قصائد للشاعرة الأميركية لويز غلوك الحاصلة على نوبل للآداب للعام 2020 ترجمة سامر أبو هواش

لويز غلوك Louise Gluck

منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب للعام 2020 للشاعرة الأميركية لويز غلوك Louise Gluck.

غلوك وهي أوّل أميركية تفوز بالجائزة بعد سبعة وعشرين عاماً من فوز توني موريسون بها، أوضحت اللجنة أن الجائزةَ قُدّمت لـ “صوتها الشعري الذي لا لبس فيه، والذي مع الجمال الصارم يجعل الوجود الفردي عالمياً”.

وأشاد رئيس لجنة الجائزة، أندرس أولسون، بصوت غلوك “الصريح والمتصلب والمليء بروح الدعابة والذكاء اللاذع”، وأضاف أن “مجموعاتها الشعرية الاثنتي عشرة “تتميز بالسعي إلى الوضوح”، مقارناً إياها مع إيميلي ديكنسون بـ “شدتها وعدم رغبتها في قبول مبادئ الإيمان البسيطة”.

وقال: “في قصائدها، تستمع الذات إلى ما تبقى من أحلامها وأوهامها، ولا يمكن لأحد أن يكون أصعب منها في مواجهة أوهام الذات”، وقد اختارت اللجنة قصيدتها “قطرات الثلج” التي تستحضر فيها عودة الحياة بعد الشتاء، وتكتب في أحد مقاطعها: “لم أتوقع أن أبقى على قيد الحياة/ الأرض تكبّلني”. “لم أكن أتوقع/ أن أستيقظ مرّة أخرّى، لأشعر/ بجسدي في الأرض الرطبة/ قادر على النهوض مرة أخرى”.

في العام 1992 فازت بجائزة “بوليتزر” المرموقة عن مجموعتها “القزحية الوحشية” وأصبحت لويز غلوك، بين طليعة شعراء بلادها، ولا سيما مسقط رأسها نيويورك، مكرسة نمطها الشعري الذي يمزج بين الأساطير واللامرئيات وبين السيرة الذاتية واليومية. بين إصداراتها أيضاً “العصور السبعة” (2001)، “فيتا نوفا” أو “حياة جديدة” (1999)، و”مروج” (1996)، و”أرارات” (1990)، و”انتصار أخيل” (1985)، وهذه الأخيرة فازت بجائزة “ناشيونال بوك كريتيكس أوورد”. تدرّس غليك الأدب في “وليامز كولج”، وتعيش حالياً في كامبردج، ماساتشوستس.

ننشرها هنا بعض القصائد بترجمة الشاعر والمترجم الفلسطيني سامر أبو هواش، والتي كانت قد نشرت في ديوان بعنوان ” عجلة مشتعلة تمرّ فوقنا” وصدرت عن سلسلة “كلمة” ودار الجمل، 2009.

ننشر القصائد هنا بالاتفاق مع المترجم.

 

سعادة

 

رجل وامرأة ممدّدين على سرير أبيض

إنه الصباح. أفكّر،

وعمّا قليل سيصحوان.

على الطاولة، إلى جوار السرير، زنابق

في مزهرية؛ شعاع الشمس تمكث في أعناقها.

أراه ينقلب نحوها

كما لو أنه، بصمت، سيلفظ اسمها،

عميقاً في فمها.

على حافة النافذة،

مرة، مرتين،

يشدو طائر.

ثم ترتعد؛ جسدها

يمتلئ بأنفاسه.

أفتح عينيّ؛ إنك تتأملني.

فوق هذه الغرفة

تنساب الشمس.

انظري إلى وجهي، تقول،

مقرباً وجهك مني

لتشكّل مرآة.

كم هادئ أنت. والعجلة المشتعلة

تمرّ بسلاسة فوقنا.

 

بورتريه

ترسم طفلة هيكل الجسد.

ترسم ما تجيده، الهيكل فحسب، ولذا يحتل البياض الجسد،

لا تستطيع ملأ ما تعلم أنه كائن هناك.

تدرك أمه، داخل خطوط الهيكل الهشة،

الحياة مفقودة؛

لقد فصلت بين الاثنين، وكطفلة

تلتفت الآن إلى أمها.

وها أنت ترسمين القلب

في الفراغ الذي صنعََته.

 

الخوف من الدفن

في الحقل الفارغ، صباحاً،

ينتظر الجسد أن يُستدعى.

