“قُبّعتي فوقَ رأسِي” قصة قصيرة للكاتب العراقي يحيى الشيخ

يحيى الشيخ كيكا 2016  مجلة كيكا
يحيى الشيخ

منذ شبابي المبكر، اشتغلتُ سائق اسعاف، وليس في هذا ما هو رومانسي يُحكى عنه، إذ يعتري المرء شعور بالتسابق مع الموت قبل أن يخطف روح الحالة الطارئة التي ينقلها مسرعاً إلى المستشفى… أغلب الحالات التي تفارق الحياة خلال الطريق تظل أرواحها عالقة بالعربة أياماً طويلة، تبقى تتعذب حتى تأتي أخرى أشد عذاباً، وتطردها. لا أود أن أثقل على قلوبكم بما نابني، إنما أكتب لكم عن حالة نادرة، عن مريض احببته وآمنت بحكمته، وتفرغت لخدمته:
كان رجلاً في نهاية الثلاثينيات من عمره، يصرخ الحزن في وجهه وقد أتعبه تماماً، نحيفاً نحافة مفرطة، تبدو في عينيه يقظة حادة، يقظة نافذي العقل، الذين يرنون إلى أفق أبعد مما نراه. قيل إنه مجنون، وكلفتُ بنقله. انتظرتُ عند الباب ليأتوا به موثوقاً، كالعادة عندما يقتادون مجنوناً، غير أنه خرج من المبنى مستسلما تماماً، وهو يرفع كفاً مسالمة يمنع الاخرين من اقتياده، يتلفت حذراً، يحتضن بقوة وحرقة حقيبة مدرسية صغيرة، سبق الممرضين وصعد إلى العربة وجلس هادئاً، مثل صغير يذهب للمدرسة لأول مرة. لم أكن على عجلة من أمري، واخذت اراقبه؛ كان يتأمل الشارع الذي يرجع للوراء، ويلتفت إلى كل ما يفوت وراءنا، وكأنه يجمع وجوه الأشياء، يأخذ لها لقطات خاطفة نهائية، فأبطأت سرعتي إلى حدود قصوى. نظر في المرآة التي اراه فيها، وقعت عيناه في عينيّ، وابتسم ابتسامة عرفان. حالما دخلنا قسم الطوارئ، هجم عليه اثنان وأسراه برداء المجانين، تعامل معهم وكأنه يعرف ما ينتظره منهم، فتركهم يقتادانه إلى الداخل بسلام تام. قبل أن تُغلق البوابة خلفه، التفت بخفة وغمز لي.

عند هذا تنتهي مهماتي عادة. أخذت العربة إلى المرآب المخصص لها، لفتت انتباهي حقيبته المدرسية ملقاة على أرضية العربة. حملتها لأودعها في قسم الامانات، لم يكن مسؤول القسم في مكان عمله، وضعتها في حضني وجلست انتظر. تبدو انها مليئة بالأوراق. لا أحد منا بمنأى عن اغواء الفضول، فتحتها واخذت دفتراً انيقاً من جملة ما فيها. وقرأت على غلافه: “الفراشة… حبيبتي”. فتحتُ صفحته الأولى، بخط تعمد الأناقة بالحبر الأسود، كُتب:

{فردوس …
بلا رجال،
بلا أسرة بتيجان من ذهب،
وشراشف بيض،
بلا نعاج تثغو في المراعي،
بلا أرانب في الوديان،
بلا زنابق فوق الرؤوس،
فردوس.

فردوس…
بلا رجال،
مثل أرض بلا محراث،
بئر بلا ماء،
في أقصى الجحيم}.

