قصيدتان للشاعر العراقي هاتف جنابي

أنا الريح

 

يشْكونَ من تقبيل الحبيب

ودفنِ الراحلين كما يليقُ

بتنظيفهم، وإلباسهم حُلّةَ الغائبين

يَغيبون مثلهم كالصوت في الوادي

كما لو أنهم جاءوا من مجاهيل الفضاء

النساء يرتدين القبعاتِ متوّجةً بالسواد

والدموعُ تسّاقَطُ من منخل البُعْدِ

فوقَ حبات التراب المتناثرة

عوليسُ عاد ولم يعُدْ مونتيفيردي*

النورُ في انتظاره تحرسه قِمَمُ التلال

التراتيلُ موحشةٌ في لبوة البلاد**

والكلماتُ ملقاةٌ على قفل السؤال.

أتسمعني يا Marcelo Peralta من أعماق هذا الظلام؟

وأنت يا Luis Sepúlveda العجوزُ الذي كان يقرأُ الرواياتِ

الآن يُصلّي كي تخرجَ من مصباحك السحري سريعا.

أنوحُ كلّ لحظةٍ لموت الفراشة

وانكسار الجناح في الطريق إلى العشّ

حيث يحمل ذا الطائرُ في منقاره لقمة

للفراخ في أعلى الشجرة

أهزّها كي تصيرَ أقوى

باسْمِ الجوهر الكمين والمعنى.

كيف للبُعدِ أنْ يُصغي

لنبض الحياة بين الشفتين

كما اللحنُ يُصغي لنبض الوتر؟

كيف تُطبقان بعد الآن على قُبلة ظامئة

والضبابُ يملأ الوهاد؟

آلهةٌ أضاعوا السبيل

بحثا عمّنْ شربوا

خمرة الفراق من كفّ القدر

ستُحرقُ المسافةَ المصطنعة

بسْمةُ الرحمِ على شفة الوليد

أنا الهواءُ من المجهولِ أنبثقُ

أكشفُ الكنزَ الدفينَ خلف الفساتين

مطرّزةً بقلوبٍ صغيرة

أنا الريحُ التي تدفع الأمواجَ والأشرعة

السرُّ الذي يأسرُ العاصفة

الر…ي…ح

أنا الهواءُ الذي يبحث عن مأوى

في شهقة الرئتين.

 

يابوونّا، 12-04- 2020

 

* بريشا- سمّاها الشاعر جوزويه كاردوتشي (1835-1907) “لبوة إيطاليا” وهي مدينة في إقليم لومبارديا الذي فتك به فايروس كورونا. كلاوديو مونتيفيردي (1567-1643) أحد مؤسسي الأوبرا الإيطالية اشتهر بقيادته جوقة التراتيل في كنيسة سان ماركو في البندقية و”عودة عوليس” من بين أشهر أعماله الأوبرالية. مارثيلو بيرالتا (مارس 1961- مارس 2020) – موسيقي وعازف ساكسفون أرجنتيني مات بفايروس كورونا في مدريد. لويسو سيبولفيدا (1949-16 نيسان 2020) كاتب تشيلي أصيب بفايروس كورونا وتم إنقاذه بصعوبة من غيبوبته، لكنه توفي فيما بعد. من أعماله المعروفة: العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية”، و”مصباح علاء الدين السحري وحكايات أخرى…”.

 

محاكاة الطير

في زمن الكورونا

 

الطيرُ منطقه هو الأسمى

حفيفُ الريح يسنده وصوتُ الرعد والبرق

وما هو صامتٌ يشدو وما هو سامعٌ يلتذ بالصمت

كلامُ الناسِ يوجعه وحينَ نلوذُ بالتحليق والخفقِ

ومن تغريده لِينٌ وفي ترجيعه نغَمٌ على إيقاعه نشدو

فشلنا في تناغم خطونا حتى تنافرَ مستوى الصوتِ

بنينا برزخا للطين من تنهيدة الشمس

وفينا رغبةُ المنشار والفأسِ

بعزقِ الغابِ في تقطيعه إربا

على مرأى المغارب وارْتعاشات الندى

وإذا بنا بالليلِ نستقوي لنهدمَ ما نبتني بالكدّ والدمعِ

نشمُّ لُمى الشفاهِ وحين نشقى نحتمي بمكارم النهد

وفي تهويدة الأيام نغفو حالمينَ بجنةٍ

نسمو بجنحٍ مستعار ثم نهوي

في مجاهيل المدى.

 

يابوونّا،21-آذار- 10-نيسان2020

 

 

[email protected]