يقبع الروح بجواره، على صخرة صغيرة،

لا شيء سيهبه هيئة ثانية.

فكّر في وحدة الجسد.

ليلاً يسير في الحقل العاري،

ظله مشدود بقوة.

كم طويلة هي الرحلة.

والأضواء البعيدة المرتعشة بدأت من الآن تنبعث من القرية

لا يقفون من أجله وهم يتفرّسون في الصفوف.

كم يبدون بعيدين،

الأبواب الخشب…

الخبز والحليب،

تركت، كأثقال، على الطاولة.

 

الرسائل

ليل لآخر مرة.

للمرة الأخيرة تمرّ

يداك على جسدي.

غداً خريف.

سنجلس معاً على الشرفة

ونتفرج على أوراق الأشجار التي يبست

تحملها الرياح في سماء القرية

كالرسائل التي سنحرقها،

واحدة بعد الأخرى، كلّ في منزله.

كم ساكنة هذه الليلة.

وحده صوتك يتمتم:

إنك مبللة، تريدين ذلك

والطفل في الداخل

نائم كما لو لم يولد بعد.

صباحاً، الخريف.

سنمشي معاً في الحديقة الصغيرة

بين المقاعد الحجر والشجيرات

يغلّفها الضباب،

كأثاث هجر من زمن بعيد.

أنظر كيف أوراق الشجر ترتفع في العتمة.

لقد أحرقنا

كل ما كتب عليها.

 

صيف

أتذكر صيف سعادتنا الأولى،

كم كنا قويين، وكم دوّخنا الشغف،

كيف كنا نتمدّد على سريرنا الضيق،

ننام هناك، ونأكل هناك أيضاً: كان صيفاً،

بدا أن أينع كل شيء

دفعة واحدة. وكم كنا حارّين في عرينا الكامل.

أحياناً كانت ريح

وكانت صفصافة تربّت على النافذة.

لكننا كنا ضائعين نوعاً ما، ألم تشعر بذلك؟

كان السرير مثل عوامة؛ وأحسستنا نطوف بعيداً

من طبيعتنا، إلى مكان لن نكتشف فيه

شيئاً.

أولاً الشمس، ثم القمر، يظهر في شذرات،

عبر الصفصاف.

أشياء يمكن أن يراها أي كان.

ثم انغلقت الدوائر. ببطء صارت الليالي باردة؛

اصفرّت أوراق الصفصاف

ثم سقطت. وانفتحت في كل منا

عزلة عميقة، مع أننا لم نتحدّث عن هذا الأمر،

عن غياب الندم.

كنا فنانين مرة أخرى، يا زوجي،

واستطعنا استئناف الرحلة.

 

هيئة جالسة

كما لو كنت رجلاً على كرسي متحرّك

ورجلاك مقطوعتين حتى الركبتين.

لكنني أردتك أن تمشي.

أردتنا أن نمشي كعاشقين

بذراعين متشابكتين في المساء الصيفي،

وآمنت بقوة بإمكانية ذلك

بحيث اضطررت إلى التكلم، كان عليّ دفعك دفعاً لتقف.

لمَ تركتني أتكلم؟

استقبلت صمتك مثلما استقبلت العذاب على وجهك،

كجزء من مشقة التحرّك…

يبدو أنني وقفت إلى ما لانهاية، مادة يدي.

وطوال ذلك الوقت لم يكن بمقدورك شفاء نفسك

مثلما لم يكن بمقدوري القبول

بما رأيت.

 

العودة

حين رحلت

كنت مرعوبة؛ ثم

لمسني فتى في الشارع،

كانت عيناه بمستوى عيني،

صافيتين وحزينتين:

دعوته إلى الدخول؛ تكلمت معه

بلغتنا،

لكن يداه كانتا يديك،

وبرقة هائلة نالتا ما أرادتا

ثم لم يكن مهماً

اسم أي منكما كنت أنادي،

كان الجرح عميقاً إلى هذا الحدّ.

 

قطعة ليلية

يعرف أنه سيتأذى.

تأتيه الإنذارات إلى سريره

لأن الدعة تهدده: في الضوء الباهت

للإنارة الليلة يزعم أنه يحرس

اللحم الذي تتلخّص فيه حياته.

يفرد ذراعيه. على الجدار هيئة مشابهة

تربطه بالظلمة التي لا يمكنه السيطرة عليها.

الظلمة، في أشكالها المتعددة، تستنبط

أعداءه. لا يمكنه النوم

بعيداً منهم.