تأبطتُ الحقيبة وعدتُ إلى البيت، بكل ثقة بأني الأجدر في الاحتفاظ بها، وتذكرت ابتسامته وغمزته وهو يدخل. أفرغتُ محتوياتها: ثلاثة دفاتر ورزمة اوراق مربوطة ببعضها بإتقان، واقراص مدمجة، وتخطيطات بالحبر الصيني لشخصيات يشبهون ممثلي المسرح ومغني الأوبرا. واصلتُ القراءة:

{منذ صباي أغرمتُ بالقبّعات، انتقيها بعناية من محلات بيع الملابس المستعملة. كنتُ أسمع فيها ما كان يفكر به أصحابها الأوائل، وما يقولونه ويسمعونه، وما يدور حولهم. امست أحداثها هي احداثي، وعالمي الأكثر وضوحاً وحساسية. إنها مسرح اصحابها، مدوّنة حياتهم ومستقبلهم الذي لم يتحقق كلية. غير انها أصبحت، وهي فوق رأسي، حاضري الجاهز، ومستقبلي المتحقق، ورأسي المستعار، وذاكرتي.

القبّعاتُ أعشاشٌ.

مع الأيام، تشكّلَ لدي أرشيفٌ كبير لحياة القبّعات والأفكار التي تستوطنها: أفكار عظيمة، ساذجة، شاذة، خرقاء، أو أفكار لا معنى لها، فأنشأتُ سجلاً مدنياً ضخماً لهويات أصحابها: أسماؤهم، أعمارهم، أشكالهم، وأهواؤهم وأدق تفاصيل حياتهم، بل وأعمقها سرّية، ومنها تورط باختلاسات واغتصابات وسرقات وجرائم، والتفكير بانقلابات سياسية خطيرة، حدث بعضها فعلاً. غير أن ذلك كله لم يشكل أهمية لي إزاء ما وجدته في قبّعة شُغفتُ بها من الجوخ بلون الحناء، ذات شريط من “الستان” بنيّ غامق اللون، لها حافة مخيوطة بغرز ظاهرة كبيرة بخيط سميك، خصصت لها مكاناً أثيراً يليق بها؛ فوق رأسي.

أخجلني ما سمعته فيها أول مرة، من كلمات بذيئة، وتأكد لي أنّي أسمع وأشاهد حياة رجل يمارس مهنة البغاء، فالأحاديث الماجنة التي طافت في جوف القبّعة، والأفكار التي مازالت عالقة فيها، أكدت أنّ صاحبها الأول لابد أنّ يكون قوّاداً، بل ومن حثالة القوّادين في العالم. يبدو أنّه أمضى جل حياته ممتهناً لمهنة الدعارة، وصاحب صيت وجبروت؛ فالأحداث التي أخذت تطرق رأسي تثبت احترافه المهنة وافتخاره بها، والاستماتة في الدفاع عنها. العدد الكبير لزبائنه والحسناوات اللواتي يتاجر بهن، والسرّية التي تحيطه تشي بخطورته ومكانته في السوق، وهذه التي على رأسي هي قبّعته: قبّعة قوّاد مارق.

دلفتُ إلى مقهى قريب تعوّدتُ على ارتياده، وضعتُ القبّعة على الطاولة وتأملتها ملياً، ومازالت دافئة تتنفس. أخرجتُ دفتر الرسم وبدأتُ ارسمُها. لاحت لي حروف ثلاثة ” SHE” صغيرةٌ منقوشةٌ بخيطٍ ذهبي رقيق على شريطها من اليسار، قريب من عقدته على شكل فراشة، انيقة تكاد تختفي لفرط نعومتها. لابد أنّها الحروف الاولى من اسمه: شيكوف، شفران، شامل، شيروان، شاكر… أو كان اسم اشارة للمؤنث بالغة الانجليزية: هي… بضاعته الإلهية المقدسة.

