“قمر على البوابة” قصة قصيرة للكاتب النرويجي بير بيترسون، ترجمة علي سالم

إلى عادل زينل

بير بيترسون

أخرج ليلاً أحياناً لأتمشى، ليس في الصيف وحسب، حين يكون النور معلقاً مابين السماء والأرض طوال النهار وطوال الليل أيضاً، في تلك الساعات التي يسهل فيها على المرء أن يرى الأشياء من مسافات بعيدة جداً حتى بعد منتصف الليل، بل يحدث ذلك في فصل الشتاء أيضاً، حين يتكدس الثلج بكثافة عالية، تاركأ النور ينز من بين حناياه البيضاء ليصعد نحو الأعالي عائداً الى السماء مثل مصابيح أرضية الديسكو الذي رقصت فيه ذات مرة عندما كنت في لندن، لازالت هذه الذكرى البعيدة خضراء رغم إنها أصبحت جزء من أملاك الماضي السحيق، مثلها مثل الرغبة القديمة في الرقص التي لازالت تراودني أحياناً عندما تهبط درجة الحرارة إلى حد معين. لا أشك في ذلك لأني كلما وطأت قدماي وجه الثلج مع كل قفزة أقفزها فوق الأديم الأبيض تاركاً أسماعي تتلقف ذلك الصوت الذي يشبه صوت هشيم يابس ينساب إلى ذاكرتي صوت الأحذية الايقاعية الذي تركته ذات ليلة من ليالي يناير يرن على الطريق الريفي المنعزل؛ حري بك في مثل هذه المناسبات أن ترتدي قبعتك لكي تكون في مأمن من العيون المتلصصة عندما يحمرّ خداك خجلاً. يزداد الظلام كثافة في أواخر نوفمبر في قعر هذا الوادي، أي قبل أن يغتصب الثلج بكارة الأرض ويجعل كل مايقع عليه بصرك وأنت تخرج وتقف على عتبة الباب موقوفاً فقط على منظر المصابيح البعيدة المتلألئة في البقعة الكائنة على الجانب البعيد من التل حيث تنداح حقول الخريف المحروثة التي تسحب إلى جوفها كل الإرتعاشات التي يبثها النور في الفضاء، كل الومضات، كل الإرتجافات، دون أن تمنح مقابل ذلك شيئاً يُذكر. قد أفكر في مثل هذه المناسبات أيضاً بارتداء سترتي التي يشبه لونها لون البازلاء وأخرج بها إلى باحة الدار بعد أن أعجز تماماً عن النوم أو عندما لا تروق لي فكرة النوم أصلاً. أترك الكشّاف اليدوي في الداخل لأن نوره يقسم الليل إلى نصفين ويوقظ في صدري خوفي القديم من الظلام. يراودني ذلك الخوف أحياناً عندما تتضافر تفاصيل معينة تتقاطع فيها الأشياء مع بعضها البعض بشكل لا متوقع؛ هنا يتحرر الخوف من عقاله ويكتسحني. وعندما يصل بي الذعر إلى أقصى مدياته أشعر بأطرافي تتجمد وأضطر إلى حمل خنجري الذي اشتريته من كريت معي؛ أشد قبضتي عليه وأُمد شفرته الصقيلة الحادة إلى الأمام مستعداً للدفاع عن نفسي ضد كل مخلوق يتربص بي من تلك المخلوقات الغاضبة ذات الأجساد الوحشية اللزجة التي تسكن في قلب العتمة. عندما أغادر المنزل أشعر بطعنة الثلج الباردة تنغرز في عنقي، لكن ذلك لا يثنيني عن مواصلة المسير عبر الوادي حتى الوصول إلى نهاية الطريق. أحياناً أهبط المنحدر من عند البوابة دون سلاح ولامصباح مع واحد من كلابي كرفيق للدرب، ويكون المرشح في هذه الحالة الكلبة لايكا لأنها الأصغر سناً والأكثر نشاطاً، رغم أني قد أفضل الخروج أحياناً لوحدي عندما أفكر أني سأصادف حيواني المفضل، حيوان الموظ، واقفاً في مكانه المعتاد، وهو يلوك شيئاً في فمه، مغالباً النعاس داخل الأحراش المنتشرة على جانبي الطريق الذي يخترق منطقة دالسروا، أو دالسروان حسبما مذكور في بعض الخرائط. لا أعتقد أن حيوان الموظ يخشى الكلبة لايكا لأنها مهما تمادت في نباحها عليه لايبدي خوفاً منها ولا يتحرك من مكانه قيد أنملة. تعرف لايكا بالطبع أنه لايعيرها بالاً ولايفكر بالهروب منها لكي يمنحها فرصة للمطاردة ويسبب لها هذا الأمر غالباً الكثير من الاحباط ويجعلها تعوي بشكل هستيري حتى إنها تكاد تنشطر إلى نصفين من شدة الشعور بالإحباط مما يجعلني أحس بنفس شعورها. يسبب لي هذا الوضع الكثير من الإزعاج وهو عكس ما تتوق إليه نفسي من هدوء وسكينة أسعى دوماً إلى التمتع بهما في هدأة الليل، لذلك أفضل السير بمفردي أحياناً كما قلت باعتبار إن ذلك هو أفضل الحلول دون الحاجة إلى رفيق يشاطرني الطريق. لا مشكلة لدي البتة إن ظل حيوان الموظ رابضاً في مكانه المعتاد وسط الأحراش، لاضير في ذلك، يسعدني أن أجده هناك، لكي أسمع صوته باعتباره تفصيل مهم من تفاصيل صورة الليل، أحب في دخيلتي أن أشعر بأني أنا نفسي أيضاً تفصيل آخر من تفاصيل مشهد الليل. أحب دائماً أن يكون الليل حالك السواد كخلفية أساسية أغرق فيها وأذوب داخل نسيجها الكث؛ أحب أن ينبجس الظلام من عيني كالماء، أن يتدفق بغزارة لكي يحملني فوق أمواجه الناعمة، أن أمتزج به وتختلط ملامحي بملامحه؛ في صدري شوق عارم إلى أن أكون جزءاً من كينونته، أصغي إلى إشاراته التي يبثها في قلب العتمة وكأن بي مس من الجنون؛ أتوق إلى انفصال الجسد عن اللاجسد لكي أختلط بالليل تدريجياً وأذوب في تجاويفه السرية، أتوق إلى أن يعتريني شيء من التنافذ الطفيف معه حتى نتكامل معاً في النهاية ونتداخل تماماً ليمحو أحدنا الآخر. أتوق إلى هذا عندما أشعر بالقرف من نفسي، ومن وجهي الذي أراه في المرآة، ومن الكلمات التي أرصّع بها شاشة الحياة، ومن مذاق الغثيان المعدني الذي استشعره في فمي وأنا أستعرض نفسي كل يوم على مسرح أيامي المتكررة حينما تصبح العلاقة المتكافئة بيني وبين نفسي ليس واحداً مع واحد يساوي إثنان بل واحداً زائد واحد يساوي واحداً؛ وحين يرتبك التكافؤ هكذا يغمرني شعور طاغ بالتقزز واحتقار الذات ويبدأ هذا الشعور ينزّ عبر تلك الشقوق الممتدة على طول الحافة التي تمنع فيها حالة اللاتكافؤ وانعدام التوازن هذه شريط الحياة من أن يلتصق بعضه ببعض على نحو سليم.

