ما يقال عند دخول المرء إلى قاعة العدالة المطلقة قصائد للشاعر المصري أحمد فوزي صالح

أحمد فوزي صالح، شاعر ومخرج سينمائي مصري، تصوير صالح زمانان

 

 

يا أبي

 

تموت أمى والثورة لم تأت يا أبي، تعرف بضعة جنيهات تبقيها على قيد الحياة وجيوب بنطالى تحكم تدفئة يديّ. أنا بلا عمل يا أبي، حسنات الخالة تحافظ بالكاد على حميمية جهازنا الهضمى … والله لست سيئا، فكل ما عليّ أن أغمض عيني ليأتى خلاص، الشوارع طيبة تمنحنى كل شىء ..

فى الجامعة سلمونا عن طيب خاطر لرجال الأمن، الزملاء، بعد أن تغامزوا على ثوريتنا يا أبي

قالوا إنها لمغازلة الفتيات، والفتيات لا يأتين – فى الغالب – يا أبي إلا لحاملى الماركات مرسيدس .. رولكس .. أديداس .. فيرساتشى .. هوجو .. والواقى الذكرى ماركة آمون … وأمى يزداد طينها بلة يا أبي.

لا يرتاح لنا أرباب العمل يا أبي، نثرثر ولا ننتج، العمال تغامزوا، تلامزوا وصرخوا فى وجوهنا: لدينا صغار، كنا نحن الاتفاق الوحيد بينهم وبين أرباب العمل: صِيَّع.

صيع فشل الأهل فى تربيتهم فاتسعت عيونهم بالحقد.

 

صحيح – لماذا لم تربينى يا أبي؟

أغفر لك، كنت تجمع القروش والجنيهات لأجل أن تهرب بنا بعيدا عن بؤس متوقع، لكنك عنفتني وضربتنى لأجل معلم الصف، لم تسمع يا أبي.

 

لماذا استمتعت مطواتي حين تدلت أمعاء معلم الصف؟

 

كانت أيادينا أنا وزميل مقعد الدراسة – الذى ليس له رائحة سوى الجمال – تتكشف الشعيرات التى تنبنت ببطء تحت الجينز، متناسيا أن والده لديه نسر ونجوم ثلاث، اهتاج المعلم وهياجه كفيل بأن يمسح بدمي بلاطات الفصل، دمي القليل فى الأصل كما تقول الحكيمة جارتنا دائما (طيبة تلك الجارة)، يقول زميل مقعد الدراسة عن دمي إنه شربات مكرر ورأسه على صدري – بعد نكتة فاحشة، لم يكتف معلم الصف بسيارة الداخلية البيجو البيضاء التى تحافظ عليه (زميل مقعد الدراسة) يوميا تكريما لنسر والده ونجومه الثلاث، يهجرنى زميل الدراسة بسبب فعلة معلم الصف هذا.

 

ماذا تنتظر منى يا أبي و«رامبو» الفيلم فى فيديو الحكيمة الجارة ينتقم من الجميع ماعدا معلم الصف، والمطواة لم تكن تقصد إلا إعادة شقاك من كروشهم يا أبي.

 

تضربني يا أبي لأمعاء معلم الصف ، تنصحني بالاجتهاد في تحصيل العلم وأكل الكتب، الكتب تقول ما تقول يا أبي، لذا فلنجرب حكمة أفضل.

 

كنا صغارا يا أبي وريقنا يجري ناشفا فى حلوقنا وزجاجات الكاكولا فى يد قلة منا، يفصل ما بيننا وبين متعة الكاكولا عشرة قروش يا أبي. بسيط الأمر خطفنا الزجاجات والعم بائعها يلطم خديه: مش بتاعتي يا ولاد الأفاعي.

 

الحكيمة الجارة تضحك لى وتشد بنطالي الكستور لأسفل وتقطف من بلحي الأحمر، لديها طعام لا أعرفه و«رامبو» فى السهرة، لديها ثديان طريان وهوة بين فخذيها، ورائحة طيبة ستهبها لنا من أجل غُسلك يا أبى.

 

ما يقال عند دخول المرء إلى قاعة العدالة المطلقة وتبرئة نفسه من كل فعل مشين

 

أنا حوشي

أستخدم يدي في الكلام

وأشخر للأعتراض

وفمي لا يخلو من السباب

بصوت عال دوما أتكلم

لا أعرف سلوكيات الموائد

أنا حوشي يا أبناء الأفاعي

لم يعلمني أبي أخلاقكم الرفيعة

ليس تقصيرا منه

بل لأنه مات وأنا في الخامسة عشر

فخرجت مضطرا للشارع

دخنت المخدرات

عاشرت فتيان

ضربت فتيات الأحياء النظيفة علي طيازهن

قبضت نهودهن غصبا

سرقت بمبرر وبلا مبرر

كذبت

تبولت في الشارع، في البحر والنهر

عذبت حيوانات

نظرت لعورات الرجال و النساء

بل حاولت الكشف عن عورة طفلة في الثانية من عمرها

ذكرت اسمي قبل اسم الله

وشيت بزميلي في العمل عند رب العمل

تسببت بكل تأكيد في تعاسة أحدهم

تركت جائعا

تسببت في دموع

ربما، لم أقتل

عذبت زميل دراستي المسيحي لأنه مسيحي

غششت و خدعت

أطفئت ناراً عند أهمية إشعالها

صليت دون وضوء

لكن ليس لكل ما تقدم أكرهكم

أكرهكم لأنني أبكي الآن

أكرهكم

لأنني بكيت كثيرا بسبب وبلا سبب.

