قصائد للشاعر الكوستاريكي أوسفالدو ساوما، ترجمة عن الإسبانية: خالد الريسوني

سَفرُ الدَّمِ

 

ليسَ لي مُمْتَلكاتٍ ولا سُلُطاتٍ:

ليسَ أكثر من هذا الإناء من عسَلٍ

عسَلٍ بِلَوْنِ النَّارِ

ناظم حكمت

في إنائي مِنْ عَسَلٍ

لمْ تَسْكُبْ نَحْلةُ بغدادَ أيضاً

أنتظرُها

بِقلبٍ مُنْتَفِضٍ

وبالأيْدي المُستَنِدةِ إلى الليلِ

*

مَسَافَةٌ جُغْرافِيةٌ شاسِعَةٌ

لكنَّ سفرَ الدَّمِ آخرُ

*

في سوفَ تأتي لِتُوقِظَ

كارين التي ترافقني

معا سوف نحيى من جديدٍ

القلبَ النَّفورَ للعَرَبِ

في الزَّمَنِ المُنصِفِ لهارون الرشيد

*

سوف تُجَدِّدُ أغنيتُنا

الحُلمَ التَّائِهَ للبَدْوِ

سَوفَ نصُوغُ مُجَدَّداً الفِعْلَ

سوف نَبْني بِهِ

قصوراً مَهيبَةً مثل قَصْرِ الحَمْراءِ

*

وهكذا سنجدُ مِنْ جديدٍ

رُحَلاً تحتَ عصْفِ الرِّيحِ الشَّمْسِية

المركزُ الذي تلتقي فيه

السَّماءُ والرِّمالُ في الأفقِ ذاتهِ

ومثلما بالأمْسِ في تلكَ الصَّحارى

سوف نجِدُ كلَّ ذهَبِ الأرض

في العسَلِ بلوْنِ نارِ شُعرائِها

 

جُذورٌ

 

الشِّعرُ ذهبُ العربِ

ق. فيرجيل جورجيو

 

يجهلُ المُشنِّعونَ بي

أنَّ الذاكرة تتجسَّسُ

مساراتِ الأجدادِ

*

لا يتَشَكَّكُونَ

في بهَاءِ الصَّحارى

يمنعُهم من أن يسلُبوني

ذهبَ الأشعارِ

وعُنْفوانَ الدَّمِ

*

ستغدو لا مُجْدِيَة

افتراءاتُهم

جُذورُ الأسلافِ هذهِ تشبكني

بِسُوقِ عكاظ الأسطوريةِ

حيثُ القصائدُ المُتَوَّجَةُ

تُنْسَخُ على الحريرِ الأسودِ

مُعْلِنَةً المواقفَ

الأكثرَ نبلاً للعَرَبِ:

من كان ينحدرُ بالبنتِ من العينِ إلى القلبِ

أو ينحتُ زهرةً بينَ الشِّفاهِ

 

طقسٌ

 

كل صباح

على الأبراجِ الشامخةِ

لقصر الحمراءِ

أتأمَّلُ الممالكَ الضائعة:

حدائقُ جنة العريفِ

جبال سييرَّا نيفادا والبيازين

*

كل مساءٍ

أخفي ذاكرة

الملوك الكاثوليك

وأحيا البهاء القديمَ

لساحة الأسودِ

*

كل ليلةٍ

أغْرِقُ في النبيذِ

ثقلَ ما لا مَحِيدَ عنهُ

 

خروجُ المُورِيِّ

 

غيرُ مجدٍ أن تحْفُرَ

في الماضي ولا أن تسترجعَ

المعاني من الحجر

*

لن تستقبلَ أيُّ امرأةٍ

هذه الليلة

أسبابَ شقاقِ خياراتها

ولن يُوَجِّهَ السُّلطانُ أسطرلابَهُ

نحوَ تماثُلِ النُّجُومِ

*

ولا ينفعُ أيضاً

تحريكُ الرَّمادِ

البحثً عن حدائقَ ومعاقلَ

عن هندسةِ مِعمارٍ تستحضِرُ

قصرَ نحلٍ

*

الماءَ الهذيانيُّ

لا يُزاحِمُ الآنَ

غناءَ الطيورِ

في حِظاراتِ قصرِ الحمراءِ

*

فالموسيقيُّونَ العُميانُ رحلوا

 

 أسَابِيسُ

 

