“لا تبكي يا أمّي” قصة قصيرة للكاتب العراقي مراد سليمان علو

إلى روح الفتى المأسوف على شبابه (أنور خدر علو)

مراد سليمان علو

هل يمكن لك أن تجلس صامتا بين ثلاثمائة وأثنتا عشرة جثة؟لا تتكلم! فقط تستمع إلى أغنيتك المفضلة!

من بين تلك الجثث، وفي نفس لحظة جلوسك، يبدأ كلّ شيء من جديد: تعدّ الفرامين كلها، فرمانا بعد فرمان، ودون تردد تطرح على نفسك السؤال التالي: “إلى كمّ فرمان آخر نحتاج؛ لنصحح أخطائنا، ولنغفر للآخرين خطاياهم”؟

ولكن، المفاجأة! هنا، لا أحد يجد ما يبحث عنه ما لم يجرّب صعود الزوابع، والغوص في الدوّامات، وأن يضيع في المتاهات. وهذا الثالوث هو سرّ وجودنا.

وأن أردت الخروج، لا تقل للآخرين سامحوني. فقط اخرج، وستبقى بعض محطات الذاكرة شبيهة بغيوم أيلول التي لا وجوه لها، مليئة بالماء، وببرق تعادل سرعته رمشة عين عسلية، وقوّته تساوي جاذبيتها، ونداء رعدي عاجل، ويتحول الماء الوفير إلى حبّات مطر تتسارع بالنزول تباعا وبتنسيق يذكرنا باستعراضات الجيش الصيني مع عزف سيمفونية لبيتهوفن لم يؤلفها بعد، وتقوم هذه الحبات بحضن ذرات التراب، فتحدث الرعشة ثم المعجزة، وتأتي نيسان ضاحكة مع الشمس، والمكان يتجمّل كعروس قيرانية، والأوقات تصبح مفاتيح للمحطات التي خرجنا منها دون جلبة، أما الحنين فتكون إشارة لحمل تلك المفاتيح والولوج إلى نمنمات الحياة وصورها البهيجة، وفعلها الجميل الشبيه بزحف الأنامل إلى جيب القميص الأبيض؛ لالتقاط سيجارة (الروثمان) بعد حضور استكان الشاي من يد المحبوبة في سهرة صيفية على سطح بيت طيني من (سيباى).

البعض من تلك المحطات المطلية واجهاتها بالأسود، لا توّد الاقتراب منها، وقد وضعتها بنفسك وبدراية تامة بين طيات أيام آب المشؤومة، ولا تترجى منها رحمة؛ وتتمنى أن تبقى بعيدة عن عزيف الروح التي تتلوى من أجل من كان ينتظر قدومنا إلى تلك المحطات، ولكن الحنين لا يتركنا وشأننا، يطير بنا لنتفرّس في وجوه الأحباب وكأننا في فلم سينمائي ل (رومان بولانسكي) يعرض فيه قصّة حياتنا منذ الفرمان الأول.

تتركنا الأماكن في حالنا لبرهة، وهي تعلم مدى تعلقنا بها وشوقنا إليها وكيف تتلّون وتتبدل ونتساهل معها في تغييرها فقد كنا معا منذ قرى القصب في الأهوار والطين في أوروك إلى أيام معبد أيزيديا ورونق السناجق الذهبية في زمن بابل، ومكتبة آشور وشوارع نينوى المليئة بالثيران المجنحة مرورا بأوقات الصيّف الشنكالي ورحلاتنا الموسمية إلى لالش.

الأماكن هي مَن تشتاق إلينا، وتعرف جيدا نحن من كنا نعزف لها على أوتار طنبورة (أيزيد)، ونحكي لها أساطيرنا ونهمس لها أسرارنا، فتتحوّل إلى قبب ومعابد مخروطية وتحتفظ بالأسماء الخمسين لملاكنا الكبير وتحفظ جميع أسماءنا ووجوهنا وتشتعل حنينا لرحيلنا كشوق البئر للنبي يوسف ساعة خروجه منها.

