قصائد للشاعر اللوكسمبورغي جان بورتانت – ترجمة خالد الريسوني

جان بورتانت Jean Portante

بَواكِيرُ النِّسْيان

النِّسيانُ والذَّاكرةُ مُبدعان خلاقان

خورخي لويس بورخيس

أمِّي تقولُ لي أينَ وَضَعْتُ

القمرَ

ثمَّ تضَعُ القمَرَ في المِغْسَلِ:

بَعْدَئِذٍ تقولُ لِي إنَّ القمَرَ يَنْزلِقُ مِنَ الدِّمَاغ

ويَتدَحْرَجُ، لسْتُ أدْري أيْنَ في الدَّاخِلِ:

ثمَّ تصْمُتُ بِشَكْلٍ نِهَائِيٍّ جدّاً حَدَّ أنِّي أقولُ لِنَفْسِي

إنَّهَا قَالتْ كُلَّ شَيْءٍ وأنَّ الصَّمْتَ الأخِيرَ كَائنٌ:

بعدئذٍ في المِغْسَلِ يأتي القمرُ

إلى ذاكرَتِي بشكلٍ جِدِّ نهائيٍّ

حتَّى إني أقولُ لنفسِي هوَ أيْضاً قد قالَ كُلَّ شَيْءٍ

وأنَّ الصَّمْتَ الأخيرَ كَائنٌ.

*******

أنتِ في الرَّبيعِ

لمَّا تكونُ الطبيعةُ بَعْدُ ما تزالُ

تحت صدمةِ الثلوجِ

أنتِ حينَ تُعيدينَ بناءَ حكايةِ

الشُّقوقِ في الجدارِ

أو تُعيدينَ بنفسِ الشَّكلِ بناءَ

حكايةِ شقوقِ الجلدِ

أو تفركين مثلَ سُبْحَةٍ

منْ نُجومٍ مُقتلعةٍ مِنْ صَلاةِ الكونِ

التَّجاعيدَ في لحاءِ الأرضِ

أو قوائمِ دجاجةٍ

تحجبُ النَّظرَ عنْ عينيكِ:

أنتِ لمَّا تعيدينَ بناءَ هذا كلِّهِ

فإنَّ الجَبَلَ

-ذاك الذي لم يعدْ بُحيرةً معكوسَةً

ولا السَّماء التي تنعكسُ فيهَا

ولا بَعْدُ تكثيفاً بسيطاً لِلشُّقوقِ-

يَشْرَعُ في حِسَابِ عَدَدِ جنُودِ زَمَنِ المَاضِي

الذين يمكنُ أن تَتَّسَعَ لهُمُ الغيومُ التي تعبرُ في استعراضٍ:

والرَّبيعُ بعدُ تحتَ وقع الصَّدمةِ

من كثرةِ الحساباتِ الشَّتويةِ

سيبدأ في اللحظةِ المُناسبةِ في الجَمْعِ

ثمَّ بعدئذٍ في طرْحِ وَحَداتِ

الجيشِ الذِي أمامَهُ.

*******

هَطلَ المَطرُ طوالَ اليوْمِ

وهذا المساء لما يصير الغيْمُ

مُجْدِباً ومأساويا

سوف أجدُ مرَّة أخرَى

شاربَ ذكرياتي:

مَنْ قال إن الجَدْبَ مَدينٌ له بالكَثِيرِ:

الصَّيَّادُونَ في المِيَاهِ العَذبَةِ

سَاعَةَ إلقاءِ شِبَاكِهِمْ

ذاتِ العُيُونِ الدَّقِيقَةِ لا يَسْتَوْثِقُونَ:

يَنْظُرُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأحْيَانِ

نَحْوَ السَّمَاءِ فتَبْدُو لهُمْ أنْهَارُهُمْ

جِدُّ فَاقِدَةٍ لِلذَّاكِرَةِ

بلْ وَيظنُّونَ أيْضاً أنَّ الذاكِرَةَ

لَمَّا تتبَخَّرُ

تَرْحَلُ فِي الغيْمِ

الذِي حِينَمَا يَرْتفِعُ يَمُرُّ مِنْ هُنَاكَ:

أمَا زَالَ مُمْكناً أنْ نُسَمِّيَ الغَيْمَةَ

الحَامِلَةَ لِلذِّكْرَيَاتِ غَيْمَةً:

وَعِنْدَ رُؤيَةِ الصَّيَّادِينَ وهُمْ يُلقُونَ شِبَاكَهُمْ

مَا الَّذِي يُمْكِنُ أنْ تُفَكِّرَ فِيهِ مَدينَةٌ

لمَّا تمُرُّ عَبْرَ سَمَائِهَا فِي موكِبٍ اسْتِعْرَاضِيٍّ

مثل سِرْبٍ مِنْ طَائِرَاتٍ مُعَادِيَةٍ

كُلُّ المَآثِرِ الَّتِي لمْ ترْفعْهَا شاهِقَةً هُنَاكَ:

يُبْتَدُعُ تَبَخُّرُ الذِّكْرَيَاتِ

وَسَوْفَ يَكُونُ مِنَ النَّاحِيةِ العِلْمِيَّةِ حَرَكَةً

مَأسَاوِيَّةً:

كانَتِ الذِّكْرَيَاتُ سَتُحَاكِي المَطَرَ

لكِنَّهَا لنْ تَتَسَاقَطَ أبَداً مِنْ جَدِيدٍ فِي المَكَانِ

الَّذِي كَانَتْ قَدْ بَدَأتْ فِيهِ بالارتفاع:

ستكونُ الرِّيحُ هي التي تتدافعُهَا:

أما زال بإمكان المَرْءِ أن يُسَمِّيَ الرِّيحَ

التي تَتَدَافَعُ الذِّكْرَيَاتِ رِيحاً:

أليْسَ إذنْ لِكَوْنِ الرِّيحِ

لم تعُدْ الرِّيحَ يُلقِي

الصَّيَّادُونَ شِبَاكَهُمْ

نَحْوَ الغَيْمِ الَّذِي لمْ يعُدْ غيماً

لمَّا تَحْتَ قَوَارِبِهِمُ

الَّتِي مَا عَادَتِ الآنَ قوَارِبَ

يَسْتَلِذُّ مُلتَهِمُو

الذَّاكِرَةِ بِوَلِيمَتِهِمْ:

ورُبَّما ليسَ لِكَوْنِي أومِنُ بِشَكْلٍ أقلَّ

بالغَيْمِ مِمَّا أومِنُ بِمَا يمْكِنُ

أن يَصْعَدَ هُنَالِكَ في الأعَالِي

فَفِي هَذَا المَسَاءِ

الَّذِي لمْ يَعُدْ مَسَاءً

لَدَيَّ مَوْعِدٌ مَعَ المُبْتَلِعِ النَّهِمِ لِذِكْرَيَاتِي.

*******

بَيْنَ المَتَاعِبِ الَّتِي تَفْضُلُ

ما تِلكَ الَّتِي كُنْتَ سَتَحْتَفِظُ بِهَا

لوْ تمَكَّنتِ الشَّجَرَةُ مِنَ الاخْتِفَاءِ:

لوْ مِنَ الجِذْعِ مِثْلَمَا مِنْ جَهَالَةٍ أكْثَرَ

أوْ مِنَ الضَّبَابِ حَوْلَهَا كانَتْ سَتَنْفَصِلُ

حُمَّى الأشْيَاءِ:

لو أنَّ كلَّ جذرٍ كانَ له تعَبُهُ

وجذعُهُ

ما الذي كنتَ ستحتفظُ بهِ:

وإنْ كان في كلِّ جذرٍ رقيمَةٌ مثبتةٌ:

وإن كانتِ الرَّقيمةُ تقولُ إن ما يختفي

هوما يتبقَّى لمَّا تنْفَصِلُ

حَواليْها عنِ الأشياءِ الحُمَّى

ما الذي كنتَ ستحتفظُ بهِ.

*******

لن يذهبَ اليومُ

حتى حدودِ الغُبارِ

دون أن يَلُفَّ مرَّاتٍ عديدةً

الغبارَ في الفمِ:

بينما الذي كان يُطْحَنُ تحتَ الأسنانِ

كلُّ حرَّاسِ الدَّاخلِ

كما حرَّاسُ الخارجِ

ينقلبُون على أعقابهِم

ويعودُون إلى نقطةِ انطلاقِهِم

بأعوامهم على الأكتافِ

أو أحجارهم

أو مَقَاطِع أصْوَاتِهِمْ

تُلقي صَرخةَ انْفِرَاجِ كُرْبَتِهِمْ:

ليسَ أكيداً أنَّ شخصاً ما قد سمعَها:

ليسَ أكيداً أنَّ الصَّرخةَ

إن هي حدثتْ

سوفَ تضعُ مِن جدِيدٍ نظاماً في الفمِ:

لنْ يَرْحَلَ اليَوْمُ

حتى حَافَةِ الغُبارِ

دُونَ أنْ يَجْعَلَ النُّوستالجيا

تَلُفُّ مرَّاتٍ عديدةً في الفمِ.

