“كلّ شيءٍ ممكنٌ في هذا النّص” قصيدة للشاعر العراقي صادق الطريحي

صادق الطريحي

ومن الممكنِ …

أن تكونَ موظّفًا ماهرًا،

موظّفًا في كماركَ المِنطقةِ الوسطى من النّصّ

وعضوًا أصيلاً في اللجنةِ …

وأن تحقّقَ في قضيّةِ موتِ المؤلّفِ

فأنتَ تمتلكُ القدرةَ على القراءةِ والكتابةِ

وأنتَ متمكّنٌ من جدولِ الضّربِ

وأنتَ منظّرٌ مشهورٌ للطّائفةِ النّاجيةِ من الحَرب

وأنتَ متخرّجٌ في كلّيةٍ للشّريعةِ والقانون

فلا تُضبطَ متلبّسًا..

وأنتَ تمارسُ تقشيرَ الأحداثِ

في أثناءِ الدّوامِ الرّسمي

ولن تضبطَ

وأنتَ تقتاتُ الأخبار السّياسية للممثّلين الرّسميّين

من مواقع التّواصل الاجتماعيّ.

ومن الممكنِ

أن تعايشَ البعوضَ المصابَ

في المعاملاتِ الغامضةِ..

وأن تسمحَ بدخولِ النّصوصِ المغشوشةِ

وألّا تأخذ الهدايا البسيطةَ..

من مواطنيك الأخيارِ أو الأشرار

إلا ّ بالقانونِ أو الفتوى …

ومن الممكنِ

أن تجيدَ التّحدّثَ بكلّ اللهجاتِ المنسيّةِ

وأن تجيدَ ارتداءَ الأزياءِ الشّعبيةِ..

في المناسباتِ الوطنيّةِ وغير الوطنيّةِ

ومن الممكنِ

أن تكونَ صحافيّا مستقلّا

صحافيًا يُحسنُ اللغةَ بلا فسادٍ إداريّ ظاهر

يكتبُ في صحيفةِ الدّولةِ

عن المنتظرين للمنتظرِ في سيطرةِ الآثار

وهم يموتونَ بكاملِ أعضائهمِ الفانيةِ

ومن الممكنِ

أن ترجعَ لكتابةِ هذا الموضوع …

قبل أن تموتَ في السّيطرةِ ثانيةً …

وقبل أن تموتَ في المستشفى الإقليميّ

أو الإبراهيميّ

أو مستشفى الأمراضِ الوطنيّةِ

وقبلَ أن تموتَ بضربةِ الفيروسِ التّاجيّ الرّجيم

مجرّدًا من أوكسجينَ النّصوص.

ومن الممكنِ

أن تكتبَ ـ بلا مكافأةٍ نقديّة ـ

في صحيفةِ السّوادِ العريق

مقالةً نقديّة ضدّ التّداخلِ الإجناسي

وعن الأعراقِ السّائدةِ في متنِ السّلطةِ العقيم

وأن تتبنى فرضياتَ التّجاورِ الأدبيّ.

وأن تتخلى عن وظائفِك البلاغيّةِ

أو الخطابيةِ في النّقدِ الحَديث

وأن تتخلى عن جنسيتِكَ الأدبيةِ

ومذهبِكَ النّحويّ

وصورتِك الفنّيةِ

وأن تنتقدَ بسهولةٍ هذا النّصّ

قبل أن تصيرَ رئيسًا للتّحرير،

أو رئيسًا لمجلسِ تنظيم الاستعارةِ وحمايتها.

ومن الممكنِ

أن تكونَ محلّلا سياسيّا محظوظًا،

ومُشاهَدًا في القنواتِ

فأنت تُحسنُ الاستماعَ للقرّاءِ المتجوّلين الخِرسان

ومن الممكنِ

أن تكون مواطناً نزيهاً في الجنّةِ

وأن تحصلَ على قصرٍ واسعٍ

في المنطقةِ الآمنةِ هناك

وأن تناقشَ القضيّة النّقديّة مع المستثمرين

وأن تمنحَك الحُورُ العِين نسبةً من الدّخلِ الشّهريّ

معَ الموعدِ المنتظمِ تمامًا

وأنتَ متهرّبٌ من دفعِ الضّرائبَ..

لمكتبِ عمودِ الشّعرِ العَربيّ

وأنت متهرّبٌ

من تسديدِ وثيقةِ التّأمينِ على قَصيدةِ النّثرِ

وأنتَ لم تلبسِ القناعَ في نصوصِك كافةً،

ولم تتخذِ الرّمزَ وكيلا

وأنتَ لم تتجاوزْ نصّك السّابق،

نحو نصّ شعريّ مفتوح،

شَرطاً لبقائِكَ في الجنّةِ.

ومن الممكنِ

أن تقتحمَ مبنى اللغةِ

وأن تغيّرَ في معنى المعنى

وأن تعبثَ بأدواتِ النّصب، والنّهي، والخفضْ

وأن تبعثّ المسكوتَ عنهُ

وأن تسلبَ من اللغةِ أنوثتَها

وأن تدعو إلى لغةٍ معاصرةٍ

بيدها الحلّ والعقدُ

تؤدّي بنا إلى أوّل النّصّ

وربما إلى آخرهِ

فأنتَ من الحاصلين

على شهادةٍ من دائرةِ الأوقافِ الجديدة

وأنتَ من العاملينَ عليها

وأنتَ من العّارفين..

بمواضعِ الإسنادِ، والتّقديم، والتّقدير.

 

***

 

كلّ شيءٍ ممكنٌ في هذا النّص

فربما أنا هو أنا

وربما أنتَ هو أنا

وربما أنا هو هو

وربما هو هو أنتَ

وربما ضاعتْ هي في فحولةِ النّثريين

وربما القارئ هو الكاتبُ

ولكنّما هذا النّصُّ ليسَ بأخرسَ.

13/5/2016

17/10/2020

[email protected]