كنا جميعا هناك، أليس كذلك؟

أنا نفسي كنت هناك ذات يوم، في لالش أتعمد بمياه (كانيا سبي). وكنت في (شنكال) بين بساتينها، وعلى الجبل اقطف التين وأدخن من تبغ (كرسى)، وفي (السكينية) اشرب من ينابيعا وأغنّي مع طقطقة طاحونتها المائية، وفي أمسيات (سيباى) كنت أكتب من كوخي الطيني الرسائل والقصائد، ومن دهشة الشِعر وشوق الرسائل وعسل التين ورائحة التبغ وبرودة الماء بدأت القصّة.

كانت حكايات العشق في أزقّة القرى وبيادرها منسوجة من حياء ونبل الشباب، ولا أجرؤ على تناول تفاصيلها الحبيبة، كلّ ما أستطيع أن أقوله إنه كان حبّا مسكرا بوسع المرء أن يعيش به ويعتاش عليه في أقاصي الجحيم، ولهذا استمتعنا بوجودنا في بيوت (سيباى) الطينية المليئة بالفئران والعقارب والأفاعي، كان ذلك من أجل الحبّ، فلا يهم أن استمرت الدبكة في أطرافها وساحاتها وبيادرها إلى منتصف الليل فالمغنّي هو (دخيل أوصمان) وطبعا لا يهم إن بقيت جالسا في حديقتي الصغيرة بين الزهور غير متواجدا في صفوف الدبكة؛ لانشغالي في كتابة قصيدة (قولي شيئا)، وإن حان وقت طعام البطن فعلي أن أسير عكس اتجاه عقارب الساعة؛ لأصل دكان (خدر خاتونا) وأجلب أكياس مليئة بالخضراوات والفواكه وأعود لأحضن حاسوبي من جديد، أسمع (أنت عمري) وأكمّل كتابة قصيدتي الأثيرة، وما أن يقف (حجي قيراني) بقامته المديدة في الباب ينتظر خروجي حتى أترك كلّ شيء وأرافقه لنلتحق بالدبكة الدائرة.

أيّة أيام بهيجة كانت تلك، وكأن القدر سرقها من الجنّة ودسّها بين ليالينا في (سيباى)؛ لننسى كلّ شيء آخر، كم كنا مساكين فقد ظننا إن تلك الأيام لن تنتهي وستستمر الدبكة وستواصل حبيبتي في إلهامي؛ لأكتب أكثر.

الأماكن لم تكن يوما غصّة في حلوقنا فجميع قرى حوض جبل (شنكال) كانت قطع مبعثرة من الجنّة، الزمن فيها واقف والسعادة مستمرة تتدفق كشلال فالت من نهر كريم يحاول التخلص من ضفتيه.

كنا هناك مجتمعين في تلك البيوت الطينية التي تمازحنا بثقوبها وجحورها وشقوقها، ونتقاسم معها لهيب الصيف وزوابع رمال الصحراء ومشقة جلب ماء الغدران، ولكن أيضا قريبا من (كرى كور) و (كيرا قيرانيا) و (باب شلو) ومزار المَلك (فخر الدين).

الأماكن الأليفة تتركنا للحظة عندما تزاحم الوجوه المخيلة، تتراجع خجلا إلى الصفّ الثاني وتترك للوجوه الصدارة، وحينها تشرق ابتسامة (خدر خاتونا) وتلعلع ضحكته وهو يوزن لنا من برتقاله الناضج وتفاحه الريّان وخوخه الطافح بالوبر، ويقول للزبائن وهو يضحك: “الفواكه والخضروات هي مراكبنا للابتعاد عن جوع القرى”.

ويلتفّ الجائعون حول (أبو أنور) ليقودهم ذات فرمان إلى الشهادة على سواتر (سيباى).

