحياء الحفلات فقط، بل واحياء الموتى ودفعهم الى الرقص. تختص الفرقة بما يسمى (البزخ ) وهو الرقصة التي اخترعها ابناء هذه المدينة والتي تسمى احيانا ( الردح )، وهي خليط من الرقص واللطم، مع ميل للفجيعة، ورغبة في الانعتاق من قيد غير معروف. وقد تم كتابة العبارة بخط عريض ووضع قوسين كبيرين على كلمة ( البزخ) التي تبشر برقص أقرب الى الجنون خصوصا حين يؤديه فليفل وجماعته. سحبت هذه العبارة عددا كبيرا من المدعووين وغير المدعووين. وبسبب العبارة تحمل الكثير مشقة الوقوف، فقد كان هناك نقص كبير في الكراسي. وتحمل الحضور الجوع بسبب الزهد المفرط في كمية الطعام وخلوه من اللحم. وشعر الكثير منهم أنهم في دير للرهبان اكثر منه عرس.

كان الموسم حافلا بثمار (الرقي ) بتشديد القاف، وهو التسمية العراقية لما يعرف عند بقية العرب بأسم (البطيخ). ولولا وفرته في ذلك الموسم لبقي نصف المدعوين بلا عشاء. وكان لغزارته يباع بالعربات وليس بالمفرد. فلكي تشتري عليك ان تأخذ العربة كلها. اما اذا انتظرت حتى غروب الشمس فسوف تحصل عليها مجانا. كأن سماء البلاد أمطرت بطيخ (رقي) . في يوم العرس نقل الحاج ريسان نصف ما موجود في السوق من هذه الثمرة. وقد حلت هذه الثمرة مع ارغفة الخبز المتبقية مشكلة نفاذ الرز والمرق. كانت قشور الرقي تتكدس على جوانب الشارع وساحة العرس، وفي تلول صغيرة على السطوح وتحت الكراسي. تحمل الجميع هذا الأستعراض السافر للبخل على أمل ان يعوض بالرقص حين يطل فليفل وفرقته.

كانت هناك مفاجأة غير سارة تنتظر الجمهور. بعد أن وضع الحاج ريسان ( نقوط ) المدعوين في جيبه، أشار الى عريف الحفل ان يتقدم للجمهور ويعلن لهم خبرا (غير متوقع ) وصله توا . قبض عريف الحفل على عنق الميكرفون وأعلن أسفه عن تعذر حضور فليفل وفرقته: (…ففي طريقهم الى الحفل أوقفتهم مفرزة حزبية، وخيرتهم بين احياء الحفلات أو الدفاع عن الوطن. فلبى فليفل نداء الواجب المقدس وتطوع مع كافة افراد فرقته في الجيش الشعبي. وكانت هناك باص عسكرية تنتظر، سلمتهم سلاحا وبدلات زيتونية ونقلتهم الى الجبهة في قاطع ديزفول. )

القي الأسف على عجل وبعذر لا يسمح بالتعليق. خلف الأسف والعذر ظلالا من الشك على العرس. صار الحضور ينظرون في وجوه بعضهم. ماذا يجرى بالضبط ؟ المعروف عن فليفل انه لا يلبي مثل هذه النداءات. لا يلبي فليفل سوى ندائين فقط هما الرقص والخمر.

(ولكن ايها الجمهور الكريم لن نترككم تعودون الى بيوتكم بخفي حنين. سوف نقدم لكم مطربا يدفن موهبته منذ عقود من السنين في معمل النسيج الصوفي ( معمل 1 حزيران ) في كمب سارة، حيث تبتلع مكائن النسيج صوته فلا يسمعه أحد. مطرب يسير منذ زمن طويل على خطى (عبادي العماري ) دون ان نتعرف عليه. اعزائي الحضور يسرني ان اقدم لكم نسخة لاتقل جودة عن الأصل أنه المطرب: سوادي العماري).

كان هناك عرف يحترمه الجميع في أعراس المدينة: هو ان يمنحوا المغني الجديد عشرين دقيقة ليظهر مواهبه، فاذا لم يرقصوا او يطربوا فسوف يطلبون منه التوقف، او ينصرفوا تاركين المطرب يغني لنفسه. أما اذا سبب صوت المطرب اضرارا لحاسة السمع والذوق، او أحال الجمهور الى فضاءات أخرى لاتمت بصلة للموسيقى او الرقص فسوف يلجأ الجمهور الى أساليب قسرية لأيقافه. وماحدث في تلك الليلة ان صوت (سوادي العماري) أحال العرس الى معمل للنسيج. فيما عدا التقارب في الاسم، لم يكن هناك اي أثر او لمسة تشير الى صوت او اداء (عبادي العماري ). ما أن مرت الدقائق العشر الأولى حتى وجدت احد الحاضرين يقترب مني ليبث نفس الأنطباع الذي يجول في خاطري.

(سوادي العماري هو ماكنة نسيج تغني).

هل تسمع ؟ قال لي . الا تشعر انه بحاجة الى تزييت؟ هززت له رأسي مؤيدا. حقا أنه ماكنة قديمة جدا وتحتاج الى تزييت. احيانا تصدر منه حشرجات وضربات مكوك، ومسننات تحتك ببعضها فتحدث صريرا واختناقات وتوقفات كأن هناك خيوطا تتقطع. بعد عشرين دقيقة من الاصغاء اصبح واضحا ان هناك خطأ ما يجري. ويبدو ان هناك معلومة لم يذكرها عريف الحفل وهي ان سوادي العماري، مطرب النسيج الصوفي كان اطرشا، اذ لم يسمع الصيحات المتكررة للتوقف عن الغناء.

اصبح من الواضح ان اسكاته يتطلب وسائل بصرية بعد تعذر الوسائل السمعية. كان اول قشر بطيخ (رقي) حط على ظهره جاء من أحد السطوح، لكنه تجاهله وواصل الغناء. ثم جاء تصحيح في الرمي فوصل القشر الى رأسه فتجاهله ايضا. مع توالي وكثرة القشور اصبح التصويب عشوائيا واغلبه في القفا . كان لابد من الدقة في التصويب، حيث المطلوب هو التسديد في الفم لأسكاته. تكاثرت عليه القشور . خصوصا من السطوح، وحين هرب طاردته، كانت هناك ابواب في طريق هروبه تفتح على عجل، فتخرج منها قشور من تحت عباءات سود ترشقه ثم تدخل وتوصد الباب. وأراد (حجي ريسان) ان يقول شيئا، فانهالت عليه القشور. ثم انهالت على العرس، فهرب العرسان الثلاثة الى جهة مجهولة، تطاردهم قشور البطيخ.

محسن حنيص، هولندا

[email protected]