*******

ما يسبقُني كما لوكان مُتشابكاً

معَ بَدْءٍ مُنذهلٍ

تسرَّبَ

عبرَ التَّشقُّقِ

الذي بدا فوقَ الجانبِ الجَلِيِّ لِلذِّكْرَيَاتِ:

لا شَيْءَ يَرْجِعُ مِنْ هُنَاكَ

بَلِ الكُلُّ يَميلُ دوماً

إلى الدُّنُوِّ

وَمِنْ هُنَالكَ يَأتِي مَصْدَرُ هَذا الالتِبَاسِ

الَّذِي كَثِيراً مَا يُصَاحِبُ ارْتِعَاشَ

الزَّمَنِ:

سِرْبُ الطُّيُورِ

الَّتِي تَجْعَلُ سقفَ المَطبَخِ مُعْتِماً

ليْسَ شَيْئاً آخَرَ سِوَى مِرْآةِ

تَشَقُّقٍ عَابِرٍ وأسْوَدَ

تَرَكَهُ النِّسْيَانُ

بِسَبَبِ ذُهُولٍ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ

كَمَا لوْ مِنَ البَدْءِ

سَتَأتي الكلماتُ

بَدَلَ الأشْيَاءِ:

بعدئذٍ يَبْتَدِعُ شَخْصٌ مَا أبجَدِيَّة أكْثَرَ رُسُوخاً

وَمِمَّا يَتِمُّ تَدْجِينُهُ هَكَذا

نِصْفٌ بالكَامِلِ إنْ لمْ يَكُنْ أكْثَرَ

مُوَجَّهٌ لِكَيْ يُمَثِّلَ تَحْتَ حَرْفِ المِيمِ مَوْقِفَ المَاضِي:

الآنَ المِيمُ هِيَ أيْضاً المُرَبِّي:

لكِنْ فقط في شَهْرِ أغُسْطُسَ

حِينَ تَصِيرُ المِيمُ المَوْتَ

والَّتِي مَا يَسْبِقُهَا يَحْمِلُ اسْمِي.

*******

المَلاكُ الَّذِي فِي سُطُورِ شَاعِرِي هَرَبَ إلَى السَّمَاءِ

كَانَ يَشْتَهِي ظِلّاً لِذَاتِهِ فَقَط:

الظِّلُّ مَعْلُومٌ أنَّهُ مُتَقَلِّبُ الأهْوَاءِ:

أليْسَ بهِ

تُحْجَبُ التَّجَاويفُ

الَّتِي تَبْدُو هُنَا وهُنَاكَ

فِي هَذِهِ السَّفِينَةِ الَّتِي بَدَأ يَتَسَرَّبُ إليْهَا المَاءُ:

هِيَ

سَفِينَةُ الأمْسِ

ببحَّاريها المُتَطيِّرينَ

وصَوَارِيهَا العَالِيَةِ جِدّاً

وأشْرِعَتِهَا المُمْتَلِئَةِ كلِّهَا:

أشْرِعَةٌ تَهرُبُ إلى السَّمَاءِ

وَحِينَ تلتَقِي المَلاكَ

الذي يَبْتَعِدُ عَنْهَا

هُوَ أيْضاً بَاحَثاً لَهُ عَنْ ظِلٍّ

تَعُودُ لِتَتَأمَّلَ حكايَةَ المُرَاهِقِ

بِجَنَاحَيْنِ مِنْ شَمْعٍ

ألمْ تَكُنْ تُحْجَبُ

بظِلِّهِ تَجَاوِيفُ

مَا كَانَ يَتَسَاقَطُ مِنَ الأعْلَى.

