“كل شيء أصبح الآن متاحا” قصة قصيرة للكاتب المصري جمال زكي مقار

جمال زكي مقار

دق جرس الباب، نهضت نصف عارية لتفتح، رأته واقفا يبتسم ابتسامة آلية باردة، فامتعضت.

سأل في آلية باردة:

ـ مدام ( س )؟

ـ نعم، أنا هي.

ـ صباح الخير.

ردت تحيته:

ـ صباح النور، تفضل.

انحنى والتقط كرتونة كبيرة ودخل، وقف في منتصف الصالة ينظر إليها، كانت عيناها مقروحتين من أثر البكاء والسهر، فتحت باب الثلاجة والتقطت زجاجة عصير ذهبت بها إلى المطبخ ملأت كوبا بالعصير ووضعته في صينية، قدمت له الكوب فعب ما به من عصير عبا، ومسح بقاياه بظهر كفه، ثم انحنى وفتح الكرتونة، وبدأ يرص ما بها من أجزاء : رأس ، وساقان ، وصدر وبطن، وعضو ذكري في حالة انكماش، وقلب، أمسك به وهو يترنم:

ـ قلب يعرف أن الحب

موجود في المعبد

والمعبد أنت فيه:

الكهنة والحراس

ونار الإيمان

ووعد الرب

نظر إليها وابتسم، فابتسمت ابتسامة مغتصبة ماتت على طرفي شفتيها.

أخذت الكوب والصينية وذهبت إلى المطبخ، وفتحت الصنبور وغسلتهما، ولما عادت وجدت شخصا ثالثا يقف في الصالة يبتسم لها ويحييها:

ـ صباح الخير أيتها السيدة الجميلة الرائعة.

قال لها الآخر:

ـ سأبدأ حالا في ضبطه، وعليك أن تعطيني إجابة كلما سألتك.

أمسك بمفك وبدأ يفك أحد المسامير الدقيقة الخفية، وسأل:

ـ كم من الوقت تستغرقين في الممارسة عادة؟

فكرت وهي تتمتم بالسؤال:

ـ كم من الوقت؟

هزت كتفها في لامبالاة قبل أن تقول:

ـ لا أدري كم من الوقت أحتاج للوصول إلى الذروة، الأمر يتوقف على عوامل كثيرة: الراحة مثلا ، أحيانا أكون متعبة، عندها لا أحتاج أكثر من دقائق معدودة للوصول إلى المنتهى.

هز الرجل رأسه وقال:

ـ إذن ساترك لك أزرار ضبط الوقت على اختيار( عشوائي) ليمكنك ضبطه أثناء الممارسة.

أعمل آلة صغيرة في ظهر الكائن، ثم عاد ليسأل:

ـ أ تحبين أن أضيف إليه إمكانية أن يذيع موسيقى خفيفة؟

ـ لا؛ أرجوك، أنا أفضل العبارات الحميمة.

ـ 2 ـ

ـ آه؛ قلت لي، إنه من جيل جديد، اُستخدم كبار الشعراء في تزويده بأكثر العبارات شاعرية، بل منهم من حصل على جائزة دولية كبرى، استمعي إلى هذا المقطع:

( نهداك ومصباح أحمر

قمعا سكر

وأنا ثعبان متهور )

أيناسبك هذا؟

توردت وجنتاها من الخجل، وقالت:

ـ جميل جدا.

سألها:

ـ أ لاحظت دلالة الكلمات؟

ـ بالطبع، وخاصة ( ثعبان متهور ) هذه.

جلست وركبتاها ترتعشان، وفجأة جاشت مشاعرها بألم كان مكبوتا، التقطت سيجارة وأشعلتها وبدأت تنفث دخانها في الهواء وهي تحاول أن توقف فيض مشاعرها حتى لا تندفع في البكاء.

عاد يسألها :

ـ ماذا عن درجة وفرة ولزوجة المني؟ وافر ثقيل أم متوسط اللزوجة؟

فكرت وهي تدير الكلمات في بين شفتيها كأنها تتذوقها ( وافر ثقيل…) :

ـ وافر ثقيل هذا ما أحبه.

ـ ماذا عن الرائحة؟

هزت كتفيها متسائلة، قال:

ـ عطرية حديثة؛ أم بدائية فطرية تشبه رائحة الخميرة بيرة؟

ـ آه، أحب الأخيرة جدا.

أخرج أسطوانة من حقيبته وبدأ يغذي بها الكائن، و سأل في رجاء:

ـ أيمكن أن أجعله يغني لأن الغناء يجعلني أعمل بمزاج رائق؛ إن لم يكن هذا يزعجك؟

قالت :

ـ من الممكن ، لكن بصوت خافت أرجوك.