 

المرآة

متفرجة عليك في المرآة

أتساءل ما يعني أن يكون المرء بهذا الجمال

ولمَ لا تحب سوى

جرح نفسك وأنت تحلق ذقنك

كرجل أعمى. أحسب أنك تدعني أحدّق

لكي تنقلب ضدّ نفسك

بعنف أكبر،

محتاجاً إلى أن تريني كيف تكشط الجلد

بازدراء وبلا تردّد

لكي أراك بشكل صحيح،

كرجل ينزف، لا لأرى

الانعكاس الذي أشتهيه.

القزحية المتوحشة

في نهاية عذابي

كان باب.

اسمعني: ذاك الذي تسميه موتاً

أذكره.

في الأعلى ضجيج، غصون الصنوبر تتململ.

ثم لا شيء. الشمس الباهتة

تلألأت على السطح الجاف.

من الرهيب العيش

في ما الوعي

قابع في ظلمة الأرض.

ثم انتهى: ذاك الذي كنت تخشاه، أن

تصبح روحاً غير قادراً

على النطق، أن تنتهي بسرعة، الأرض الصلبة

تميل قليلاً. وما أحسبه طيوراً

تمر سريعاً في أسراب صغيرة.

أنت الذي لا تذكر

عبورك من العالم الآخر

أقول لك يسعني التكلم ثانية: كل

ما يعود من النسيان

يرجع ليعثر على صوت:

من مركز حياتي انبثق

نبع عظيم، ظلال شديدة

الزرقة في بحر لازوردي.

 

أسطورة

جاء جدي

إلى نيويورك من “دلوا”:

وتبعت العثرات بعضها.

في هنغاريا كان أكاديمياً، صاحب امتياز.

ثم كان الفشل: صار مهاجراً

يلف التبغ في مستودع بارد.

كان مثل يوسف في مصر.

يسير ليلاً في المدينة،

وكان رذاذ الميناء

يتحوّل دمعاً على وجهه.

دموع الحزن على “دلوا”… التي هي أربعون بيتاً

وبضع بقرات ترعى المروج الوافرة…

يقال أن الروح العظيمة ليست سوى

نجمة، أو شعاع،

لكنها تشبه أكثر اللؤلؤ:

إذ ليس في العالم كله ما هو صلب كفاية

ليغيرها.

أيها الكائن التعس، أتوقفت عن الإحساس

بعظمة العالم

التي كثقل عظيم، كوّنت

روح جدي؟

كانت أحلامه تحلق، كطيور حزينة،

من المعمل إلى “دلوا”، محضونة في مناقيرها

كما يمكن أن يرى الرجل

آثار خطواته

على الأرض الرطبة.

صور مبعثرة، شذرات ضبابية للقرية؛

وبينما يوضّب التبغ، كذلك في روحه

ذاك الثقل يكثّف كسرات “دلوا” ويحولها

إلى مبادئ ومجرّدات

تليق بتحدّي العبودية:

في بلد كهذا، أن تزدري

الامتياز، أن تحب

المنطق والعدل، وأن تقول

الحقيقة دوماً…

التي كانت

خلاص شعبنا

ما دام قول الحقيقة

يمنح وهم الحرية.

 

صباح

تستيقظ الفتاة الفاضلة بين ذراعي زوجها،

الذراعان نفسيهما اللتان، طوال الصيف، جعلتهما تتحركان

بلا توقف تحت شجرة الإجاص:

يسرها كذلك أن تستيقظ

عند الشروق، لترى ثوب الزفاف

متدلياً من ظهر الكرسي،

وعلى المكتب الثقيل قميص رجل مطوي بعناية؛

أن ترجع لها هذه ذكرى

ألف صورة، الكنيسة نفسها، شمس الخريف

تتدفق عبر النوافذ الملونة، عبر

صورة السيدة العذراء، وتحتها

اميليا تحمل ورود العروس..

أما بالنسبة إلى دموع أمها، فسخيفة ومع ذلك

تبكي الأمهات في زفاف بناتهن،

الكل يعرف ذلك، لكن على أي شباب يبكين،

لا يمكن أن نعرف.

في المأدبة العظيمة هناك دائماً الدخيل، الغريب المحتفل،

والمهم هنا كم تبدو مختلفة عن أمها.

لم تكن أبعد من الحزن بهذا القدر

كما هي الآن. لا تجد داعياً للبكاء،

لكنها كذلك لا تجد

معنى لهذه الكلمة: الشباب.