 

إلى نونو جوديس

*******

ثمَّةَ فِي القبْوِ الذي هناكَ

مُبْتَاعُو السِّيجَارِ بِالجُمْلَةٍ

وقبَصَاتِ المِلْحِ

ما الذِي كَانُوا يَتَهَيَّبُونَهُ إنْ لمْ يَكُنْ

إشَارَةَ التَّاجِرِ

الَّذِي غَيْرَ بَعِيدٍ

كَانَ يَبِيعُ فقط بِالجُمْلَةِ

شُهُورَ نِيسَانَ سَرِيعَةِ العَطَبِ:

مَطَرُ أيَّارَ يُعَلِّبُهُ

مثلَ تقدِمَةٍ تُطْوَى بِسُهُولةٍ

في قيثارَةٍ

ويضعُها عَلى عَتَبَاتِ البُيُوتِ المَيِّتَةِ:

مِن شُمُوسِ الصَّيْفِ

يَسْتَخْرِجُ مَفَاتِيحَ الرَّيْبَةِ:

وفي الأوْتَارِ التي يَرْسُمُهَا

بِمَا تبَقَّى مِنْ أشْجَانٍ

أمَامَ الذَّوَبانِ الهَائلِ لِجَلِيدِ الشِّتاءِ

يُعَلِّقُ الذَّوبانَ الأخيرَ

قبلَ الخَريفِ:

لا أحدَ يلتفتُ

إلى القبوِ هناكَ

حينما غير بعيدٍ

بصوتِهِ الذي شربتْهُ الرِّيحُ

وذِكرياتِهِ منْ صلصالٍ

يأمرُ التَّاجِرُ الدِّيكَ

أنْ ينغِّمَ بصياحٍ

نشيدَ الظِّلِّ الذي يعبُرُ

وعابراً مثلما يعبُرُ الزَّمنُ

أو المَوتُ

لا يَصِلُ أبداً دُونَ قبْصَتِهِ مِنَ المِلْحِ:

الظِّلُّ أسودُ ذاك معلومٌ

والملحُ الذي يعبُرُ أبيضُ

مثلَ الزَّمنِ

وفي الدُّخَّانِ الأسودِ

للسِّيجَارَاتِ البيضاءِ التي تمَّ شراؤها بالجملةِ

في القبوِ الذي هناكَ

شيءٌ ما يعلو ليجثُوَ أمامَ قدمَيْ

تاجرِ شُهورِ نيسان سريعة العطبِ:

وحين يتساقطُ المطرُ

في أيٍّ من أشهرِ نيسان هذه

فإنَّ الملحَ هو الذي ينحدرُ:

ولرُبَّما لنْ يُقالَ

إنَّ الملحَ يمنعُ البعثَ.

 

إلى روبيرتو كاروسوني

*******

في عينِ طائرِ الخريفِ

قبلَ أن يَرْحَلَ

يبدو النَّهارُ طويلاً:

طويلاً يبدو أيضاً ولكنَّ ذلك

لا نعرفُهُ أكثر

من الهبوبُ الذي في المُحيطِ

يُطفئُ الشُّموعَ ويُشعِلُها:

بَدَأنا في فتحِ أمتارٍ

في شمْعِها

وانتهينا في غَيْمٍ

يتلاشى لونُ حواشيهِ

حينما

يخترِقُه

هذا القدرُ الكبيرُ من الضَّوءِ:

كلُّ شيءٍ يمضي نحو الغيابِ

وكلَّما اقتربَ الضِّياءُ

الرَّاهِنُ مِمَّا تبقى

يتشابَهُ مع طائرِ الخريفِ

المُستَعِدِّ للتَّحليقِ:

ننظرُ إليهِ

وهو يَحُطُّ فوق العمودِ الأسوَدِ القديمِ

الذي لمْ يَرَهُ إلا قليلا

ويَرُوقُ لنا أن نقولَ

إنَّ بينَ مَنْ يَرْحَلُ في الخَرِيفِ

والآخر الذي سوفَ يعودُ ليَحُطَّ في الرَّبيع

لمْ يعُدْ ثمَّةَ أيُّ شبَهٍ على الإطلاقِ:

ليسَ لأنَّ السَّفَرَ قد أطفأ فيهِ

شموعَ النِّسيانِ الطويلةِ:

ليسَ لأنَّ شموعَ النِّسْيانِ الطويلة

مثلَ عمودٍ أسودَ قديمٍ

تتعلَّقُ بما أخفاهُ الخريفُ

في عينِ طائرِ الربيعِ

قبلَ أن يَرْحَلَ.