القانون الثاني هو أسابيسُ،

تضامنُ القرابة الدَّمويّةِ

التي تجمعُ بينَ أعضاءِ جماعةٍ ما

مثلما لو كانوا جسدا واحداً

ق. فيرجيل جيورجيو

 

لا أعرفُ بيروتَ

ولا أشجارَ الأرز في لبنانَ

لم أتعرَّفْ على جَدِّي

ولا عن أبيهِ الشيخُ القديمُ

*

ولا أعرفُ حتى كلمةً واحدَةً بالعربيَّةِ

ولا أيضا هل أنحدِرُ من أصلٍ سُنِّيٍّ أو شيعيٍّ

وهل كنتُ بَحَّاراً فينيقياً

في مياه البحر الأبيض المُتَوسِّطِ

أو إن كنتُ في أزمنةٍ أخرى قد زحفتُ على بعلبك

بين جيوشِ صلاح الدِّين العظيم

*

وُلِدْتُ في خطِّ الاستواءِ

في الدرجة العاشرة شمالا من خط العرض

والثامنة والأربعين غرب متوسط

دائرة خط طول غرينيتش

وأعرِفُ ألا وطنَ لي

غير هذا الوطنِ الذي يعيشُ فيه أبنائي

*

ومعَ ذلكَ

أمتلكُ جلباباً تبادلتُهُ

معَ محمدٍ في أحدِ شوارِعِ تطوانَ

وتحت تأثيرِ هذا اللباسِ

عرفتُ نفسي عربيّاً بين العَرَبِ

وقبلَ أن أسقطَ مذهولا

أمامَ بهاء قصرِ الحمراءِ

فهمتُ بسبق وجودِ

عجائبِ زخارفها

وفنونها الأرابيسك

*

ولمَّا تعَرَّفْتُ للوهلةِ الأولى

على جبران خليل جبران

تذكرتُ الحكايةَ القابِعَة

في الخيوطِ المتشابكةِ لرَابِطةِ “أسَابِيسِنا”

 

 نافِذةٌ حيثُ الشَّمسُ

 

مِن جديدٍ يلامِسُ التِّذكارُ برِفقٍ الأضْلاعَ الواسِعة

والحاضِرُ يصيرُ ماضياً

الزَّمَنُ الأكثرُ جموحاً يتهَدْهَدُ في الأجراسِ،

قيثاراتٌ تُمَزِّقُ ليلَ نِساءٍ مُلتبساتٍ

يُنظرُ إليْهِنَّ مِثلَ ظِلٍّ شامِخٍ.

*

شُقَّةٌ صغيرَةٌ في شارعِ كاستيِّيخوس

نافذةٌ حيث الشَّمسُ

تطِلُّ بعيونِهَا خجلى.

دروبٌ وَسِخَةٌ وضيِّقةٌ.

*

والنَّظرةُ التي تُصَفَّى في كلِّ صورةٍ جديدةٍ

في كلِّ رمْزٍ مُطرَّزٍ على الحَجر.

جوعٌ ونبيذٌ

يمنحانِ أبعاداً جديدةً للرُّوحِ.

ضوءٌ آخرُ، ضوءُ الحشيشِ

في الأسوارِ العاليةِ لقصرِ الحمراء.

*

وبعدئذٍ كانتْ تطوانُ

والوعيُ الذي ينفتحُ لِضرباتِ مَخالبَ

وشمسُ الشَّتَاءِ التي تتركُ بقعاً فوقَ الجلدِ.

ومحمَّدٌ المغربيُّ

في دروبِ الكِيفِ البيضاءِ

الشايُ الأخويُّ بالنعناعِ

وعاصفةُ الثلجِ للأسلافِ:

الجِذورُ، الجلبابُ،

وبعدئذٍ الساعاتُ

الجارحةُ لكلِّ وداعٍ

وضوءُ كلِّ صديقٍ

الذي يُنفَضُ في الطريقِ غبارُهُ.