ضغط زر صغير في جسد الكائن، فبدا يغني، وبدت معالم البهجة والانسجام على الرجل فانبسطت أسارير وجهه، ودندن مع الكائن:

ـ أنا أول مرة ……. أنا كنت بتدلع

انفجرت ( س ) في ضحك سائب مجنون، وسألت:

ـ أ عنده كثير من هذه الأغاني؟

ـ كما تحبين سيدتي، هذه أغان أبدع في كتابتها كبار شعراء الأغاني بالمنظومة، نحن شركة مميزة .

كانت الكلمات قد مست مشاعرها فبدأت تتململ في جلستها، أغمضت عينيها وبدأت تغني بصوت عذب هامس مبحوح مشبع بالألم:

ـ أنا أول مرة ………

توقف الرجل عن العمل ونظر طويلا إليها، تأمل قسمات وجهها الدقيقة وعينيها نصف المغمضتين، كانت تغوص لأعماق غائرة في الروح، تتلمس طريقها بين أحداث قاسية ضاربة في جوانحها، وحين تلمس موضع جرح لم يندمل يأخذها ألم قصي ترتعد له أوتار وجهها، تذكرت ما قاله لها الطبيب في آخر زيارة:

ـ لا تنزعجي مدام ( س ) العزيزة جدا إلى نفسي؛ كلنا نعيش نفس الحياة، كلنا تمسك بنا العصبية، نحن أبناء هذا الحاضر اللعين، وأرواحنا دائما متوترة من لسعات السياط التي تنهال علينا من كل جانب، الحكومات الغبية المتسلطة؛ الروابط الأسرية المدمرة، العلاقات السريرية الباردة( ثم بدأت لهجته تأخذ طابع الخطابة ) لذلك يجب أن نكون أقوياء جدا لنعبر بأنفسنا مستنقعات اليأس و الخوف والأحلام المضيعة، أنت لم تخطئ في حق زوجك، وعصبيتك كان لها ما يبررها معه، كانت رد فعل على إهماله وبروده وغباء تصرفاته، أنت الآن تريدين أن تبقي وحيدة، هذا مشروع جدا، كل شيء أصبح الآن متاحا، اشتري ذلك المنتج الذي حدثتك عنه في المرة الفائتة، لو اتفقنا على الشراء؛ أستطيع أن أحصل لك على خصم قد يصل إلى نصف الثمن بما لي من دلال عليهم .

للحظة تذكرت كيف ألح عليها في كل زيارة أن تشتري ذلك المنتج الجديد السحري، كانت تعلم أنه واحد من الذين تعتمد عليهم شركة الإنتاج في ضبط المعايير النفسية لتلك آلات حتى يضفى عليها جانب حسي وعاطفي جياش.

أفاقت على سؤال الرجل الفني:

ـ أ أضيف ملف للنكات؟

نظرت إليه وصمتت مفكرة؛ عاود الكلام:

ـ هذا إذا كنت تحبين ذلك.

قالت :

ـ اسمعني عينة، إذا أعجبتني وافقت.

أعمل الرجل أصابعه بسرعة في ظهر الكائن، ثم ضغط زرا ، فانفرجت أسارير وجه الكائن وأسفرت عن ابتسامة عريضة أضفت على وجهه ملاحة وحيوية، قال:

ـ شوفي يا مدام:

واحد تزوج من امرأة ، وبعد أربعة أشهر ونصف الشهر أنجبت ولدا، ولما ثار الرجل متسائلا :

ـ كيف تم ذلك؟

قالت له المرأة:

ـ فيم غضبك وثورتك؟

ـ لأن كل الأطفال يولدون بعد تسعة أشهر من الزواج على الأقل.

تعجبت المرأة ، وبدت الدهشة على وجهها وهي تنظر إليه ساخرة، فتساءل الرجل:

ـ ماذا؟

ـ أمرك عجيب جدا ، منذ متى تزوجتك؟

ـ منذ أربعة أشهر ونصف.

ـ وأنت منذ متى تزوجتني؟

اجاب الزوج :

ـ منذ أربعة أشهر ونصف .

ـ هه ، أليس مجموعهما تسعة أشهر يا فالح؟

قفز الزوج فرحا، وهو يهتف:

ـ آه صحيح ، كم أنا غبي.

اندفعت( س )في ضحك صاخب حتى دمعت عيناها ، وانتابتها حالة من الانتشاء والبهجة، نهضت، واقتربت من الرجل الفني، وقالت وهي تضع يدها على كتفه:

ـ زوده بملف النكات، يا له من اختراع عجيب.

قالت ومشت بكفها على ظهر الرجل، فارتعد جسده والتفت إليها، نظرت إليه طويلا فبادلها النظر، مدت يدها لتجذبه في اتجاه غرفة النوم، فتشبثت قدماه بالأرض، توقفت متسائلة:

ـ ما لك؟

لم يجب، عادت إليه رأت الدموع تلمع في عينيه، ضمته في حنان بالغ إلى صدرها كأنه صغيرها، وعادت تسأل :

ـ ما بك؟

قال والدموع تتساقط على خديه:

ـ أنا من الجيل الرابع عشر، ليتني كنت مزودا بهذه الخاصية.