هل يفكر المنجذبون إلى عوالم الصحراء الكبرى بهذه الطريقة يا ترى، أولئك الذين ذكرهم سفين ليندكفيست في كتابه “غواصو الصحراء” الذي قرأته ثلاث مرات ومازلت أفكر بماجاء فيه؟ هل راود سانت اكزوبيري مثلاً نفس هذا الشعور عندما كان يفكر بايزابيل إيبيرهارت؟ هل ساورت الآخرين الذين ورد ذكرهم في ذلك الكتاب الرغبة في انمحاء ذواتهم من الوجود، هل فكروا بأن الصحراء كانت تمثل لهم ليلهم الخاص، وبأن ما فعلوه هو التفكير بطموح أكبر، وبإرادة أصلب من إرادتي التي لاتعدو مجرد الوقوف هنا وسط البرد نهباً للقلق والهواجس، متعذباً بحكة خفية تشتعل في كل خبايا روحي، إذ لاأملك شيئاً البتة سوى هذه الليلة الخريفية المتأخرة التي أحاول أن أقنع نفسي فيها بأنها ستكون آخر ما بحوزتي. لكنني أفهم سر هذه الرغبة الملحة وهذا الانجذاب عندما أجد نفسي هائماً تحت جنح الظلام هكذ كما أنا الآن، وذراعاي ممدودتان مثل جناحي طائرة، طائرة بريد ربما، في طريقها من الدار البيضاء إلى داكار، أو مثل طائرة سانت أكزوبيري؛ أشعر بارتعاش المحرك وسخونته العالية وبقربه الشديد مني؛ أشعر أيضاً بذلك السكون العميق الذي يغلف رأسي وأفكاري، وأنا أسير في هذا الاتجاه عبر الظلام الدامس لكي اشعر بحميمية الفضاء الذي يحيط بي من كل جانب، لكي أشعر بلا محدوديته الممكنة التي تبث في داخلي احساساً طاغياً بالحرية المطلقة تقريباً، مثل الاحساس الذي تولده لامحدودية الصحراء التي شعر بها سفين ليندكفيست حينما كان يقرأ عن الصحراء الكبرى ويحلم بها في صباه حتى صار رجلاً وقرر أن يعانق حلمه للمرة الاولى بعد فشل زواجه. لقد منحه الانفصال عن زوجته حريته المبتغاة؛ أعاده إلى نقطة الصفر، إلى الإمكانية التي كان يحتاجها من أجل النظر إلى الخلف لكي يرى ذاته الحقيقية؛ إلى لحظة الصبا الغابرة عندما كان يحدق بتلك النقطة الزمنية التي يعيش الآن في أحضانها، متشجعاً، لكي يتلتفت فجأة إلى الخلف، بظروف حياته الجديدة. يمكنني أن أتخيل كيف التقت تلك النظرتان، إحداهن زرقاء وصافية، والأخرى شاحبة قليلاً ربما، لقد شاهد وهو الأكبر سناً السؤال في عيني الطفل الأصغر سناً، الطفل الذي كانه ذات يوم: من أنا الآن، وكيف تدبرت أمري طوال هذا المدة؟ ولسوف يجيب على ذلك السؤال قائلاً: كلا لم أذهب إلى الصحراء الكبرى بعد. لقد سافرت إلى جميع الاماكن، ودونت كتباً عديدة عن مشاهداتي فيها، وطرحت الكثير من الأسئلة المهمة، لكني لم أذهب إلى الصحراء بعد. سأذهب الآن. لابد لي من ذلك.