*******

المساءُ يُطقطقُ

مثلما كانتْ تُطقطقُ من قبلُ بتلةُ شقائقِ النُّعمانِ

أوِ السَّوطُ في السِّيركِ

أوْ حدَّةُ صوتِ رنينِ الهاتف

في السِّينما الأولى

في ليلةٍ يغيبُ فيها القمرُ

وهو ليسَ أصْلَ

هذا النهرِ الذي يصعدُ ويغمرُنا:

ماذا يهُمُّ أنَّ سَدّاً قد تشقَّقَ

مع صعودِ مياهِ النَّهرِ فوقَ الأشياءِ

وفَوقَ أحلامِهِ:

ماذا يهمُّ أنَّ انحدارَ مياهِ النَّهرِ

في الحقولِ أو تحتَ تيجانِ الأعمدةِ

قدْ بدأتْ في عدِّ ساعةِ الحسمِ:

مُغْرِقُ مَسَاءٍ

شَرَعَ في أشْغالِهِ

وسبَّاحُ الدَّاخلِ

مثلَ سمكةٍ مُرْشِدةٍ

يُنقِذُ ما يمكنُ إنقاذُهُ:

يُرافقُ الحكاياتِ الطَّريفةَ المُتَبَقية

حتَّى تُخُومِ الذِّكْرى:

هي الكِلابُ التي لا سيِّدَ لها تُرَوِّضُ

خارجَ الماءِ

أسرارها

معَ أقلِّ خطرٍ:

هيَ مساءاتُ مَطرِ نوفمبرَ:

أمامَ القبورِ يغرقُ فقطْ

منْ لا يتشبَّثُ بمِظلَّتِهِ:

هوَ أيضاً يفيضُ موتاً

كُلَّما انعقدَ الميثاقُ مع النَّهْرِ:

وهو أيضاً يسيلُ

لكيْ يكونَ أكثرَ رشاقَةً

حينما يعودُ:

رُبَّما لذلكَ يُصابُ بالفزعِ

كلَّما طقطقَ السَّوطُ.

*******

هي صحراء أحياناً بلا ساعةِ رملٍ:

حَشْدُ آثارٍ

تثقلُ على ينابيعَ جفَّتْ:

ثمَّةَ التكاثُرُ في الهواءِ

حينَما فوقَ الرُّؤوسِ

تعبُرُ

على ارتفاعٍ مُنْخفِضٍ

الحدائقُ المُحَلِّقةُ:

كُلُّ شيْءٍ هُنالكَ مُضَاعَفٌ:

ما يُغرَسُ ولا يُسقى أبداً

ما يُجْنَى دون أن يُلمَسَ

ما يُدفَنُ دونَ أن يُخْفى:

كُلُّ شيْءٍ هُنالكَ مُضَاعَفٌ:

مثلَ هذهِ الكثافَةِ المُضَاعَفةِ

التي تنزلقُ بغتة بينَ الحياةِ

وموتي.

*******

لرُبَّما الصمتُ كُلُّهُ عندي

مثلما هو بالنسبة لجدار الشمال

وعَمَّ تتحدَّثُ الرِّيحُ

في داخلي أو ما كان من الممكن أن ينفلتَ منها

أو يتحدَّثَ

إذا ما تَحَدَّثَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن تنامَ:

شمال الصوت قد احْمَرَّ:

وشمال الرِّيح

لا يَنْسى أن يُبلِّلَ

خصلات شَعْرها النائمة

فوق الأشجار:

وشمالُ الغروبِ

لا يعرف العزلة:

ها هُنا يَحْسِبُ هُبوبَهُ

الشَّمالُ الثلاثيُّ لِلصَّمْتِ:

تعال يقول بِنَبْرةٍ هوائيَّةٍ

تعال لكيْ تضَعَ على الصَّحْنِ الصَّغيرِ المُتَحدِّثِ للمِيزانِ

قليلا مِنَ اللايُقال:

تعالَ يقولُ

تعال لقياس الحِمْلِ في توازُنِ الكلام.

******

في يومٍ ما تمَّ الاحتفالُ

برحيلِ الجنودِ

ومعاطفِهم المُعتمةِ

وفي يومٍ آخرَ لمَّا عادوا

تمَّ الاحتفالُ فقطْ بمنْ لمْ يعودوا:

كانتِ الأطعمةُ في المطابخِ

مُعَدَّةً لكي تُقَدَّمَ والمُحتفلونَ

في حدادٍ ومن دموعهم المُنسكِبَةِ

تتكوَّنُ ينابيعُ في خفاءٍ

وبعدها الأنهارُ والرَّوافدُ والبحارُ

بغيومها الأشَدِّ حُلكةَ

مِنْ معاطفِ الجُنودِ الرَّاحلينَ

يومُ احتفالٍ لعبةُ زهْرِ نَرْدٍ مُعْتمٍ

في الجيوبِ المثقوبةِ لمعاطفهم:

همْ مِنْ هناك لم يعودوا

الجنودُ الرَّاحلونَ في يومِ احتفالٍ:

ومِنْ هنالكَ سيُلقى زهرُ النَّردِ

الذي حينما سَيَقَعُ ستكونُ عيُونُهمْ

حالكةً ومفتوحَةً.