 

 شعرية جديدةَ

 

الآن بلا كدٍّ وبلا مَطمَحٍ

أكتبُ فقط

لكيلا أموتَ قبل الأوان

لكي أحررَ حُبَّ وحقدَ

الصراع المفترس للأحشاء

ولا أنسى أبدا

حِيَلَ المُرَابِين

وأيضا لكي أحِسَّ

أحيانا

تلك النشوةِ القصوى العابرةِ

لكُلِّ الخَلْقِ المُخْتلَسِ مِنَ الصَّمْتِ

= آثار جانبية

يرتفع القمر

فوق الليل مثل أيقونة

*

الكائنات البشرية في الخارج

تقتتل في الطرقات

وفي الحانات

وفي الشوارع المشدودة

إلى عثرات هواجسها

*

يحتمي آخرون من العزلة

يرقصون رقصة المرح

يتمرغون في الأسرة

لكن ينسوا ذواتهم

في جسد الآخر

أو ينتحرون تحت ضياء

جسور الفراغ العالية

*

المتوحدون وحدهم يغيبون

في لا معنى الأيام

دون أن تزعج أشعة

القمر فيوضه الداخلية

*

بين الإلهات المنقرضات

يجدون عزاء

رغم أنه ليس ثمة مخرج

رغم حمامات البدر المكتمل

في مضيه ورواحه فوق الدفق البحري

ما بين المياه الداخلية للنساء

أو في أعماق نوستالجيا الذئاب تلك

والتي يحملها الرجال معهم

المتوحدون يحيون

من همس صمتهم

ويشربون / وحدهم يرفعون الأنخاب

مع القمر وظله الشخصي

محاكين لـ: لي – طاي – بو

في الطقوس الأبدية للهجر

 

 أسير ذاته

 

رجلٌ يلقي السبيل

فوق الفسيفساء

*

أسيرُ ذاته

يمضي من جهة إلى أخرى

في العلية

*

رجل

على وشكِ الهلاك

*

يبقيه تجواله

الأبلهُ مضطربا

*

علاجٌ للمجانين

أو لِمُسْهَدِي المملكةِ

في توْقِهِمْ

لِتجنُّبِ الخسران

في هذا الذهاب والإياب

وهم يجترون

الوَخَزَاتِ ذاتها لمراراتهم

 

 بورتريه يَتحَدَّثُ

 

أحيانا يخترقني من العيون

حزن إنسان الغاب

المحبوس في القفص

*

حينئذ

لا أشتهي

أن أكتبَ

أن أسكرَ

أن أستمعَ إلى الموسيقى

أو أن ألعبَ السوليتير

*

في هذا الحال

ليس ثمة طريقة أمامَ المَرءِ

كي يتجنبَ أن يدركَ أنه سجينُ

لِذاتِه وللآخرين

 

 إنذارٌ وشيكٌ

 

هذا القلبُ

لم يعُدْ هو نفسه

حينما يُفكِّرُ المَرْءُ أقل

يفيض عن مجراه

أو يرتعشُ مثل عصفورٍ

وسطَ الضَّبابِ

*

أنا

حتَّى لا يَتِمَّ

التَّغَلُّبُ على الأمْرِ

أتشبَّثُ بكلتا يديَّ

بالجانبِ الأيسر من الصدر

أو أخبط بغضب

وخزة اللاطمأنينة

وأتظاهر بالسعال

حتى ينظف

الدم الشرايين قليلا

*

هذا القلب قد فحصوه

بكل تلك الآلات

التي تقيس جراحاته

منعوه من كل ما كان يحبه أكثر

وحكموا عليه

بالنفي من كل نشوة

 

 ريبات الآتي

 

I

 

نحن من نستمع

إلى خطوات الموت

تطوف

ما بين خفقات القلب

*

للتو نجري لأنفسنا

فحوصا محترسة

لأعراض الدالة للروح

*

ونتوسل

بحماس مفرط

*

وداعا حذرا

دون أن نترك في الخلف أي أنين

في انتظام الوداعات

والعناقات

 

II

 

أمر الكتابة عن الموت

ليس موضوعا جيدا

بالنسبة للشعراء المتطيرين

*

هم

لا يمرون تحت السلالم

لا فوق ولا تحت السلاسل

يلمسون الخشب في كل حادثة غرق

ويلجؤون في سكتاتهم إلى الى الصلاة

 

III

 

لروحي هذه

تنمو الريبات

يرهبها ذلك المطلب

بتعجيل ترتيب

كل شؤوني الدنيوية

*

بترك صفحة

الأخطاء المقترفة بيضاء

وتيسير وجهة جديدة مجهولة

*

هو يفكر

أنه في خضم تصفية الحسابات هذه

تتخفى إشارات آتية

من قارب خارون

أو نقيق

الدجاج المذبوح البارحة.