أنسابُ في الظلام مثل رجل معصوب العينين، لكن ببصيرة مفتوحة على مصراعيها، ذراعاي ممدودتان إلى الامام الآن، كما تمتد الأذرع في الأفلام التي شاهدتها. قد تبدو الصحراء الكبرى فوق طاقتي على الاحتمال ربما، وأكثر اتساعا مما أتخيل؛ لكن هل كان ليندكفيست وغواصوه يشعرون بالحاجة إلى أن يطهروا ذواتهم من أدران حياتهم؟ هل أحتاج أنا نفسي إلى الصحراء بالفعل لكي أطهر حياتي من أدرانها؟ أم إنني سأكتفي بظلام هذه الليلة النوفمبرية في دايسيورا لتحقيق ما أصبو اليه؟ يصعب علي معرفة ذلك، لأن كل شيء يعتمد على فهم مايجري في داخلي، أن كان ثمة شيء هناك بالفعل.

يكتب ليندكفيست في كتابه (بنتش بريس): “الصحراء تعني الفراغ. وتعني اللاشيء أيضاً. إنها ذلك اللاشيء العظيم الذي يغويني. وإني لمغادرٌ اليها غداً.” إنني أفهم مايريد وأعرف إلى أين يتجه، ورغم ذلك أفكر: كيف يمكن لرجل جاب العالم، رجل حكيم مثله يمتلك جمهوراً عريضاً من القراء وقلب كبير مفعم بالكثير، كيف يمكن له أن يتوق هكذا إلى ذلك “اللاشيء”. بالأحرى لماذا نتوق كلنا إلى ذلك؟ الجواب لأننا هكذا. ولو قيض للصحراء أن تتحول إلى ليلة كهذه الليلة، فهل سيرغب ليندكفيست هو ومن يكتب عنهم، أن ينبلج الصبح ليعلن عن نهايتها؟ فيوشانج مات في الصحراء. إيزابيل إيبرهارت ماتت في الصحراء؛ لم يكونا يطلبان الموت، لكنهما ماتا رغم ذلك. أما بالنسبة لي فإني أريد للصبح أن ينبلج. أنا متيقن من ذلك. ولو فتشت في ذهني، فسأجد بأني لا أرغب في أن أطفو سابحاً في هذا الليل إلى الأبد. أتوق إلى الليل فقط في تلك الأوقات التي أشعر فيها بالحاجة إلى الإنمحاء، حين يكون جسدي سابحاً مثل فقاعة تدور في أفق أثيري، تستقر في موقعها الصحيح، وتقترن بذاك الشيء الذي نسميه جميعاً عالم الروح.

في كتابه (بنتش بريس) يستلقي ليندكفيست، البالغ من العمر أوسطه، على مصطبة التمارين في ناد رياضي؛ يحاول بالعرق المتصبب على وجهه أن يزيح عن كاهله عبء موت أبيه وعبء زواجه الفاشل،. لكن المسالة كان لابد لها أن تنتهي عند الموت الذي لم يتح إلى ليندكفيست أن يبلغ مكاناً أبعد مما مرسوم له. لايمكن للرفع أن يزيح الألم كله. لقد جربت ذلك بنفسي، لكن بطريقة مختلفة، لاعلاقة لها برفع الاثقال. طريقتي هي أن أسير لكي أبتعد، وليس في الليل وحسب، لكني أسير، دون تزويق، دون مواربة، بخطى سريعة، لكي أبتعد، وتزداد خطاي سرعة بمرور الوقت، ميلاً بعد ميل، لأني أرغب في أن أرى أن ما أحاول نسيانه قد تخلف وراء ظهري، أبتعد حتى تعجز كلابي نفسها عن مجاراتي، خصوصاً الكلبة ليرا، الأكبر سناً، والتي شرعت مؤخراً ترتجف كلما رأتني أرتدي حذائي البني الذي أستخدمه للجري. أوه كلا، كلا، أشاهد هذه الكلمات مرتسمة في عينيها عندما تحاول أن تقول لي لا ترتدي تلك الأحذية، لا تفعلها ثانية! وتنجح الخطة، ثم أضع نظارتي الشمسية السوداء لأحمي عيني من وهج النهار، لأنني في حركة مستمرة، وصوت أنفاسي يتلاحق بسرعة مغطياً جميع الأصوات؛ ألمي يزداد حدة عندما أرقى المنحدر، ثم اتوقف عندما أشعر بأني غير قادر على مواصلة المسير، ويصدمني بقوة وعجالة تيار جارف ذو حواف جارحة، يفقدني القدرة على ابتلاع ريقي وعلى الاستمرار في حبس ذلك الشيء الذي يتخمني والذي أريد أن اتقيأه. ثم أشاهد الليل المعتم ينسدل أمامي وأشعر بأنه ملاذي الوحيد ومصدرغوثي، الليل الذي يمكنني الرقص فيه كما أشاء، وكأنني أتحرك بأسلوب الحركة البطيئة، وأمرق كما يمرق الماء، عبر بحيرة هيمنيس ربما، إلى مكان ما خاتل داخل المنظر الذي لا أستطيع رؤيته الآن أمامي، حيث تعيش قضاعة على جُزيرة صغيرة؛ إنه أمر في غاية الروعة أن تجد أنك تستطيع أن تتحرك هكذا برشاقة وجمال فوق الماء المعتم، أو عبر الليل المنسكب هنا مثل ملاءة سوداء حيث لاشيء يبدو للعيان حتى عدد سنين حياتك التي عشتها، بيلي أليوت ذو الواحد والخمسين عاماً كان يرقص على الطريق المار عبر دايسيورا. ثم يغادر ليندكفيست ناديه الرياضي وينطلق من (بنتش بريس) إلى (غواصوا الصحراء) على متن رحلة رخيصة إلى أغادير في المغرب، ومن هناك إلى الصحراء في سيارة رينو مستأجرة من أجل الإيفاء بوعد قطعه على نفسه قبل أربعون عاماً تقريباً.