جان بورتانت: Jean Portanteشاعر وكاتب ومترجم من اللوكسمبورغ مقيم بباريس، ولد سنة 1950 في ديفردانج، من الأعضاء المؤسسين للأكاديمية الأوروبية للشعر وهو عضو في نادي القلم الدولي بفرنسا. نشر عدة روايات ومجاميع قصصية ودواوين شعرية من بينها: نارٌ ووحلٌ 1983، لحظة العُقدِ 1984، تعرجات 1985، أفقٌ ودوار وإيطاليا المحشورة 1986، مشاريع لأجل حادث غرقٍ مُتعَمدٍ 1987، هجرات (قصائد كوبية) 1991، مفتوحٌ مغلقٌ 1991، المحو 1996، نقطة 1999، نقطة ارتكاز 1999، المطر مثل عين 2001، حول الطاولة 2002، اللغة الغريبة 2002، شجرة الاختفاء 2004، رماد الكلمات 2005، اشتغال الرئة 2007، في الواقع 2008، إعادة ابتداع النسيان 2010، ما يحدث وما لا يحدث 2011، ما بعد الزلزال 2013، هندسة الأزمنة اللامستقرة 2015، الحزن الكوني 2017، كما أصدر أنطولوجيا للشعر اللوكسمبوغي.

ترجم العديد من الشعراء مثل جيروم روتينبيرغ وخوان خيلمان وخورخي بوكانيرا وفيكتور رودريغيث نونييث وتزفيتا سوفرونييفا وإليزا بياجيني وأولريكي درايسنير من بين آخرين، كما حصل على العديد من الجوائز: جائزة روتيبوف للشعر 1986، جائزة توني بورغ 1993، جائزة سيرفي 4199، جائزة لويس مونتالت للشعر 2003، جائزة مالارمي 2003، جائزة باتي ويبر 2011، جائزة سيرفي 2016.

خالد الريسوني، شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما

ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاجه بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية وإسبانية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، شؤون أدبية، دبي الثقافية، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ.

يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، وقد أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:

– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000

– “- عن الملائكة”: رفائيل ألبيرتي ، منشورات وزارة الثقافة 2005

– “يومية متواطئة”: لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005

– “تلفظ مجهول” ويليه: “ابتداع اللغز”، خورخي أوروتيا، عن منشورات (ليتوغراف) 2007

– “لالوثانا الأندلسية”، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات(ليتوغراف)

– “اليوم ضباب”: خوسيه رامون ريبول، عن منشورات (ليتوغراف)

– “زوايا اختلاف المنظر” يليه: “كتاب الطير” و”السكون المنفلت”: كلارا خانيس، منشورات (ليتوغراف).

– “الأعمال الشعرية المختارة”: فيديريكو غارسيا لوركا، منشورات(ليتوغراف) 2010

-“الكتاب خلف الكثيب” لأندريس سانشيث روباينا، منشورات (ليتوغراف) 2010

– “مائة قصيدة وشاعر”: خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، (منشورات سليكي أخوين) 2012

– “وصف الأكذوبة” يليه “يشتعل الخسران”: أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب 2012.

– “خلوات وأروقة وقصائد أخرى ” للشاعر الإسباني: أنطونيو ماشادو، منشورات (ليتوغراف)

– “بإيجاز” للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، منشورات (ليتوغراف)

– “حقول قشتالة” للشاعر الإسباني: أنطونيو ماشادو، منشورات (ليتوغراف)

– “يستحق العناء” للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، منشورات بيت الشعر في المغرب.

– “كسيريات” يليه: “ملاك الظلمة” و”أسرار الغاب” للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس، منشورات (ليتوغراف)

– “صانع المرايا” أنطولوجية شعرية لخوان مانويل روكا، كتاب الدوحة 2019

– أنخابُ البَحر واليابسة أنكولوجيا شعراء قادش بيت الشعر في المغرب 2019

يهيِّئُ حاليا ترجمة “الأعمال الشعرية الكاملة لأنطونيو غامونيدا” و”الأعمال الشعرية لكلارا خانيس”…

[email protected]