= علامات الهواء

غيوم من شحارير

ترسم تكهنات في السماء

*

الآتي يقرأ

في الأشكال الجسدية

التي تلقيها

الأسراب في تحليقها

*

ماذا يهم لو أن أشجانها

تدمر خرائب المحيط؟

ماذا يهم لو أن السيارات والدراجات النارية

تتزحلق ما بين حطامها؟

*

هي الهاتف الإلهي الحي لمصير روما

= صدى صوتي

علاقتنا تأتي

من جرح شاسع

بعيدة عن كل تناغم

عن كل امل عرضي

أو دنو

من حظوظ الحياة

وهباتها الخفية

*

أي:

بدون ذلك الجرح الخافق

لم يكن ممكنا أن أجدك

في شاطئ الغرقى

وما كان ممكنا أن أكون اليوم

غريقا أكثر من أمس

*

أشياء الحب

*

لماذا

فضلا عن فقداني لك

تمضين معي إلى كل الجهات؟

*

لماذا

يجب أن أتحمل هذه الجثة

إن كنت لم أقتلها

وهي بعد مل تزال على قيد الحياة

في أعماق رغبتي؟

*

وفي نهاية المطاف

لماذا

يتوقف كل هذا الكبرياء

اللامألوف مع هذه الألم العابر؟

*

ألم يمنحك

ما لم يمنح لأحد غيرك؟

 

 عقد توثيقي

 

انسحبت من حياتي

مثل من ينسحب

من بلاد تم اجتياحها

ويترك خلفه

فوضى دونما حلٍّ

*

أو مثل الذي

في منتصف لعبة

ينسحب مخطوف البصر

ويأخذ معه الكرة

لأنها كرته

*

أو مثل الذي

يستغني عن تعاقد عاطفي

دون أن يسدد حصته

من النوستالجيا

*

والعزلة المستحقة

 

 نكسة

 

بينما العالم جريح

مرة أخرى أكابد الجوى

*

من يتملكني

في هذا العمر

مقايضا

العزلة بعناقات عابرة

*

الطريق الوحيد للمضي في أثره

طريق الروح

لا طريق القلب الغرير:

ذاك لم يعرف قط كيف يتحرر من الناعورة

ولا كيف يثِبُ إلى هوة الصدود عن الهوى

*

دوما يتعثر

بصخرة سيزيف

دون أن يجدَ لدى الآخَرِ

سراب استسلام ذاته نفسها

 

 درجة العرض صفر

 

ذلك الذي لا يعشق الغيوم

فلا يذهب إلى خط الاستواء

هنري ميشو

تحديدا في منتصف العالم

الغيوم

كلاب الهواء

تسافر مباشرة باتجاه الجنوب

*

غيومٌ أحبَّها ميشو

مثلما يتعود أولئك الرعاة

الأوفياء للجبال حب الذئاب

*

وسط حزام الكوكب

في نقطة الصفر الصفر الصفر

حيث يلتقي اليين واليانغ

*

ثمة رجل منقسم

ما بين خط متخيل

والأشعة العمودية

التي تُسْقِطُها الشَّمْسُ

*

هنا

فوق هذه القمم

حيث رسم العقل إحداثياته

ووجه لاطمأنينة خوفه

*

هنا في خط الاستواء

ثمَّة رَجُلٌ مُتَحَمِّسٌ

يُغَنِّي لِسُرَّةِ الأرض

= لوحٌ مَزدوجٌ للعودةِ

أمضي وآتي

ودوما أنا

ذاك الذي أضعته

في الرحلة

والآخر كان آخر

منبهرا

بالجدة

وآخر غيري

وأكثر منه هو ذاته

أكثر تخففا من الماضي

معاكسا

لكثافة الحاضر

مع مدينة المولد القصية

II

العودة خسران

إحداثيات من لا وطن له

الخطوط المتخيلة

ما بين بحار الحلم

*

الرجوع

عودة لفتح الجرح

حيثما يبصق المرارة

معظم سكان المدينة

= هذا أيضا أنا

أصمُّ أمام تكهنات النهاية

أبدأ اليوم

أترك خلفي

الرهبات الأكثر ترددا

*

أخرج

وتبقى الشمس بعد هنالك

بعينها

الراعية والمدمرة

ثم

إن للأيام حياة خاصة

وهذا الذي هو أنا

يتكيف مع الضوء أو مع الرمادي

باستسلام طاوي متحمس

 

 مساء

 