ليس للفقراء أجنحة ملائكة يا (خدر) بل سواعد محاربين، والسواتر هي مقابر المحاربين والمحطة الأخيرة التي يرتاحون فيها من السفر والترحال ويودعون الحزن والدموع، وفي الصباح ترسل لنا أمّنا الشمس سفنا ونكون في منافي الغيوم والدعاء وحده يسمو بنا نحن معشر المحاربين، ثم نؤثث للمستقبل هنا بين النجوم وليس فينا من يقلق على صغاره فلم يعد في قرارة الكأس سوى بطاقة سفر على متن سفينة النبي نوح مع الأصحاب وفي الطوفان القادم سنكون نحن الحمائم وسنبحث عن أرض جديدة؛ لنزرع التين والزيتون، وهذه المرّة سنتوكأ على عصا الأب، والأم وحدها ستكون آهتنا في الغربة.

وبعد استشهاد الأب تلملم العائلة دموعها وآهاتها في نزوحها إلى المخيمات، وكلما جلس (أنور) الصغير إلى المائدة صباحا، أو مساء أحسّ بشيء ينقصهم كعائلة.

لما لم يعد يحضر الفرح إلى مائدتنا يا أمي؟

ليس هجر أعمامه إلى مدن ملاعب (البوندسليغا)، ولكن ضحكة أبيه هي التي تنقصه ويفتقدها بشدة. يفتقدها عندما تمطر الدنيا وتمتلئ الخيمة بالماء والأطفال يبكون والأم تحزن، وعندما تزمجر الريح ويشتد البرد والأطفال يرتجفون والأم تحزن وعندما يفتقدون الطعام الذي كان يجلبه لهم الأب وينامون على جوع والأم تحزن، وعندما يسأل (أنور) نفسه:

“إن كان أبي قد ذهب ليخبر (شرفدين) ما حصل لنا، فلماذا أعمامي تركوني هنا أنتظر وحدي وهاجروا إلى بلاد الألمان”؟ ولم يقدر الصغير أن يجيب على أسئلته فيبكي والأم تحزن.

يوما بعد آخر تتباطأ خطواته، فقد ظن أوّل الأمر إنه مجرد عام أو أقل وسيرجع إلى (سيباى) الحبيبة ويقصّ على أصدقائه بفخر ما فعله أبوه على الساتر، كيف كانت (البي كي سي) تلعلع بين يديه ويذيق الأوباش طعم طلقاته وهو يلتفت إلى رفاقه ويصرخ ملء فمه:

“هولا، هولا، هولا طاوسي ملكا”، وكيف كان الرفاق يهلهلون على السواتر ويطلقون النار من بنادقهم برشقات متقطعة وسريعة تفصل بينها قول (هولا) من أبيه الحبيب. كان سيقول متفاخرا بأنه سيواصل السير على خطى والده وفي دربه المجيد، وكانت العيون ستتوسع بذكر بطولات أبيه وأمجاده، ولكن الأمر طال سنة بعد أخرى وطال أمد النزوح وطالت الغيبة عن (سيباى) والناس لم تعد تهمها البطولات بقدر اهتمامها بالطعام والدفء ولم يعد يهتمون بسيرة الأبطال بقدر الحديث عن الفيسبوك ومباريات (ريال) و (برشلونة).