يذكر في كتابه (بنتش بريس) ” ثمة اليوم عاصفة رملية تختمر، إنها نفس العاصفة التي كانت تهب علي أيام صباي، قبل أن أهرع إلى الرقاد. إنها تغلفني حيث أستلقي الآن على مصطبة التمرين، مثل ضباب مفترس ملفع بالعويل.” ثم يقود سيارته داخل أحشاء عاصفة رملية حقيقية، تنعدم فيها الرؤية تماماً، يدعكً عينيه، ويحلم بعلبة مياه معدنية، من نوع أولماز، رغم ذلك لايشعر بأنه غير سعيد. وأنا كذلك لأأشعر باني غير سعيد. ليس هذا هو ماأريد قوله. ماأريد قوله هو أني اشعر بأن لدي شيء اشعر بأنه ليس على مايرام ربما. ينبغي لي الآن أن أكون داخل منزلي، في بيتي، في ظلام آخر يختلف عن هذا الظلام، في ظلام السرير الذي رتبته زوجتي بشكل رائع، نائماً ومستغرقاً في راحة سأحتاجها ليوم عمل جديد غداً على لوحة مفاتيح الحاسوب أو ربما لساعة أو ساعتين أمسك خلالهما بفأسي. لكني لاأستطيع الاستقرار، لأن السرير يتحول الى سجن لعقلي، والبيت يصبح حيزاً متناهي في الصغر، لذلك أخرج إلى الصالة، وأرتدي سترتي البازلائية ذات الزرقة الداكنة وأفكر: أنا لا أخشى شيئاً، وأغوص كالسهم في كبد الليل.

“الباحثون عن النسيان” هو عنوان أحدى قصص إيزابيل إبيرهارت، أعظم الكتّاب غوصاً في الصحراء، وربما هناك الكثيرون غيرها؛ أنهم يبحثون عن النسيان، لأسباب لن أحكم عليها الآن، ليس هنا وأنا أسير لوحدي على الطريق الترابي، لكنهم من أجل أن يعثروا على ذلك النسيان، لكي ينسوا، حولوا الصحراء إلى ممحاة كبرى، حولوها إلى تلك الإسفنجة التي يُمسح بها ما مكتوب على السبورة بشكل تام، لقد أخرسوا كل الأصوات من حولهم وصاروا لايسمعون في النهاية أي شي غير رنين “أجراس الفراغ الهشة”. يبحث الآخرون عن التغيير، يرغبون في تغيير أنفسهم بالكامل، ولتحقيق ذلك يتعين عليهم المسير عبر الليل لكي يدلفوا إلى الصحراء ويتركوا رياح التغيير الجافة الحارقة تعصف بأجسادهم، وتنظف أرواحهم؛ يطلقون العنان للصحراء لكي تعيد تعليمهم من جديد كل أبجديات الحياة الفطرية. على أية حال، لقد جاء غواصو الصحراء من مواقعهم المختلفة، وكل منهم يحمل توقه الخاص لجزء منها، لكن اصابع ارواحهم كلها تشير إلى نفس الهدف، إلى الصحراء الكبرى، يسعون إليها بقوة عقولهم وشجاعتهم، ربما، حتى يتخلصوا من مخاوفهم إلى الأبد؟ هل كانوا يرغبون في أن يتحولوا إلى تجسيد حي لمعاني أغنية بوب ديلان الذي كان يصدح قائلاً “لاتقلقي، يا أمي، (انني أنزف فقط)”: ” قد تفقد ذاتك وتعثر عليها من جديد لتكتشف فجأة أنك لم تعد تخشى شيئاً.” السر يكمن إذن في القدرة على فقدان الذات ثم العثور عليها ثانية ربما، ولتحقيق ذلك ينبغي التحلي بقدر كبير من الشجاعة، لأنك في هذه اللحظة فقط سوف تتأكد أن كان بإمكانك الصعود إلى السطح من جديد أم لا، أي لحظة التخلي عن كل شيء، تلك اللحظة التي لاوزن لها! لكن تجرؤ حقاً على أن تكون ذلك الشخص الذي تحلم أن تكونه، الشخص الذي لم تكن تعرفه من قبل؟ أن تكون تماماً مثل رامبو الذي إنسلخ من كل شيء وتوقف عن كتابة الشعر الذي ثوّر فرنسا والأدب الأوروبي كله وأختفى كلية في عمر الخامسة والعشرين ليذهب إلى اليمن وإلى القرن الأفريقي، ثم ليبرز إلى السطح ثانية كشخص مختلف تماماً، بمزايا وخبرات مختلفة كما يبدو وقال” أنا هو ( Je est un autre,) مستخدماً فعل الكينونة بصيغة الشخص الثالث، أي انه تعامل مع ذاته كموضوع، ومارس الاغتراب عن نفسه. لقد نسى نفسه، ثم أضاعها حسب مافسره لي أصدقائي الذين يفقهون الفرنسية.