لست أفهم جيدا

لكني سيانٌ أنسابُ وأطفو وأنزلقُ

*

مُقاوَمَة النَّوايا صفرٌ

رِضىً

إدراكٌ بكوَني حيٌّ

في حِقبَةٍ صَعْبَةٍ

متوترة لا متكررة وغير قابلة للحلِّ

ليس ثمة أجوبة

فقط أسئلة في الفلاة

سُبَّدٌ

تكسِرُ عُجْمَةَ الصَّمْتِ

*

فقط البَحرُ اللايُسْبَرُ غَوْرُهُ

وبدلتُهُ مِنْ زَبَدٍ

والبُعْدُ والأفقُ

والشَّمْسُ تبسطُ ريحَها النَّجْمِيًّةَ

لإلهٍ بُرْكانِيٍّ مَيَّالٍ إلى الانطفاءِ

= هذه النافذة تبوح بفظاعاتها

مدخنو الأحجار

يلقون أحجارَهُم نحو الفراغ

*

يواجهون

باندفاعٍ مُهَدِّدٍ

كائنات جنونهم الخفية

*

وبالمِثْلِ ألقي أنا ركلاتٍ مُتَخَيَّلَةً

لِمُحَرِّضِي جَحِيمِي

وأعِيدُ لِلحِقْدِ

أجْنحَتَهُ أجنحةَ مِزْرَابٍ مُنْصِفٍ

*

لم أُشْفَ بَعْدُ

ما زلتُ ألوِّحُ بِسُيُوفِي

ما زلتُ مُجَهَّزاً بِعَتَادِي في هذه العُزلةِ

حيث تُطبَخُ الانتقاماتُ

= أبناء بلدي الأعزاء

أنا مَدِينٌ لكم بهذا الجُرح

وأحقادِهِ

وهِبَةِ المُثابرَةِ

والأسلحةِ التي تحْمِيها

*

أنا مَدِينٌ لكم بهذه المِهْنَةِ

مِهنةِ المُتمَرِّدِ المُسْهَدِ

ومُفتِّشِ السَّاحاتِ العامَّةِ

والحَانَاتِ

وهذا الغضَبِ

وهذا الحَامِضِ الأكَّالِ

وهذا الحُبِّ الطَّبِيعِيِّ

لِوَطنِ المَنْسِيِّينَ

*

أنا مَدِينٌ لكم أيضاً

بِحَظِّ إجراءِ قرعةِ الوُقُوعِ في العَثَرَاتِ

وَإعفاءٌ أو آخَرُ

مِنْ ضريبةِ الخُرُوجِ

*

وما تبَقَّى حَظِّي

أنْ أنْجِزَهُ وحْدِي وفِي صَمْتٍ

 

 الانتفاضة

 

هذه قصيدة

تولدُ من غضبي

أينما مضَيْتُ

تُلقِي حِجَارَةَ غضبِهَا

صَدَأ الأرَقِ

خُمَارَ ألَمٍ

مَحْبوسٍ في صَدْرِ الشَّمْسِ

*

لا أحدَ يُوقِفُ المَوْكِبَ الشَّرِسَ لفُرْسانِها

مثلما يرفعُ فارسٌ خامسٌ

الغُبَارَ النَّجْمِىَّ

فَوقَ فظاعَاتِ التَّارِيخِ

*

تشعِلُ النَّارَ في وجْهِ الزَّمَن

تُخَلِّفُ رمادَ البارودِ

بينَ أوهامِ الجلادين

*

تركضُ جامِحةً

*

تُرعِبُ حَمَامَ الشِّقاقِ

والسَّيفُ في قبضَةِ اليدِ

يَصُبُّ حقْدَهُ

على رؤوسِ القادةِ

*

هذه قصيدة

تَسْحَبُها ملائكةٌ غاضبُونَ

تنطلقُ الكلماتُ مِن أفواهِهم جافَّةً

مثلَمَا من نبع مِيَاهٍ دأمِيَةٍ

أو مثل حِمَمِ بركانٍ لَو رَغِبُوا

أو مثلَ إهدارٍ للحِجَارةِ

على أطْلالِ مَدِينةٍ

بُنِيَتْ أحجاراً فَوقَ أحجارٍ

 

 عْدَ إعادةِ الانتخابِ

 