لم يفهم (أنور) كيف أصبح ربّا للأسرة فجأة، كيف صار مسؤولا عن أخوته وأمه الحزينة، ولماذا عليه أن يهتم بكلّ شيء، وكلّ شيء من مسؤوليته الآن من أصغر حاجة إلى تقديم الواجبات الاجتماعية، ولا أحد يلتفت إليه ويهتم به فهو بحاجة إلى أن يلعب لا أن يقدم واجب العزاء عند موت أحدهم، وعليه أن يذهب إلى المدرسة ويدرس لا أن يأخذ شقيقه المريض إلى المستشفى، والمفروض أن يأتي إلى البيت متأخرا فيجد العشاء جاهزا لا أن يهتم بشراء ما يحتاجونه من طعام. وعندما يكون وحده ينادي بصوت مسموع:

“أين أنت يا أبي، لماذا رحلت، ولماذا لا تعود من رحلتك. وأنتم يا أعمامي لماذا تركتموني وحيدا أتحمل مسؤولية كلّ شيء، وأنت يا أمي لماذا تبدين حزينة طول الوقت”؟

حتى المدرسة لم تعد تثير اهتمامه كما في بداية النزوح ولا يجد حواليه الأصدقاء ليقول لهم ما يشعر به، لا يتحمل أكثر وعليه أن يجد حلا، ولكن ما هو الحلّ؟ وأين هو؟

ويسير على غير هدى وحيدا ويتمتم مع نفسه قائلا:

ربمّا عليّ أن اذهب وأقنع أبي بالعودة فلا جدوى من بقاءه هناك دوننا، أو أذهب والتحق به وأوصي أمّي بأن لا تبكي ولا تحزن فوصايا الراحلين واجب تنفيذها لذلك لن تبكي ولن تحزن بعد الآن.

طوال سنوات النزوح كنت على أمل أن تمنحني (مالا آديا) سرّا من أسرارها وأغدو قادرا على اجتياز المحنة، ولا أدري إن كان عليّ أن أضحى أولا، ثم أنتظر المعجزة أم أقوم بالتضحية بعد المعجزة.

البير (هسنالكا) وضع رأسه تحت القدر في مطبخ (شيخادي) لتكون جمجمته كما الجبل ثالثة الأثافي، فنجى من الحرق، وأصبح لونه داكنا، أريد أن أكون غير قابل للحرق حتى إذا أطلق النار عليّ من قبل الأعداء أسلم من الرمي، أو أطير أو أصبح غير مرئيا وقويّا، أو.. لا أدرى فقد أبقى قابعا في الخيمة ولا أخرج منها، أتمدد هنا ولا أحرك ساكنا، أفكر بزهور نيسان والعيد و(سيباى) وأصدقائي ودكان أبي وضحكته.

هذا ليس مناسبا، أنا في حلم، وأريد أن أفيق منه، فأنا مرعوب. حتى في هذا الحلم الشبيه بالكابوس لا أجد أجوبة لأسئلتي: أريد أن أعرف لماذا ذهب أبي بعيدا؟ ألم يحن الوقت ليعود ويطمئن علينا؟ أريد أن أعرف لماذا تركني أعمامي؟ أريد أن أعرف لماذا دائما أمي حزينة؟ أريد أن أعرف لماذا هذا الحمل الثقيل ملقي على عاتقي وحدي؟ أريد أن أعرف لماذا لست قادرا على تحمل هذه المسؤولية، ولماذا لست سعيدا؟

بت أشكك بطبيعتي وبهذا الواقع. هذا حلم وكابوس سأستفيق منه صباحا وسأجد نفسي في دارنا في (سيباى) وستستعجلني أمي لتناول الفطور قبل ذهابي إلى المدرسة وسأسألها عن والدي وستجيبني: “لقد ذهب منذ الفجر إلى (شنكال) ليجلب المزيد من الخضر والفواكه لدكانه وعيك أن تساعده في المساء ففي قريتنا جياع لا حصر لهم يا بني).

استيقظ يا أنور هذا حلم مريع. نعم، حقا أريد أن انهض من النوم ومن هذا الحلم السيء.