أوافق على أن هذا الأمر يبدو معقولاً، لكنك عندما تتغلغل داخل الليل هنا، وتنفصل قليلاً عن ذاتك، أن تواصل السير وأنت بالكاد ترى يديك، أن تُوجد، أن تفكر، دون أن يراك الآخرون، دون أن ترى نفسك، يعني أنك ممحو تقريباً. غير ذلك أسير وانا مغمض العينين، وهو أمر غير ضروري في الواقع، أغادر الطريق لأسلك أحد الدروب المؤدية إلى غيت ريدج، التي يعجز المرء عن رؤيتها حتى عندما تكون رؤيته الليلية سليمة تماماً، لكني أعرف الاتجاهات كلها وأعرف البقعة التي يتعين علي فيها تغيير المسار؛ لقد حسبت مساري خطوة خطوة عبر كل تلك السنين وأختزنتُ دائرة الحركة برمتها داخل بوصلة لامعة تكمن في منتصف جسدي بالإضافة إلى جهاز تتبع خفي في زاوية ما بجانب القلب ربما، وعلى أية حال فإنني أغلق عيناي لأني أشعر بأني لا أحتاج إلى إبقائهما مفتوحتان.

وبعد أن أقطع شوط من الدرب، أشعر بضغط الأشجار علي من كلا الجانبين، أحس بها تتكاثر من حولي؛ أشعر بارتفاع الأرض، أترك أقدامي تحسس الصخور والجذور النابتة على طريقي المتصاعد، تحاول اقدامي التقليل من أهمية ذلك الوخز، أبتلع ريقي وأفكر، ماهي مشكلتي بالضبط؟ أنا في الواحد والخمسين من العمر. الفضاء الذي يطوقني لم يعد لانهائياً. وهذه حقيقية لايمكن نكرانها. لقد تهشمت الأبدية، وقد يندلق فوقي الإحساس بالقرف بغتةً مثل ريح خبيثة، جاعلاً كل ماأصبو إليه، كل أهدافي ونواياي، تنهار أمامي، في داخل رأسي، وتطير مع الريح مثل غبار رمادي جاف. ثم لا أعود أملك شيئاً سوى السير بخطوات سريعة في النهار، أو السير في الليل تحت جنح الظلام، لكن هل ينبغي لي أن ألتفت، أن أعود القهقرى إلى الوراء، كما فعل سفين ليندكفيست، لكي أحدق بوجهي من الجانب الآخر من نفق الزمن؟ أفتح عيناي وأحدق بالظلام، وفي الحال أغلقهما، لأن فتحهما لاينفعني بشيء، ولا أرتجي منه أي تغيير لأن الرؤية لاتختلف عندي تقريباً إن كنت أفعل ذلك بعيون مفتوحة أو موصدة؛ أعتقد انه نفس الهراء، الأمر الذي يجعلني أشعر ببركان من الغضب يغلي في داخلي، وهو مايحدث لي غالباً عندما يتملكني شيء ما لا أستطيع الفكاك منه. انني أراه بالطبع، لكني أجد صعوبة في الإمساك بعينيه ” مرحباً ياهذا، أنظر إلى هنا!” أصيح بين جذوع الصنوبر التي تطوقني من كل جانب، أصيح بصوت يبدو لي حاداً وشديد الغرابة وسط العتمة الداكنة. لكنه لا يجيب، ويظل يحدق مسروراً بالرصيف وهو عائد من محطة القطار إلى حانوت نارفيسين عند ناصية شارع البرلمان المقابل لمبنى البرلمان. كان ذلك الحانوت، حسب انطباعي عنه في نهاية الستينات، أكثر بروليتارية من مكتبة كاميرميار الواقعة في شارع كارل يوهان، لأننا كنا نمتلك أيضاً حانوتاً مماثلاً في تفايتفيت، الحي الذي عشت فيه طفولتي في ضواحي أوسلو. يمكنك أن تكون مجهولاً في شارع ستورتنغ، شارع البرلمان الظليل الضيق، عكس شارع