“ليتني عصفورة جنة” قصة قصيرة للكاتبة السودانية رانيا مأمون

رانيا مأمون

رنَّت ضحكةُ الطفلة في أُذني كموسيقى شقيَّة. التفتُ إليها، كانت تحمل دميتها وتجري في صالة المطار بنشاطٍ لا يناسب الوقت، وانطلاقِ من يملك العالم. عندما حاذتني أبطأتْ سرعتها وكادت أن تتوقف وهي تنظر إليَّ كأنني فاجأتُ عالمها الجميل بحضوري، ابتسمتُ لها ابتسامة معتذرة ولوَّحتُ لها بيدي، رفعتْ يدها في تلويحةٍ عجولة كأنها تقول لي: “لا بأس حتى لو كنتِ هنا” وواصلت في جريها وأمها تنادي عليها مسرعةً في خطاها.

الوقت الثالثة صباحاً، الصالة شبه خالية، يعبرها من حينٍ لآخر مسافرون خفاف الخطى، كلٌّ يحاول اللِّحاق بوجهته. الصالة تماماً كالمطار؛ مَعْبر بالنسبة لهم، عدا أنها أكثر من ذلك بالنسبة لي. أنا هنا منذ أكثر من أسبوع، على هذا المقعد الذي أستخدمه كسريرٍ أيضاً. الجميل في المطارات الحُريَّة اللطيفة التي تسمح لك بالجلوس في أيِّ مكان، لا أحد يطالبك بإخلاء المقعد أو بالانتقال أو المغادرة. أجلس هنا فقيرة من كل شيء. نفدت نقودي القليلة التي كانت معي، آخر قطعة بسكويت من زوادتي أكلتُها قبل يومين، أكلتُ نصفها في الصباح، والنِّصف الآخر في المساء، وندمتُ.

أذهب إلى الحمام الذي يقابلني مرة أو مرتين في اليوم، وأشرب من الحنفية المجاورة له كلما قرصني الجوع، وربما أصمد على الماء لأسبوعٍ آخر أو يزيد قليلاً، بعدها قد أضطر أن أفعل كما فعلتْ الفتاة عندما خطفتْ دجاجةً من مكنة الشواء في مطعم وجرت بأقصى سرعة ليلحقها مالك المطعم والعمال، وبدأت تأكل منها إلى أن وصلوا إليها محاولين انتزاعها منها، صرخت بهم وهي متمسِّكة بالدجاجة قائلة: “لن أموت جوعاً”. نازعوها ونازعتهم فيها إلى أن تركوها لها بعد أن وقع نصفها على الأرض متمرغاً بالتراب. أو ربما أفعل ما فعله ذاك الشاعر، الذي عندما هزمه الجوع وقف وقرأ شعراً لـ تي إس إليوت في وسط أحد المطارات، فاحتوته مسافرةٌ انجليزية مُحِبة للشاعر وأطعمته.

أحبُّ السَّفر منذ أدركتُ حقيقة أنَّ العالم لا ينحصر في مدينتي ودمدني، وأنه أكبر من أن يَسعه خيالي، السَّفر دون ارتباط بوجهةٍ معينة، إنما السفر إلى أي مكان وإلى كل الأماكن. كنتُ مثل الطفلة الضاحكة التي عبرتْني قبل قليل أظنُّ أن العالم في جيبي قطعة حلوى.

في طفولتي تعلَّق بصري بالسماء وتمنيتُ أن أسافر إليها وأرى ماذا بعدها، ماذا يوجد خلف الغيوم والسحب والنجوم، ماذا يوجد جوار الشمس وأين تذهب عندما تختفي. وقتها كانت هناك فترات معينة تكثر فيها طائرات صغيرة تحلِّق على ارتفاع منخفض. كنتُ كلما سمعتُ صوت هديرها أخرج إلى الحوش وأظلُّ أقفز وأصرخ وألوِّح بيدي موقنة أن ركابها يرونني ويبادلوني التحايا. أجري في زوايا الحوش كله وأحاول حجب أشعة الشمس الواقعة على عيني وأواصل بإيقاعٍ معين في ترديد: “الطيارة.. نمرة تلاتة”، “الطيارة.. نمرة تلاتة” دون أن أعرف حتى الآن سرّ ارتباط الرقم ثلاثة بالطائرة. لا أدري إن كنتُ سمعتها من شخص آخر أم ابتكرتها أم أنها كانت أغنية الطائرات التي يترنم بها الصغار، وبقيتْ في ذهني مطلع أغنية لم تكتمل. على الأرض، كنتُ أتحرك بفرحٍ يخفُّ معه ثقل جسدي وغاب عن إدراكي أن هذه الطائرات لا تحمل ركاباً مسافرين، إنما هي طائرات رشّْ المبيدات الحشريَّة.