وضعتها على رأسي وخرجت للهواء. وهذا ما سمعته بوضوح أول الأمر:
” أتقيأُ من رائحته. إنّه يعذبني ويضاجعني بعنف، بلا رحمة … يمزقني”
أسمعُ صمتاً وبعض تشوش يحوم بين الكلمات… تتابع المرأة بكلمات مأزومة حادة المخارج، مشمَئزة:
“بعد أن يُشبع حاجته يأخذني للحمام و….”
اختفت نهاية الجملة، وسمعتُ تأوهات انثوية مجروحة القرار، وجليسها يجيبها بحزم:
ــ ” أعرف أنه يملأ أنفك برائحته الزنخة ويدخل فيك أشياءه المقززة، غير أنه يملأ جيوبك بالمال الجميل… يعذبُك في الفراش الآن، لكنه يضمن شيخوختك الوشيكة “.
سمعتُ بكاءها وتوسلاتها:
ــ ” أرجوك… أنام مع أية حثالة غير هذا الحمار… أرجوك خلّصني منه “.
شدّ على كلماته:
ــ ” كوني عنيدة كما تشائين، فهذا يضاعف جمالك، ولكن لا تكوني غبية، وهذا الرأس عليه أنّ يزن الأمور بميزان الذهب، وينام مع الحمير “.
ــ ” آه”
صرخة مكتومة قريبة جدا من القبّعة، يبدو أنّه آذاها بطريقة ما. اختلط صوتهما بأصوات قريبة، وأخرى متقطعة قادمة من بعيد، غطت عليها تماما بتشوش يشبه فقدان موجة البث اللاسلكي. بعد لحظات من صمت لا معنى لها، نطق بوضوح اسمها:
ــ “تانيا… اصبري قليلا وسأجد لك ما يعجبك”.
تشوش شديد، ومقاطع صوتية مبهمة، وبلبلة. شعرت بالاختناق وخلعت القبّعة، مسحت العرق المتراكم كالندى على هامتي الجرداء، أقلقني الضجيج والحرارة المنبعثة منها وكأني في بئر سحيق خال من الهواء ترتطم الأصوات في جنباته وتعود أشد عنفاً، تتصاعد في جوقة صاخبة مدوية، وأنا أتدلى في قاعه مثل ذبيحة تقطر دماً. فوق، في فوهة البئر تقف “تانيا”.

لم أعد أنامُ كما كنتُ من قبل. أخذتُ أضع خلف ظهري مجموعة وسائد وأنام منتصب الجذع وعلى رأسي قبّعة الجوخ. فكرت أشتري سريراً مفصلياً يرتفع نصفه الأمامي كأسرة المرضى في المستشفيات، لكني عجزت عن ثمنه، فاكتفيت بما لدي؛ أستلقي وأردّد ما اسمعه بصوت مسموع، أصف المَشاهد كما أتخيلها، واسجلها على اشرطة. أما المؤثرات الجانبية المصاحبة للحوارات، فأُشخصها، مثل؛ زحزحة كرسي على ارضية ملساء، مرور دراجة نارية ليست بعيدة، تهشم أواني وكؤوس، ضحكات هوجاء، صفعات قوية، صراخ، اصطفاق أبواب… وهكذا حتى أغفو. والغريب في الأمر أن القبّعة أخذت تستجيب لحاجتي للنوم، تشم النعاس في انفاسي، فتنام هي الأُخرى. لطالما وجدتُها تشخرُ على وسادتي، وأحياناً كانت تكركر مثل طفل رضيع في نومه.

تحمست لفكرة تدوين الوقائع، وتحديد طبيعة الأمكنة والأصوات والروائح، وأشكال الأفراد ورسم ما اتخيله. تخيّلتُ “شي”: قصير القامة، عريض المنكبين، ذا شعر سبل وعينين سوداويتين كبيرتين، انف أقنى ووجنتين بربريتين. لا بد أنه ساحر الجمال قوياً ليستأثر بكل هذه الحظوة، والاهم من كل ذلك قبّعته التي ارتديها بدلاً عنه، وهي تنفث غيمة من عطر خاص لم اشمها لدى الآخرين. رسمت الفراشة، تشبه واحدة من “نساء” غوستاف كلمت، يفوح منها عطر الياسمين، فاشتريت زجاجة وعطّرت فراشي.

