“كرة الصبيان” قصة قصيرة للكاتبة العراقية ياسمين صباح حنّوش

ياسمين حنّوش

حصل سلام على كرة قدم جديدة يوم عيد ميلاده العاشر. حلت في حضنه فجأة وكأنها نزلت من السماء. ورغم الحاحه بالسؤال، تواطأ الجميع على عدم اخباره بمصدرها. مع مرور الوقت رضي بالمعجزة. طالما حلم ذلك الحلم الجماعي الذي شاركه فيه جميع أصحابه، حلم الحصول على كرة قدم حقيقية خاصة به، كرة يستبدل بها الخرق القذرة التي يجمعها ويكورها مع أقرانه كي يلعبوا بوهم الكرة بدلا من الكرة نفسها –كرة تجعله مشهورا بين أطفال المحلة ومحبوبا من قبلهم، يلاحقه الأولاد الحفاة توسلا للعب فيتشرط بها على هذا وذاك كيف يكون اللعب وسط غبار ساحة المقبرة القديمة وما هي شروط المباراة ومن هم أعضاء كل فريق، إلخ.

تحققت أمنية سلام الكبرى، ولم تكن الكرة هي السلعة الأجنبية الوحيدة والفريدة التي دخلت حيه الشعبي في عصر الحصار المميت فحسب، ولم تكن من أجود أنواع الكريات المصنعة فحسب –يركلها فتخترق الأهداف وتحقق الانتصارات المتلاحقة للفريق – بل وكانت كذلك كرة سحرية متميزة الشكل. كان تصميم جلدتها الخارجية فريدا من نوعه. بدلا من الأشكال الهندسية السداسيّة أو التجريدية التي تتمتع بها معظم أصناف كرات القدم كان تصميم هذه الكرة على شكل خارطة أرضية تحولت جميع مدنها إلى مدن مشطورة. أما وديانها وسهولها وجبالها وبحارها وكافة التضاريس المحيطة بتلك المدن فقد انشطرت هي الأخرى على نفسها لينقسم مفهوم العالم بشتى معالمه الجغرافية إلى معالِم مشطورة إلى شطرين على وجه الكرة المستوردة.

        كيفما نظر سلام إلى تلك الكرة وفي أي ساعة من ساعات اليوم ومن أي زاوية يرغم – كما كان يفعل في سريره صباحاً قبل دحرجتها معه نحو المدرسة أو مساء وهو مستلق في فراشه بعد إجهاد المباراة اللذيذ – تبين له أن عالم الكرة مشطور إلى شطرين. شطرين متوازيين متساويين في كافة النواحي ومختلفين حولها أشد الاختلاف في الوقت نفسه.

        انتبه سلام كذلك إلى أن الكرة مأهولة بالمخلوقات. أقزام صغيرة تكاد لا ترى بالعين المجردة بأصوات تلعلع مثل أصوات البشر أو أعلى منها أحيانا. تبين له بمرور الوقت بأن أهل الكرة الصغار والأغبياء نسبيا كانوا جميعا يؤمنون بخرافة ظريفة بعض الشيء مفادها أن كل روح خلقت مدورة على هيئة الكرة التي يقطنونها ثم شُطرت فجُعل في كل بدن نصف وصار على كل بدن أن ينتظر لقاءه بشطره الآخر على الجانب المغاير من بلاده المشطورة بعد أن يلم شمل الشطور.

لاحظ سلام كذلك بأن جميع سكان الشطور لديهم هاجس الألوان. كان لكل شطر لون يميزه عن الشطر الآخر. في رأي السكان، كان ذلك اللون هو ما يميزهم عن الباقين ويفضلهم على الشطر الآخر. فمثلاً إذا أنصت ملياً لسكان كل شطر لسمعهم يزعمون بأن لونهم هو اللون الصحيح في الحياة في حين أن جميع الألوان الأخرى على خطأ مقيت. وإذا أنصَت سلام للغطهم في سكون الليل لاستخلص من كل شطر معتقداته حول شتى الأمور: أن مأكله هو الأكثر صحة وملبسه الأشد أناقة وسلوكه في الحياة هو الأسمى والأكثر تحضراً. لو اقتصر الأمر على اختلاف الآراء والألوان بين بني الشطرين لما كان في الأمر الكثير من العجب ولكن أعجب ما في الأمر هو أن الخلاف كان عادة حول أمور يتطابق فيها أهل الشطرين كامل التطابق. فمثلاً كان الشطر الأزرق ينتقد الشطر الأحمر حول مسلكه في تربية الأولاد في حين كان سكانه يربون أولادهم على مبادئ العنف والتفرقة والاستضعاف والانتقام ذاتها دون أن يلاحظوا ذلك.