تمنيتُ لو أنني جئتُ إلى هذا الوجود بهيئة طائر من تلك الطيور الصغيرة الملوَّنة التي نسميها طيور الجنة. أحبُّ رقتها ولطفها وجمالها، أحبُّ انعكاس أشعة الشمس على ريشها الأزرق اللَّامع، أصواتها الرفيعة وتنقلها السَّلس بين أذرع الشجر. كانت تأتي في أوقاتٍ معينة من العام، تزورنا صباحاً وعصراً، وتبقى وقتاً على شجرة النِّيم في بيتنا أو الشجرات الثلاث أمام البيت، كنتُ أجلس عصراً على عتبة بيتنا أستمع إلى أصواتها وبهجتها وأتنقل معها من فرعٍ إلى آخر، وبصفاءٍ شديد أستغرق في تأملها، كان كالصَّلاة حلو ومريح، ولأنها تغيب وتحضر ظننتُ فعلاً أنها تأتي من الجنة، والفترة ما بين الغياب والحضور هي المسافة ما بين الأرض ِوالسماء. كانت طيوراً صغيرة بإمكاني حمل أحدها على راحة يدي، لكن حجمها لم يمنعني من تخيُّل نفسي عصفورة جنة، بريشٍ ملَّون ورأسٍ جميل وعينين كحيلتين ولديَّ جناحين.

خبأتُ أمنيتي كسرٍّ صغير داخل قلبي، أهرب إليها كلما حاصرني الضِّيق.

أخرجتُ أمنيتي أول مرة في تلك الأمسيَّة بعد رحيل أمي بقليل، عندما بدأ الحزن يزحف نحو قلبي. حدث ذلك بعدما ذهبتُ مع بنات وأبناء الجيران في رحلةٍ نهاريَّة خريفيَّة إلى قرية مجاورة لمدينتي، لم تكن المسافة بعيدة، ربما خمس وأربعون دقيقة فقط، لكنها في تقدير فتاة في الحادية عشرة كانت سفراً، وكانت المرة الأولى التي أتعدَّى فيها حدود المدينة. أذهلني الأخضر الذي فرش الأرض، أخضرٌ طازج ومفرهد، حقول الخضروات امتدت أمامنا وحولنا لم نعرف أيُّها نختار، صرنا كالقطط نجري هنا حيناً وهناك حيناً، وملأتني الرائحة. رائحةُ الأرض بعد المطر تذكّرني بأمي، لا تشبه رائحة أمي في شيء، لكنها تشبه أمي ذاتها، تشعرني بشعورٍ مريح كأنه الأمان، رائحةٌ تتفتَّقُ كالفجرِ تماثلُ البدايات.

لن أنسى تلك النَّهارية، ذهبنا إلى القنال الرئيسي الذي يسقي الحقول، لعبنا بالماء واغتسلنا به. لاحقنا الطيور، جرينا وقفزنا وتلطخنا بالطين وأكلنا طماطم طازجة عالقة بها بقايا من التربة، والأهم من كل هذا كنا فرحين.

فرحة استقبلها أحمد أخي عند عودتي مساءً بالسِّياط والسباب والصراخ لأنني ذهبتُ دون إذنه، ضربني ضرباً شديداً جعل جسدي يرتعش من الألم، ومنعني من الخروج من البيت.

في تلك الليلة أخرجتُ سرِّي الصغير وتغطيتُ به كاللِّحاف الحميم، نمتُ وحلمتُ بأمي.

منذ ذلك الحين ينشقُّ جرحٌ بداخلي بامتداد المسافة التي أرغب في الذهاب إليها.

تربى معي حلم عزيز منذ أن كنتُ في سنِّ الثانية عشر: أن أدرس في جامعة الخرطوم مثل أشواق ابنة عمي الشابة الممتلئة حيوية والتي سقتْ فيَّ هذا الحلم بقصصها عن الجامعة. عندما تمَّ قبولي فيها غمرت السعادة قلبي بتحقُّق حلمي، حلم السفر والإقامة في الخرطوم والابتعاد عن كل هذا التَّعب. ذهبتُ بفرحتي إلى أخي أحمد وأخبرته، كان حينها يلاعب ابنه الرضيع، قال دون أن يلتفت إليَّ: (ما ح تمشي تقري في الخرطوم ولا في أي مكان، ح تقري هنا بس)! وواصل في ملاعبته لابنه.