أنه عمل مضنٍ أن ترتب حياة مبعثرة، وليست لديك معطيات غير التخمين، لأفراد لا تعرف عنهم شيئا غير قبّعاتهم، وأصوات متداخلة تشك بمصدرها، وروائح تسبح في حيّز غامض. غير أن يقيني من أن تفكيك العالم ضرورة لفهمه، حدا بي لإنشاء ورشة عمل جبارة: اشتريت من المستعملات جهازاً لقياس الذبذبات وفرزها بحالة جيدة. وسماعتين كبيرتين تستعمل “للباند”، وعثرتُ على جهاز تسجيل كبير بخزانين للكاسيت، بصوت مجسم، وراديو تحت ركام نسيتُ ما فيه، وعلى كومبيوتر اهملته بعد استخدامي لجهاز محمول… وأهمها؛ مجموعة كبيرة من بطاقات خاصة بالمكتبات لتدوين اسماء الكتب والمؤلفين والموضوعات والمعلومات الضرورية للبحث، وما إليه من أرشفة وتوثيق، اشتريتها في بداية دراستي للدكتوراه التي أهملتها بسبب سخافة الفلسفة وانشغالي بالقبّعات. ثبّتُ أمامي مباشرةً لوحاً من الفلين، دبّستُ عليه جدولَ العمل اليومي وفترات الراحة والأكل والنوم، وكتبتُ بفرشاة عريضة عبارة: “القبّعةُ فوق رأسي”}

2

انتهى الدفتر الصغير وتملكتني قناعة أن هذا الرجل ليس مجنوناً بل يدعي الجنون، أو انه جُن في أيامه الأخيرة. اخذتُ دفتراً آخراً عنوانه: القوّاد، تعرض للتصحيح وإلغاء الكثير من فقراته، وطمسها بحبر كثيف مما تعذر عليّ قراءتها.

{لم أخلع القبّعة، لا ليلاً ولا نهاراً، مع أني لم أعد أسمعُ في ارجائها شيئاً بعد آخر صوت فيها وكان دوياً هائلًا، انفجاراً مرعباً، رصاصة. بعد ذلك اختفى كل شيء، كما لو أن القبّعة طُمرت في أعماق سحيقة، أو نُفيت في لا مكان. قضيت الأيام التالية انتظر ما يشير إلى أنّه مازال حياً ولم يمت، دون فائدة. غمرني حزن ثقيل واجتاحني خواء شاسع.

الموت يعشش في القبعات أيضاً.
عدتُ إلى ورشتي، واجهتُ ركاماً من الأوراق والتسجيلات الصوتية، فرزت ما هو مستحيل معرفة مصدره وهدفه، وباشرتُ عملي في الاستماع للتسجيل الأول وتدوينه على الورق، الذي تستهله “تانيا” بقرفها من أحد الزبائن، وتصفه بالحمار. أخذت الأحداثُ بعده تجري بوتيرة سريعة؛ تظهر الأصوات وتختفي، ثم تعود تظهر في مكان آخر.
وجدتُ نفسي مع كائنات زئبقية لا يمكن تقدير كيانها، ولا تشكيلها، إنما بعثرتها إلى ما لا نهاية. أما عقلي فحريص على تفكيك العالم وربط عناصره ببعضها من جديد.
في هذا الوسط الزئبقي الرجراج فاقد الهوية، المبهم، المظلم، كان لابدّ لي أن أجد “تانيا” وأتابعها، ومن خلالها أجد “شي” ومن ثم أتعرف على “الحمار”. ثلاثتهم يشكلون أعمدة العصر الذهبية: السلعة والمال والسوق، والثالوث المقدس فوق رأسي… فأي تاج أحمل؟