كارل يوهان العريض والمفتوح والسابح في النور على الدوام. لكن ثمة أعداد هائلة من الكتب في حانوت نارفيسين أيضاً؛ بإمكاني شراء كيتس هناك، وشيللي وأدغار ألن بو بطبعات أمريكية رخيصة الثمن ( بدلاً من شرائها من القسم الانجليزي في مكتبة كاميرميار)، وهذا مافعلت، لأني كنت رومانسياً في ذلك العام، وما كنت أقرأه كان ينبغي أن يكون جميلاً قبل كل شيء، واقتنيت ديوان قصائد صينية بالانكليزية، اسمه المهر الأبيض. هنا قابلت “لي بو” و”توفو” للمرة الاولى، قصائدهما تظللهما سماء مختلفة لم اشاهدها في اي مكان آخر من قبل، لاشك أن جزء من ذلك يعود لغرابة القصائد أو الى قراءتي غير الصحيحة لها؛ إنه نوع من أنواع الاستشراق بالنسبة لي، لكن أي أهمية لذلك الآن بحق الحجيم؟ ثم اقتنيت ديوان أوبستفيلدرز في طبعة جيب، واقتنيت رواية غونار لارسون في الصيف، وجلست في قطار الأنفاق وشرعت أقرأ طوال الطريق من وادي غرورود وعبر محطات هاشله، أوكيرن، وفولابيك وبقية المحطات. كنت أعرف بأني كنت الشخص الوحيد الذي يقرأ مثل هذه الكتب. لم أحتفظ بالأمر سراً، لكني لم أتحدث بشأنها إلى أحد أيضاً، ولم يكن ثمة أحد يعرف بأنني كنت أذهب لوحدي إلى المدينة في بعض أيام الأحاد وأسير من المحطة المركزية إلى شارع مولر لأدلف خلسة إلى الكنيسة المشيخية الموجودة هناك، وأجلس في المقصورة الأخيرة لكي استمع إلى الإنكليزية المماتة التي يستخدمونها هناك في القداس. كنت أفعل ذلك لأني كنت أشعر بأن الكثير من القصائد التي كنت أقراها كانت تشبه الانكليزية التي كانوا يتحدثون بها في فيلم زيفيرلي “روميو وجولييت” الذي شاهدته في ذلك العام في السينما. إنها الغرابة مرة أخرى، الجمال الذي كان يختلف عن كل ماكان يحيط بي في حياتي اليومية، وهو ذات الشيء الذي كنت أريده أن يحملني إلى مكان آخر. لم أكن ارغب في نفس الوقت في الذهاب إلى مكان آخر، كنت أريد البقاء حيث أنا، متمنياً أن يحتوي المكان الذي أنا فيه على كل ما أريد. لكنه لم يفعل! وحتى لو فعل، فان فعله كان خفياً عني، ومرة واحدة في اليوم على الأقل كنت أشعر بأني على وشك الانشطار إلى نصفين، كما تفعل لايكا عندما تدرك بأنها لاتستطيع أن تكون كلبة مطيعة وغاضبة في نفس الوقت عندما تحلم بمطاردة حيوان الموظ.

أراه يجلس في المقعد الخلفي للكنيسة، في الكنيسة المشيخية الموجودة في شارع مولر، والسترة البازلائية ذات الزرقة البحرية ترقد في حضنه، عيناه تتفحصان المقعد الكنسي الطويل الموجود أمامه، وخداه متوردان قليلاً، وأعترف دون تردد بأن الأمر يبدو لي غريباً بالفعل لأنه ليس متديناً البتة. لقد حاول بشدة أن يكون متديناً، تلبية لحاجة حقيقية، بأقصى مالديه من ارادة، لكنه لم يفلح، وباءت كل محاولاته بالاحراج وانعدام الذوق. إذاً بربكم ماذا يفعل هناك؟ ماذا أفعل هناك؟ لماذا أجلس هناك كل هذه المدة؟