في البداية، ظن سلام بأنه كان يرى ما يرى على الكرة جراء حمى أصابته أو هلوسة تملكته لسبب غير معروف فحاول تجاهل تلك المشاهد وكبت مشاعره تجاهها. لكنه مع مرور الوقت تيقن بأن أحداث الكرة أصبحت ظاهرة لجميع أصحابه الذين صاروا يترددون في الإقبال على مباريات المقبرة.

        أما أشد محنة خاضها أولاد الحي مع الكرة فكانت انعكاسا للحروب المميتة التي أخذ يشنها كل شطر على الشطر الموازي له بشكل دوري. كان كل شطر يزعم بأن الشطر الآخر ينتمي إليه ليكوّنا معاً كلاً لا يتجزأ. وعلى الرغم من أن جميع الأجزاء توافقت في هدف الوحدة والتاريخ المشترك في النهار إلا ان كلاً منها كان يهاجم الآخر ليلا إثر نزاع حول ملكية الحدود وانتقاصا للمبادئ ذاتها معلناً بأن الآخر نكث شروط الوفاء للتاريخ العريق والوحدة الحتمية المنتهكة. حين يركل أحد الأولاد الكرة قد يصل مسمعه قول الشطر لشطره الآخر: صحح من موقفك الخاطئ! اعترِف بما هو بديهي من أمور الوطن! عيب أن تؤمن بكذا ترهات! ثم يذهب فيؤمن أو يبشر بمثلها بعد تصويب الأهداف وكسب المباريات.

كان سلام يستيقظ أحيانا على دوي المسبات التي يتبادلها الشطران وقت الفجر، تلك السويعات التي ما عادت تمده بطمأنينة السكون على عهدها. بعد أشهر من تلافي التدخل في أمور لا تعنيه فكر سلام في التوسط للمفاوضة حول بعض القضايا عله يساعد الطرفين على وضع هدنة أو الوصول إلى حلول جذرية لبعض الخلافات المركزية التي قد تبدو للعيان بسيطة بل حتى تافهة. ومع ذلك، فإن المبادرة فشلت إذ ساد التناقض والتداخل في حجة كلا الطرفين وما عاد من الممكن التمييز بين موقف هذا وموقف ذاك. مع مرور الوقت ساد الفساد الذي تآكل من جرائه جلد الكرة بعد أن كان براقاً أملس. تكاثرت الشقوق العميقة التي تناوب الشطران على فرضها حول الحدود الفاصلة حفاظا على أمن أهالي الشطور المتنازعة. تأزم الوضع حتى صار سلام يفز من منامه فيجد الكرة المترهلة تسبح في بركة من دماء شطورها. استمر الأمر على هذا المنوال بضعة أشهر أصبح فيها الاستمتاع بمباريات كرة القدم المعهودة أمراً مستحيلاً. كما وانتقلت شيئا فشيئا عدوى الانشطار إلى أعضاء الفريقين حتى باتوا يتقاتلون ركلا بالأقدام ولكما وخنقاً بالأيدي كلما حاولوا السيطرة على الكرة أو الاجهاز عليها.

في صباح شتوي ماطر، بعد ليلة مؤرقة علا فيها صياح النزاع والقتال على سطح الكرة، انتفض سلام من فراشه وتتبع الجدول القاني حتى وصل إلى المعمعة. طال وقوفه كالتمثال محدقاً بالشطور ملياً. وفجأة، دون سابق انذار لنفسه أو للأهالي المتنازعين، إذا بقدمه اليسرى تركل الكرة ركلة عظيمة أخرجتها من شباك غرفة النوم عبوراً بالحديقة الأمامية للبيت مروراً فوق السياج الطابوقي العالي الذي شيده والده بعد اندلاع الانتفاضة فشوارع الحيانية وطرقات البصرة المتفرعة بأزبالها المتكدسة. انطلقت الكرة شمالا فوق هور الجبايش فالفرات حتى تقوست غربا باتجاه النجف مكملة رحلتها نحو ممرات الهواء الخانق. فوق صحاري العراق الغربية وثبت وثبتها العجيبة، ناثرة رذاذ الانشطار المعدي. مرت بالحقول العطشى والقرى المرهقة والصحاري المتشققة حول منطقة الرطبة ناشرة وباء الشطر على الأخضر الضئيل واليابس الوافر. ظلت تحلق بلعنتها التي أخذت تتوالد وتتضاعف مع كل دورة من دوراتها في قلب السماء المشتعلة حتى حطت في حضن طفل جديد في بقعة أخرى من بقاع عالمها البائس.

من مجموعة “أطفال الجنة المنكوبة”

كاتبة وأكاديمية عراقية،

[email protected]