رنينٌ متواصلٌ لهاتف قريب:
ــ ” … تانيا”…
ــ “نعم، شي”.
يأتي صوتها العذب المريض، يجري مثل موجة محمّلة بالأصداف، يزخرفه خرير مياه، لابدّ أنّها تجلس على ضفة ساقية أو أن نهراً يجري في صدرها. في الفضاء تغني ريح فتية بكر.
ــ “أين أنتِ منذ يومين؟”
ــ “الحمار مريض وهو في حالة مزرية، ولا يمكنني تركه لوحده”
ــ “أين؟”
ــ ” في بيته الصيفي في الغابة”
ــ “اتركيه وتعالي… لدي زبون جميل يعجبك”
ــ “لا يمكنني تركه وهو في هذه الحالة …عليّ البقاء معه بعض الوقت”
نفثت انفاسها… يبدو أنّها تدخن بشهية كبيرة، وشراهة.
ــ “ما به؟”
صمت طويل يعقب سؤاله، ريح تحوم وخشخشة أوراق خريفية تتمسك بأغصانها عنوة، ثم يأتي صوتها الذي بت أعشقه، تأرجحه الريح، وتمنحه ايقاعاً شفافاً:
ــ ” يعاني من التهاب في المجاري البولية… إنّه يبول دماً”.
ــ “دعيه يموت واسرعي بالمجيء”.
ــ “سأبذل جهدي بمعونة الشيطان”.

في المكان ينساب صوت ساكسفون يغالبه الضجر، وموجة أصوات وهمهمات تقترب وتبتعد، ورائحة خمر تطوف. قال “شي”:
ــ “لا تستطيع المجيء لديها التزامات أخرى”
يجيبة صوتٌ متذمرٌ:
ــ “جِدّ لي واحدة غيرها، ليس لدي وقت لانتظار عاهرة”
ردّ عليه “شي” ولاول مرة اسمعه يتكلم بوضوح وهدوء، وهو يؤكد على حرف الراء فيزيده رنيناً في فمه وكأنه يغرد:
ــ ” ليس لدي عواهر يا سيدي، إنهن آلهات مقدسات يسجد لهن الملوك”.
بلا مبالاة ردّ عليه الزبون:
ــ “أنا لا أسجد لربي”
ــ ” لدى “تانيا” ما يجبرك على السجود، تركع بين ساقيها وطيزك عارياً”
يتنفس “شي” بعمق وهو يحتسي قهوة تفوح منها رائحة كونياك.
سأله الرجل: ” كيف تتقاضى أجرها “.
ــ ” تدفعه لي مقدما “.
ــ ” أدفعه لك؟ … وماذا لو لم تفِ بواجبها “
ــ ” تعال واركبني بدلا عنها، واعطيك نقودك مضاعفة “
تأوه الرجل مستاءً وأضاف:
ــ “لا بد لي من واحدة هذه الليلة”.
ــ “ليس لدي ثقب شاغر… أما تصبر، أو تذهب إلى الحمام وتستمني على أمك”.
قطعت حديثهما تحية القتها امرأة في صوتها ضيق نفس ولهاث، اقتربت رائحتها الثقيلة من “شي”، يبدو انها انحنت عليه وهمست بأذنه:
ــ “أين الفراشة؟”
ــ “إنها مع الحمار”.
اختفت الأصوات والروائح تماماً.

3
الدفتر الثالث وكان مجموعة أوراق متباينة اللون والحجم جُمعت ببعضها بإتقان شديد. خط على غلافه: الحمار.

{لابدّ أنه شارع حجري، داخلي، ضيق، مليء بالمقاهي، مكتظ بجمهرة أصوات تتكثف هنا وتتبدّد هناك، وموسيقى تتغير كلّ خطوة ووقع أحذية على حجر صلب، لغط وضحكات مفتوحة الفم، رائحة دخان وقهوة واطعمة تعبق في الهواء. يرن هاتف “شي” ويأتي صوت هدّه المرض ومزّق خامته:
ــ ” أرجوك… تعال!”
لم يكن “شي ” متعاطفا معه، ردّ ببرود تام:
“لا يمكنني… تعال أنت واجلب الفراشة معك”
آه، أنه “الحمار”… فرحت أنّي عثرت عليه وسمعت صوته لأول مرة. رفعت القبّعة وانحنيت للقدر المرّ، ورقصت. ردّ “الحمار” بأنفاس يابسة مطحونة:
“لا يمكنني الحركة … صدّقني”
ــ “أين الفراشة؟”
ــ “هربت وتركتني مشلولاً…”
ــ “هربت؟ سأكون عندك قبل عزرائيل لأقطف روحك”
ــ “تعال أسرع منه… أرجوك”.