كنت أجلس هناك في انتظار أن أصبح كاملاً. لكني لن أكون كذلك. لأن الأمر ببساطة شديدة يزداد سوءاً حتى عندما أكون في المنزل، وعندما اقابل الجيران الذين يجلسون على عتبات البيوت طوال اليوم، يتناولون القهوة ويثرثرون، وأنا أجتازهم مرتدياً قمصلتي البازلائية ووشاحي مشمور على كتفي على طريقة الفنانين. لا أحد يرتدي الوشاح هنا بهذه الطريقة، ثم ينادونني: ” كيف تسير الأمور معك، يا برشا، انتبه جيداً لعينيك!” يقولون ذلك لأنهم يعلمون بأني قاريء نهم، بعد أن أخبرهم أبي بذلك، وقد شاهدوا ذلك بأنفسهم وارتأوا أن يقدموا لي النصح لأنهم يعتقدون ان كثرة القراءة قد تجلب لي الضرر. يروق لي أن يكونوا على هذه الشاكلة، هؤلاء الناس القاطنين في المنزل الطويل والمنازل الأخرى المحيطة به؛ أعرفهم جيداً، انهم يتمنون لي كل خير. انهم يحبوني لذلك أتمنى أن أحدثم عن توفو، عن أوبستفيلدر، وعن الكتاب الجديد الذي لم اقرأه بعد أسطورة وو تاو – تسو الذي كتبه لينكفيست من السويد. الكتاب يسرد حياة رجل يتوق توقاً شديداً إلى الانغمار في الفن، باعتباره شيئاً كاملاً لاتشوبه شائبة؛ إنه تحقيق للحاجة إلى التناغم والجمال وفي نفس الوقت كمخرج طواريء من العالم، على النحو الذي كان ينتهجه الحكيم والفنان وو تاو – تزو عندما تسلق وهو في زنزانته إلى داخل لوحته الجدارية التي رسمها بنفسه وأختفى. لكن هذا الأمر غير وارد ولايمكن تحقيقه الآن، رغم ان جدران العالم كلها كانت تنهار أمام هذا الرجل، سفين ليندكفيست في فترة الستينات، وعلى أية حال لايمكنني الحديث عن هذه الأمور الآن، لأني لا أملك الكلمات المناسبة لوصفها، حتى لو كان ذلك من أجل نفسي فقط. لذلك أرد عليهم قائلاً “على رسلكم، ستكون عيناي بخير لبعض الوقت.” ويحمرّ وجهي خجلاً وألوّح لهم بيدي مواصلاً السير بمحاذاة المنزل إلى الطريق، مجتازاً مركز التسوق لأستقل القطار الذاهب إلى مركز المدينة حيث توجد جميع المكتبات ومحلات التسجيلات الموسيقية والكنيسة المشيخية. لكني عندما أصل إلى قمة المرتفع تماماً، وعندما يختفي بيتي عن الأنظار، أنشطر إلى نصفين، وأقف في مكاني محاولاً التقاط أنفاسي، واضعاً يداي على ركبتي لكي استعيد طاقتي لمواصلة السير من جديد. لا أدري لماذا أنا هكذا، لا أدري أن كان هذا الأمر شائعاً، أن كان الآخرون يشعرون به أيضاً، أم أنه شيء يخصني وحدي، لكني بكل صراحة، لا أستطيع أن أستوعب أن العالم ليس واحداً، بأن العالم ليس كلاً متكاملاً، وبأنني ربما يجب علي إن أقرر الخلاص من كل هذا لو أردت أن اصنع من نفسي شيئاً ذو بال، وفي نفس الوقت أيضاً بأن أترك كل ماهو ملك لي خلف ظهري، أي كل ما أنا معتاد على فعله وكل ما أعرفه؛ أن أترك هولاء الناس يجلسون على السلم في مدخل البناية التي أسكن فيها، يتناولون القهوة ويتجاذبون أطراف الحديث؛ أن أقول لهم وداعاً وأغادرهم إلى الأبد. وإن كان ذلك هو كل ما ينبغي علي فعله لتطوير ذاتي، كما يقولون، إذن مالفائدة من هذا كله؟

لقد فعلها مارتن أيدين، احدى شخصيات جاك لندن، عندما ترك خلفه كل شيء لكي يتسلح بالثقافة التي كان يرى انها ثقافة المتعلمين، ثقافة البرجوازيون – الشعر والفلسفة، كل مايمت إلى ذلك بصلة – لأنها كانت ذات جاذبية عالية، وجمال أخاذ وحكمة عميقة وضرورية؛ كان يريد أن يصنع نفسه بالحصول على ماتمتلكه الثقافة من كنوز. أراد عبور الحاجز. لذلك توجه إلى شاطيء سان فرنسيسكو عندما أتيحت له الفرصة وولج إلى القصور المشيدة في الأحياء الباذخة ليتحدث إلى ساكنيها، ليتحاور معهم ( حسب تعبيرهم)، ليستمع اليهم، ليستعير الكتب، لكي يتعلم، رغم انه كان يخشى أن يهشم كتفاه العريضان كل ذلك الخزف الموجود في بيوتهم بمجرد دخوله إلى غرف معيشتهم بمشية البحارة التي يتميز بها، أن يجرب كيف يفشل في الإمساك بالشوكة والسكين بالطريقة التي يمسكونها بها، لكنه كان مصراً على تعلم ماكانوا يعلمونه والتفوق عليهم في ذلك. وتمكن أخيراً من تحقيق حلمه، بجهد لايليق الا بالجبابرة العظام بحيث انه مايزال يحركني عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء وأرى نفسي دافناً رأسي في كتابه الذي لايمكن قراءته في معظم الأحيان هذه الأيام لكنه يهشمني عندما اطالعه، لأن بطله عندما وصل إلى هدفه، عندما وضع يده على أكرة الباب الداخلي، أدرك بأن الناس الذين كان يتطلع اليهم ويكن لهم أقصى درجات التوقير والاحترام، لم يكونوا في الواقع يشاركونه نفس الدرجة من الاهتمام، ولم تكن الثقافة في الواقع تهمهم على الإطلاق ولايتعدى اهتمامهم بها سوى كونها مجرد واجهة، ورنيش أو أصباغ يغطون به زيفهم، قناع يغطي ماهو مهم لديهم حقاً – حب الإمتلاك، والقوة – وعدا ذلك فان عالمهم ليس سوى أرض خاوية جرداء وقاسية، مما جعله يدور على عقبيه ويعود متنكراً إلى زوايا المدينة المعتمة التي عاش فيها مرة، إلى البحارة وعمال المصانع، إلى الجذور الحقيقية لذاته. لكن عودته لذاته حدثت بعد فوات الأوان، أي بعد أن انصرمت حبال الوصل معها، إذ لم يعد متاحاً لأي منهما أن يفهم الآخر، بعد أن انتصب بين الطرفين جدار زجاجي لم يكن بوسعه اختراقه، وبعد أن إستبد به اليأس صعد على متن قارب أبحر به في خليج سان فرانسيسكو وقفز إلى الماء، ليغوص في أعماقه، حتى أصبح الضغط الذي كان يدفعه إلى الأسفل أشد قوة من الضغط الذي كان يرفعه الى الأعلى، أقوى حتى من ارادة الحياة.