أجبرني أحمد الذي يراني دوماً الخطأ في عالمٍ صحيح على الدراسة في جامعة الجزيرة في مدني. درستُ ببطءٍ شديد، قضيتُ كل سنة في سنتين. في السنة النهائية نُظمت لنا رحلة علمية إلى مدينة بورتسودان كتقليد سنوي كل عام، وهي الرحلة التي كنتُ أتمناها وأخشاها في ذات الوقت. كنتُ أنا الوحيدة من كل الدفعة التي لم تركب الباص. كان زميلاتي وزملائي يلوِّحون لي من النوافذ وأنا أقف أمام الكلية في وداعهم، لم أستطع رفع يدي لهم. كان الحماس يتقافز وسط ضحكاتهم وهرجهم، في حين انفجر شيءٌ مرٌ في قاع أحشائي وبدأ في الصعود رويداً رويداً إلى الأعلى.

أخيراً رفعتُ يدي ملوِّحة لكنها أبداً لم تصل كتفي. تحرك الباص، فوراً بدأوا في الغناء. وقفتُ هناك وحدي أنظر إلى أثر إطارات الباص على التراب. شعرتُ بوحشةٍ، وحشة كلمة دون حروف، ولم أذهب بعدها إلى الجامعة مطلقاً.

وها أنا الآن وحدي مجدداً يتآكلني الصَّدأ.

بردٌ وجوع شديد داهمني، حملتُ نفسي إلى الحنفيَّة وشربتُ، غسلت وجهي ونظرت إليه في المرآة. بدا وجهي مجهداً وأظن أنني فقدتُ بعض الوزن، والأكيد أن نصف شعري صار أبيض. تذكرتُ أشواق، نَضَارتها وشعرها الفاحم، كأنها عبرتْ كل هذه السنين كفكرة ولم تعشها قط. لا بدَّ أنها تنتظر مكالمتي لها منذ أيام وأنها الآن تواجِّه عاصفة اختفائي.

لا أدري ما الذي حدث لي بالضبط في ذلك اليوم، أذكر أنني كنتُ سعيدة كتلك الطفلة عندما دخلتُ مطار الخرطوم قبل أكثر من اسبوع. وحدها أشواق كانت في وداعي، وهي الوحيدة التي تعرف عن سفري. لحظة ركوبي الطائرة ظننتُ أنني أترك كل شيء خلفي وأبدأ حياتي الحقيقية، الحياة التي أريدها والتي حشدتُ فيها كل أحلامي وأمنياتي. كل شيء كان مرتباً، سأقضي سبع ساعات ترانزيت في هذا المطار، بعدها أصعد على طائرة أخرى إلى وجهتي، وهناك ينتظرني علي صديق أشواق.

قضيتُ ساعات الانتظار وأنا أتجوَّل في المطار، تعرَّفتُ على أماكن تسمّى الأسواق الحرة وصافحتُ بعض موظفيها. ابتسمتُ لكل من وقعت عيني على عينه، وعندما ذهبتُ إلى الحمام اقتسمتُ مع عاملة النظافة نصف ما معي من نقود. انتظرتُ بمتعة، لم أنظر ولا مرة للساعة، لم أشعر ببطء الزمن أو أتوَّهم سرعته، إنما قضيته مثل مَنْ يجرِّب الأشياء لأول مرة متذوقاً إحساسه بها.

عندما حان ميقات الصعود إلى الطائرة، وقفتُ كغيري في الصَّف، أجرُّ خلفي حقيبتي التي بدتْ لي ثقيلة. لحظة شرع الناسُ في التقدُّم تسمَّرتُ مكاني. نداءٌ غامضٌ أو شيءٌ خفيٌّ شدَّني على الثبات. تحرَّك الصَّف وأنا في مكاني. تقدَّم أكثر وظللتُ واقفة. حثَّني من هم خلفي على التحرُّك، لم أستطع. تذمرواً، لم أبالِ. علا صوتهم، لم أهتم. انحرف الصَّف متجاوزاً وقوفي العتيد. جاء موظف وتحدث معي، لم أعِ ما قاله. أمسكني من يدي وأوقفني في مكان بعيد. عمَّاني الخوف، شعرتُ بمغصٍ حاد في معدتي ودبيب حمَّى في مفاصلي، خارت قواي ووقعتُ على الأرض. لم أفقد الوعيّ، ولكني لم أستطع إدراك أي شيء أو فعل أي شيء.

ذهب الجميع وبقيتُ هنا. بقيتُ وحدي كالمنفى.

نظرتُ إلى وجهي في المرآةِ مجدداً، لقد كبرتُ وصغرتْ أمنيتي.

 

تُرجمت هذه القصة إلى الإنجليزية ونُشرت في كتاب Banthology الصَّادر عن دار Comma Press في إنجلترا 2018

 

[email protected]