لا هذا ليس حلما. أشعر بالخواء بعكس والدي فليس لي هدف في هذه الحياة والدي كان يقول وجودنا في هذه الحياة لنستمتع بجمال الطبيعة ونتماهى معها ونتعلم منها فالأيزيدياتي تعني الطبيعة. أريد أن أكون مثل والدي اتبع فلسفته ولكنني لا أتذكر غير ضحكته ونهوضه في الفجر للدعاء وجلب الطعام للفقراء كما كان يقول. يعطي لجيرانه المحتاجين بالآجل وأحيان كثيرة بالمجان واليوم في هذا المخيم أتحسر على تلك الأيام أنا وأمي وإخوتي بحاجة لمن يساعدنا ويمد يده لنا ولكن لا يوجد سوى الخيال والفراغ والأمنيات التي لا تتحقق.

أشعر بأنني جديد في هذا العالم. أنا لا أفهم ما يجري هنا أريد أن أعود لبيتنا في (سيباى) هناك كل شيء كان مألوفا وطبيعيا. آه، كيف سأتحرر مما أنا فيه. الإمكانيات هنا محدودة ولكن هناك كانت الإمكانيات الذاتية التي يمكن للمرء بواسطتها التغلب على التعقيدات التي تفرزها مراحل التفكير ومحطات العاطفة.

ألا يكفي ما دفعته عائلتنا من ثمن لنعيش بقية أيامنا في سلام. أريد أن اخرج من البيت صباحا وأعود عند الظهر فأرى أمي تبتسم برجوعي وتضحك على النكات التي ألقيها على مسامعها وعندما أقبّل يدها في الأعياد تقبل جبيني بحب وتحدثني عن الطعام التي ستعده ويجب أن أدعو أصدقائي لتناوله. لماذا بعد أن قدم أبي روحه لا تزال عائلته تقدم سعادتها قربانا كلّ يوم ولا تحصل بالمقابل إلا على الدموع والحزن؟

أكره التناقضات في حياتي أقول لأمي أنا متفوق في المدرسة وفي الواقع لا أحب المدرسة ولم أعد أحب الدروس وبدلا أن أزور الأصدقاء بدأ تفكيري يأخذ منحى خطيرا ويقول لي هامسا: “من أرادك ليأتي هو بنفسه إليك”. أني أتغير بل لقد تغيرت، وأشعر بأن أبي ليس راضيا عني بالتأكيد فطريقته كانت تختلف عن طريقتي وأمي ليست سعيدة وأنا محتار ومشوش ولا أدري ما الذي ينبغي عليّ القيام به. ومع ذلك أرهق نفسي بالتفكير وأقول مرارا وتكرارا بأنه قد تتغير حياتنا يوما وهذا اليوم ليس ببعيد وقد تكون أية ساعة من ساعات النهار التي انتظرها أن تتسارع وتتعاقب وفي النهاية لا أدري ما الذي يمكن أن يحصل في ذلك الموعد الذي انتظره بلهفة وأجهل ملامح تلك السعادة وذلك التغير الذي أتوقعه، بت أخاف على نفسي وأنني قد أكون مريضا وأهلوس وتتراءي لي أشياء غير حقيقية وأن مسار حياتي سيتغير نحو الأسوأ بصدفة غير متوقعة.

هناك بعض الأمور أعرفها رغم صغر سني، أعرفها هكذا دون حاجة ليعلمني أحد أو ينبهني إليها فمثلما أعرف أن أبي لن يعود ويوما بعد آخر يبدو لي وكذلك للأخرين أن حجم تضحيته يتضاءل في نظر الناس كذلك أعلم بأن أمي ستستمر في حزنها وأنا سأتأرجح دوما بين دموع أمي وضحكة أبي دون أتعلم الابتسام قط، هكذا اعلم بكل بساطة أن مسار عائلتنا سيكون نحو الهاوية رغم قربنا من واحة الإيمان. ولكن ورغم كل شيء هناك مجال لأمل ضعيف ليعود بي نفس المسار إلى بيادر (سيباى) من جديد وألعب مع أصدقائي بتلك الألعاب التي نسيت أسماءها.