صوت عربة ناعم، تنساب بسرعة على طريق خارجي، موسيقى الجاز التي تتكرر دائما، تطوف مع رائحة السيجار الفاخر. يقطع مسافة طويلة تتخاطف على جانبيه مركبات أسرع منه… يبدو أنه يسوق على طريق خارجي واسع. مضت ساعة، ثم أخذت العربة تُبطئ قليلاً، تغيّر صوتها، مرّت بضعة دقائق، وانعطفت بليونة صوب طريق حجري، خشخش الحجر تحت عجلاتها حتى توقفت. الريح ذاتها مازالت تتعلق بالأشجار، ورائحة الاوراق الذابلة، والأرض البكر، وخرير المياه، التي تعرفت عليها في أول تسجيل، يعوزها صوت “الفراشة” الذي يثير أشواقي… صوتُ بابٍ تُفتح وتُغلق بهدوء.
ــ “أين أنتَ؟”…
ــ ” في السرير… أدخل”…
أنفاسٌ متوجسة…
ــ “أهذا أنتَ، أم حمار آخر؟ … لماذا أهملت نفسك بلا علاج؟”
ــ “أي علاج؟ … لم أكن مريضا كما قالت لك. لقد كنت مربوطاً على السرير، مكمم الفم، أقضي حاجتي في الفراش، عاجزاً”
ــ “قالت لي أنّك تعاني من التهاب المجاري البولية، وتبول دماً”
ــ “لا، كنت أعاني من عملية إخصاء بدائية، وأبول قيحاً”…
أطلق “شي” ضحكة تناور بين تصديق المجاز اللغوي وتكذيب الواقع… يواصل الخنزير كلامه:
ــ ” قالت إنها تود مطارحتي بطريقة مثيرة، فأغرتني الفكرة، ربطتني على السرير وأخذت تداعبني، حتى أفقدتني عقلي، أخرجت من حقيبتها حقنة صغيرة وزرقت غشاء الصفن، قالت أنّها للانتصاب وزيادة السائل المنوي، صدّقتها، بعد لحظات دبَّ في خصيتيّ الخدر، سحبت خيطاً وعقدتهما بقوة من عند منشأها، لم أشعر بألم ساعتها، وضعت على أنفي كمّادة مخدر. نمتُ حتى فقت على ألم حاد وهي تشد الخيط وتعقده أكثر، فأغمي عليَّ من جديد. استمر الحال هكذا طيلة الأيام. توقفت عن التوسل بها، بعد أنّ أدركت أن لا فائدة منهما وقد احتقنت بدم فاسد وقطّعت عروقها، لشدة الألم كنت أتمنى سقوطهما. أطعمتني وسقتني في الفراش، حتى سقطت البيضتان مثلما تسقط حبة تين يابسة… علّقتها فوق رأسي وهي تتعرى وتلبس ملابسها الأنيقة وتجمع حاجاتها، أخذت كلّ ماعندي، فكت وثاق يدي ووقعتني على “شيك” أبيض، ثم أطلقت سراحي، ولم أستطيع الوقوف، أخذت العربة وغادرت بسرعة… لابد أنّها سحبت كل الرصيد”.
ــ “هل تخمن وجهتها؟”
ردّ عليه “الحمار” وكأنه ينطق بآخر كلماته:
ــ “لا”
ــ “هل تكلمت مع أحد؟”
ــ “سمعتها تتكلم بلغة تشبه الروسية”…
ــ “حالتك مزرية، دعني آخذك للمستشفى، وفي الطريق نكمل حديثنا”.
ــ “يصعب عليَّ ارتداء ملابسي”.
ــ “تعال كما أنت”.
أنين ووجع ولهاث.
ــ “توكأ على كتفي”.