لو كنتُ غرينغو*

ما كان لي أن أعيشَ في تلك البِلادِ

المتوحشة بامتيازٍ **

وما كان لي أن أتحمَّلَ أن يحكُمَنِي

فاسدٌ غبِيٌّ ***

*

لو كنتُ غرينغو

كنتُ سأطلبُ العَفْوَ

من إيميرسون وحتَّى وايتمان

وَحَتَّى بُو حَتَّى بَاوْند وحتَّى ديكنسون

إلى ميلر إلى بوكوفسكي

وحَتَّى جِيلِ البِيتْنِيك

*

كنتُ سأخرُجُ إلى الشوارع

لكي أصرُخَ بِسُخطي

كنت سأصيرُ أسوءَ مِنْ مالكوم إكس

أو الفهودِ السَّوداء في زمانِها

*

كنت سأضجرُ مِنْ كثرةِ التدخُّل

في شؤونِ بلدانِ الآخرين

ومن شِدَّةِ التواطؤ الخاضع

لأولئك الأنصافِ إخوةٍ

الذين في حُضْنِ الشَّرْقِ الأوْسط

يغتالون الكرامة يومياً

لو كنتُ غرينعو

كنت سأكشِفُ أقنِعَةَ هذا العدد من الغانغستر

الذين توَلوا السُّلطة

إضراراً بالإنسانيةِ

تُجَّارُ موتٍ مَلاعينُ

يَمْشُون بلا إحساسٍ

فوقَ الجُثثِ الأشدِّ فقراً في العالمِ

*

لو كنتُ غرينغو-

في أزمنةِ البُؤسِ هذهِ

كنتُ سأذبحُ نفسي

بين المَمَرَّاتِ الخاصَّةِ للبنتاغون

ذاك المعبدُ الشَّيْطانيُّ

المُتَمَوْضِعُ

في الحُضن الأيمَن لعاصمةِ الرُّعْبِ

 

====

* غرينغو لقبُ يطلقه سكانُ أمريكا اللاتينية على الأمريكان المتعجرفِين

** روكي دالتون

*** كارلوس فوينتس

 

أوسفالدو ساوما: شاعر من كوستاريكا من أصول عربية لبنانية، ولد في سان خوسيه سنة 1949، بدأ نشر قصائده الشعرية مع بدايات الثمانينيات، كما اشتهر بممارسته لتدريس ضمن ورشة للتعبير الأدبي في معهد الفنون كاستيلا بسان خوسيه بين سنتي 1981 و2010، وهو ما جعل منه وجها قريبا من الأجيال الشعرية الشابة باعتباره معلما لها، في سنة 1985 حصل على الجائزة الأمريكو لاتينية إيدوكا عن ديوانه الشعري “صورة عائلية”، كما حصل سنة 2013 على الجائزة الوطنية للشعر أكيليو إيشيفيريا… شارك في العديد من المهرجانات الشعرية العالمية، من أعماله: “آثار الخيبة” 1983، “صورة عائلية” 1985، “أمُّنَا، أيَّتُها الأرضُ الخصبَةُ” 1997، “يومية الغرير” 2000، “كتاب الوداع” 2006، “أغنية المهنة” 2013…

 

خالد الريسوني، شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاجه بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية وإسبانية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، شؤون أدبية، دبي الثقافية، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ.

يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، وقد أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:ـ

– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000

– عن الملائكة/ رفائيل ألبيرتي ، منشورات وزارة الثقافة 2005

– يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة  2005

– تلفظ مجهول ويليه: ابتداع اللغز، خورخي أوروتيا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2007

– لالوثانا الأندلسية، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة

– اليوم ضباب، خوسيه رامون ريبول، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة

– زوايا اختلاف المنظر يليه: كتاب الطير والسكون المنفلت، كلارا خانيس، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة.

– الأعمال الشعرية المختارة، لفيديريكو غارسيا لوركا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010

– الكتاب خلف الكثيب، لأندريس سانشيث روباينا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010

– مائة قصيدة وشاعر، خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، (منشورات سليكي أخوين) 2012

– وصف الأكذوبة يليه: يشتعل الخسران، أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2012.

آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري الموسوم بـ: خلوات وأروقة وقصائد أخرى يليه: حقول قشتالة، للشاعر الإسباني المرموق: أنطونيو ماشادو، و “بإيجاز” للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، ويستحق العناء للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، وكسيريات، يليه: ملاك الظلمة وأسرار الغاب للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس.

[email protected]