من السهل جداً أن أرى الآن أن هذا الكتاب قد أثّر كثيراً في حياتي رغم إني لم أكن أعي ذلك أبداً، وبالطبع ثمة خطأ جسيم في طريقة تفكير مارتن إيدين؛ وهو أمر واضح بالنسبة للجميع، ولي أيضاً، لكني لم أتمكن من اكتشاف ماهية هذا الخطأ على وجه التحديد، لأنه بطريقة أو بأخرى كان على حق أيضاً. لكني لا أوافق على مشاركته نفس المصير مهما كان الثمن، ولن أسمح لليأس أن يجعل خاتمتي تكون بين الطحالب والأشنات في بونافيورد، أوفي بحيرة آلون وسط أسماك الفرخ وأسماك البايك المفترسة، من المحتمل جداً أني سافتقد الشجاعة اللازمة لفعل ذلك، وبنفس الطريقة لن أصبح آخراً كما فعل رامبو عندما تحول إلى تاجر سلاح ومن المحتمل تاجر عبيد أيضاً في أفريقيا، وهكذا حاولت أن أجمع كل شيء في جسدي، كلا الجانبين في نفس الوقت، أنا وذاتي، الأنا الذي كنته والأنا الذي بامكاني أن أكونه لو كان أتيح لي مرة أن أتحرر، أن أصب كل شيء في قالب الشخص الذي هو أنا، لكني لم أنجح في ذلك الا في القليل النادر، لأنه في الواقع لايوجد ثمة الكثير من المجال؛ قد أنشطر الى نصفين، لكني طالما لن أخذل نفسي فسوف أواصل التجوال هنا في حنايا الليل خارجاً من نفسي ومندساً داخل الظلام المتدفق إلى دواخلي عبر عيناي وعبر يداي الممدودتان على جنبي مثل جناحي طائرة، راقصاً على الطريق الذي لا يلمحني فيه أحد.

ثم تنقشع الغيوم التي تجلل رأسي، وتبتعد عن بعضها البعض بأقصى سرعة، كما لو أن شيئاً مهماً على وشك الحدوث، وأشاهد القمر فوق البوابة التي أمامي؛ قمر لامع مدور فوق الزريبة، والمنزل الذي أقطن فيه، قمر يبدو أبيضاً وصافياً في وهج العتمة المائلة إلى الزرقة، وعندما التفت إلى الوراء وأتطلع إلى الغابة، أشاهد خلفي ظلي الناصع مرسوم بدقة، وأشعر في الحال بانفصال الجسد عن اللاجسد بشكل حاد مثل سكين. إنه أمر مؤلم.

 

نبذة عن الكاتب:

بير بيترسون Per Pertterson روائي نرويجي ( مولود عام 1952 في أوسلو) أصدر كتابه الأول was Aske i munnen, sand i skoa(1987) رماد في فمي ورمل في حذائي، وهي مجموعة من القصص القصيرة، اتحفها بعد ذلك بعدد من الروايات نالت إعجاب النقاد، منها رواية الى سيبيريا (1996) التي تدور أحداثها خلال فترة الحرب العالمية الثانية ورُشحت لنيل الجائزة الأدبية لمجلس دول الشمال. ومن رواياته أيضاً ( في الأثر) وهي تسرد مأساة شاب فقد جميع أفراد عائلته في حادث غرق باخرة. في عام 2003 نشر أهم أعماله وهي رواية ( أخرج واسرق الخيول) التي فازت بجائزة النقاد النرويجيين الأدبية. تُرجمت أعماله الى أكثر من خمسين لغة حية تقريباً.

 

الترجمة عن الانكليزية

 

علي سالم: مترجم عراقي مقيم في لندن.

[email protected]