لم أكن على عجلة لملاقاة مصيري والعودة بهيئة وجسم آخر لو لا وثوقي التام أن البقاء يشبه اجترار عنزة لورق البلوط اليابس.

أرغب أن يخبرني أحدهم بأنني مخطئ، وعليّ أن أفعل خلاف ما أقوم به، أريد أن يقول أحدهم بأنك على صواب ويشجعني على ما أفعله. فقط أريد شخصا بجانبي معي أو ضدي لا يهم فأنا اشعر بالوحدة وخائف، ويوما بعد آخر أفقد براعتي في التعامل مع الناس، في الحديث مع المعارف، في الخروج مع الأصدقاء، وفي الابتسام بوجه والدتي.

لا اعرف كلمات ومصطلحات كبيرة ومعقدة تؤيد حالتي! كلّ ما أعرفه بأننا لسنا سعداء وأنني بالذات أريد الرحيل من هنا بسرعة. لو كان بالإمكان إعادة بناء الأفكار والمشاعر وترتيب الذاكرة من جديد لاخترت نسخة تطابق تلك التي كان يعتمرها والدي فقط لأنهي حزن أمي وأجعلها سعيدة.

الحزن معدي يا أمي دموعك جعلت مني إنسانا قلقا يود الخروج من جلده. دموعك تحكي لي قصص أربع وسبعون فرمانا كل يوم تتحطم روحي ولا أقدر على النهوض. أرى جثث أبناء عشيرتي على سواتر (سيباى) وفي ساحاتها وشوارعها دون أن يدفنها أحد. أشعر بها تعفنت ثم بقيت العظام فقط. كان أبي سيطلب مجيء القوّالين ليعزفوا على شباباتهم عند وداعه الأخير، وكان سيوّد سماع قول (الترقين) قبل أن يدفن في مقبرة (كرى كور) ولكنني أراه ورفاقه من خلال دموعه وهم متروكين على السواتر عظاما تشير إلى قسوة هذا الزمان الذي لا نستطيع فيه دفن موتانا، وكأن يديه لم تكونا منبسطتين يوما لفعل الخير ولصد الأعداء.

هذه الخيام يا أمي، وهذه المدن، ليس الجواب الذي ابحث عنه لسؤال أبي ولأسئلتي من بعده. هذه متاهة لروحي ولا أجد الطريق المناسب للخروج منها بل لا أعرف دربا لأسير عليه حتى لو كان الدرب يؤدي إلى متاهة أخرى داخل هذه.

أوَجدوا لي لعبة أسسها أبي بمرح، وأمي تريد أن تنهيها بحزن، واستمريت باللعب بينهما حتى أدركت بأنني ألعب بين جثث الموتى وضحكتهم وحزن الأرامل وعجزهم وبأنني انتمى للطرفين وتائه بين مداريهما.

والمضحك أن البعض ينصحوني بل يؤكدون على إيجاد نفسي في هذه اللجّة. كيف يمكن أن يجد المرء نفسه ويكتشف ذاته وهو تائه وفي نفس الوقت جالس بلا حراك.

حاولت بكل طاقتي، ويقول لي البعض أنك قريب يا (أنور) ولكنني لم أفهم شيئا لا أفهم المكان ولا الزمان يحتويني ولا الذكريات تمدّني بالقوّة وأشعر بأن كلّ شيء كاذب وخادع وعلى أن اسلك طريقا مختصرا.

يقولون لي المهم أنك حيّ ولا يعرفون معنى أن تكون حيّا حللت المعنى في طفولتي عندما كنت أرافق والدي إلى دكانه المليء بالتفاح والآن أحاول استرجاع تلك الصورة فتزحف جيوش الدود على التفاح فأشيح بنظري، فيقهقه أبي وتبكي أمي وأبدا من جديد، ولكنني أجد نفسي فجأة وقد كبرت وأجد أبي غائبا ولاتزال أمي تبكي.