رائحة يود حادة تغمر العربة، يُفتح زجاج النافذة، “شي” يشم بعمق، يزفر، ويشتم.
ــ ” تعرف! لأول مرة أصدق أنّ للفراشة عقلاً… لكني سأصطادها بأسهل مما فعلتُ في المرة الاولى”
“الحمار” يتأوه ويبكي.
ــ “لا ينفعك البكاء، ستنسى عندما نعثر عليها”
يبدو أن “الحمار” بعد اخصائه فقد حماسة عقله وقوة تفكيره، كان يتكلم بأقصر الجمل وأقلها أهمية. لقد هدّه المرض وفقدان فحولته إلى الأبد:
ــ “كانت تقرأ وهي جالسة أمامي تراقب ذبولي… تتجوّل عارية في البيت وفي الحديقة وتغني بصوت عالٍ: (فردوس بلا رجال) … غنّتها بلحن حزين… استمعتُ لها بشوق بالرغم من آلامي… هل سمعت اغنية كهذه من قبل؟
ــ “لا”
واصل “الحمار” روايته:
ــ ” خرجت أكثر من مرة وغابت ساعات طويلة، ثم تعود تشد الخيط كلما اعترتها نوبة جنون… تضحك بهستيرية، تدخن الحشيش بكثرة وتنفخ الدخان بين فخذي المصلوبين. قالت: “الدخان ينفع التين لينضج” وتُصفّر لهما، وتهزهما، حتى سقطتا “
أنهى حديثه بآهات تقطّع القلب، وبكاء شفيف.
ــ “هيا دخن”…
ــ “لم آكل منذ الأمس”
ــ “سنتوقف في المحطة القادمة”.
ــ “علينا اللحاق بالمصرف لأرى ما حلّ بحسابي”.
ــ “لدينا الوقت… حسابك سقط مع خصيتيك”
حالما دخلا المكان، صرخت فيهما أمرأة:
ــ “الأرض مبللة”
يجيبها “شي”:
ــ ” تغسلون المكان بالخمور”.
ــ ” نعم لتسبح فيها التماسيح من أمثالك”.
ــ “يا لكِ من حيزبون”.
المرأة ذاتها تسأل:
ــ “ما بالك تمشي وكأنك على وشك الولادة؟”…
يجيبها “شي”:
ــ “آه لو تشاهدينه… عضوه يتضخم، يطول ويتقرّن، قال الأطباء سيصبح مثل وحيد القرن، يمكنه اختراق الحائط، فابتعدي عن طريقه”.
ــ “اللعنة عليكم ليس لديكم غيره”.
ــ “يمكننا الوقوف على البار إذا يتعذر عليك الجلوس”.
ــ “أفضّل ذلك، فانا ما زلت متورماً… تعرف بماذا أفكر؟”
ــ “مؤكدٌ … أنك تفكر بهما”
ــ “لا، لم يعد التفكير بهما نافعاً… أفكر أمسك بها وأربطها كما ربطتني…”
تتصاعد ضحكات “شي” حتى غطت على أصوات المكان، وأردف:
ــ ” يا لك من سفّاح مخصيّ”}.

فتحتُ الأقراص المدمجة وكانت تسجيلات بصوته لما سمعه وتخيّله في القبّعة، والتي دون أغلبها في دفاتره.
انتظرتُ ساعة الزيارات الدورية للمرضى، وذهبتُ إليه. قابلني ببرود بلا اية احاسيس، فقدت عيناه بريقها ويقظتها. اخذته للحديقة خارج المبنى، في الممشى ابلغته:
ــ “حقيبتك عندي وسأحتفظ بها حتى تخرج… لكني أسألك عن قبّعتك الجوخ، ماذا حل بها؟”
ردّ عليَّ بيقين قاطع:
ــ ” قبّعتي فوق رأسي”.

كاتب ورسام عراقي مقيم في النرويج
[email protected]