خذلني الجميع ولا أحد يريد التحدث عن ذلك. ولكن لا أزال أملك خيارا إضافيا لم يخطر ببال أحد، ويمكن معه أن انهي عذابي اليومي والمستمر وفي المقابل على أمي أن تكف عن النحيب والبكاء.

أرجوك يا أمي لا تبكي عليّ.

لا أقدر على تغيير هذا المكان الذي لا أحبه ولكن بوسعي مغادرته وإلى الأبد. قد أفاجئكم ولكنه بالنسبة لي تكملة لمشواري الذي لم انهه. سأعود أدراجي إلى (سيباى) ومن يدري فلو كان هذا حلما سأستيقظ على تمتمة أبي وهو يردد دعاء الفجر وأتنفس الصعداء وينتهي كلّ شيء وسيبدأ من جديد كما أريده وكما تتمناه أمّي.

ماذا لو قال لك أحدهم أن المتاهة التي أنت فيها لها موقع وإن المتاهة نفسها مجرد مكان وموقع معلوم وإنك لست تائها، فلسنا (يهودا) ولم نهرب من مصر ولسنا في صحراء سيناء. ولكنك لا تريد أن تتسلق زوبعة وترتفع لتكون كالصقر وترى موقع المتاهة وكم هي صغيرة فتكتفي بقول جارك الذي يسر في أذنيك قائلا: بل نشبه اليهود إلى حد كبير فنحن مثلهم هاربون من بطش الظلم وتائهون بين (شنكال) و(برلين) فيصيبك الإحباط وتبدأ دورة توّهانك من جديد.

والمتاهة الصغيرة للخيمة ليست زقوّرة سومرية لتتسلقها، الرحلة إلى المتاهة هي للداخل كلما ازداد وعيك بالمكان وأخذت تدرك كنهك كمن يتنفس بوعي عندما يبدأ تأمله الصباحي ستتسارع خطواتك للسير نحو داخلك وستكون المتاهة روحية ويتراجع المكان للصفوف الخلفية. الخروج منها سرّ لا يعرفه غير المحاربين، نعم من يمتلك الشجاعة وحده قادر على الخروج وليس من يمتلك الوعي، ومن يمتلك كلاهما سيرتفع إلى الأعلى ويكون كالجبل.

حلل أبي هذا الأمر مرّة وأدرك أن الخروج يتطلب شجاعة الدخول إليه أولا والتظاهر بالجنون فالجنون هو وجه من أوجه الشجاعة والشجاعة طريق الحرية والحرية احدى أجنحة الحقيقة التي سار خلفها.

أمأ أنا، أنا لا أزال صغيرا ولا أقدر على الطيران وحدي لا أزال طفلا ولا أزال أبكي عندما أرى أمّي حزينة. فقط لو تتاح لي فرصة للقتال مثل أبي.

عندما ولدت كنت أبكي وأبي يضحك كالعادة وأمي كانت تبتسم وأن ذهبت فستبكي أمي؛ لذا سأوصيها ألا تبكي، ولكنني لا أعرف ماذا سيكون حال أبي: هل سيضحك كما كان يفعل لذهابي إليه أم سيحزن؟ كان لأبي هدف وقد حققه أما أنا فليس لي هدف لذا عليّ الالتحاق به. بقية الأمور ستجري كما هو مقدر لها؛ لذا أنا مطمئن.

وبعد أن وضع الحبل حول رقبته، همس له الموت ساخرا:

ها هو أبن المحارب الشجاع ينزع روحه وكأنها دشداشة تحتاج إلى الغسل من أجل مهمّة تافهة. ولكي يفحم الموت كما فعلها أبوه من قبل قال مبتسما:

لا فرق بين المحارب والفقير عندما يكون ضيفا على بابك. فقال الموت منتصرا:”وليس عليّ إلا أن أرحب بك وأدعوك للدخول”.

أديب عراقي يقيم في ألمانيا

[email protected]