 

عادة ما يساء فهمنا

 

عادة ما يتم تنميطنا لصوصا عاهرات قوادين موزعي مخدرات قاطعي طريق مأجورين و و و و و

بعضهم يشفق علينا وبعضهم يبكي لكن تمضي حيواتهم .. عادة

يظنون أننا لا نحب

لا نلمس الموسيقي

لا نكتب الألوان

لا نسمع الصور

بعضهم يشفق علينا و بعضهم يبكي لكن تمضي حيواتهم .. عادة

يتحاشون دخول بيوتنا

وإذا أتت بهم الشفقة لعزاء واحد منا يرفضون قهوتنا وينكرون طعامنا

يظنون أن النظافة تخاصمنا

مع أن لنا أمهات يغسلن ملاءات الأسرّة في قلوبهن

يكرهون صوتنا المرتفع

يكرهون تعرقنا بعد يوم عمل

يكرهون ملابسنا التي تخدش الموضة

بعضهم يشفق علينا وبعضهم يبكي لكن تمضي حيواتهم .. عادة

بعضهم يربت علي ظهورنا

ويبتسم

بعدها يصمك بالجنون إذا بادلت ابنته الحب

بعضهم يشفق علينا وبعضهم يبكي لكن تمضي حيواتهم .. عادة

 

 مقاطع

 

اليوم تذكرت أبي و قررت أن أحمل باقة ورد إليه بيد وبالأخري طفلي، وأحدثه أنني سامحته وأن من أفسد الود بيننا فرويد، لذا ذهبت إلي منزلي بالمعادي على غير عادتي) و مزقت كتب فرويد .. بالمساء علي مقهي في الزمالك جاءت سيرة أبي فطفحت كلماتي مرارة مَن لم يسامح بعد.

 

***

كلما أنصت إلي رمضان البرنس .. بكيت

كنت طفلا لأم تحاول دخول جنة البرجوازية، تمنعني من الشارع وأصدقاء السوء فمن جاور السعيد يسعد، أخذني «أحمد» من يدي إلي شوارع نحمل فيها القرن غزال، ونسرق قبلات في مداخل بيوت، نركب الموتوسيكلات ونلامس أجساد بنات في شوارع ليست لنا.

قبل الذهاب إلي الجامعة، أطلق «أحمد» لحيته، كسر قلبي خاصمني لأني من «الذين ختم الله علي قلوبهم».

أسمع كل هذه الأغاني التي تتعالى عليها طبقتي الحقيرة هذه، لأجلك، أطلب من البحر والهواء أن يحملها إليك في زنزانتك بسجن جمصة شديد الحراسة ..

«وأنا هنا وحيد .. لا حبايب لا قرايب لا سهر لا نجوم تضوي في ليلي لا قمر .. ايه كان جري لكل ده؟ نعيش بعاد بالشكل ده؟».

 

***

نشرب و لا ننسى

صفعات البوليس لكل واحد منا يخرج بره سور العزبة

نشرب و لا ننسى

واحد صاحبنا قتله ضابط بالأمس

نشرب و لا ننسى

كيف ينظرون لوجوهنا المتعبة

نشرب و لا ننسى.

 

***

قصيدة صغيرة إلي حسن الصباح

لعله يصير يوما قديسا يتبعه المعوزون الغاضبون كاتمو الغيظ

ليسأل رجال الشرطة

من قتل السهروردي؟

و من قتل روزا؟

و يقيم ميزان العدل.

 

***

عن الشعر

يرهقنى المجاز

لأغلف الجوع بشاعرية

تدمى القلوب.

 

***

صباح الخير

الجملة السابقة نتاج سنين من تهذيب حوشيتي، كطفل صغير يصرون علي تعليمي ما يسمونه (الأخلاق)، ناقشتهم مرارا متحصنا بما كتبه تروتسكي عن أخلاقنا وأخلاقهم، يسبون الفلسفة لأنها تتعب القلب.

أحمد

لماذا كتبت ما فات؟

ربما الولع بالكتابة

ماذا تريد قوله لهذا العالم بعد صباح الخير هذه؟

سأقتل كثيرا منكم، ما لا تعرفونه أنني أصنع قائمة بأسمائكم:

 

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)﴾.

 

***

لم يكن لزاما

لابن خادمة المنازل

الحب

الأفلام

الموسيقى

بنات بورجوازيات

يتركن له حائطا ملطخا

بلوعة شعراء

هزمتهم الطبقية

لم يكن لزاما

لابن خادمة المنازل

أن يزرع حبيبته

تحت الوسادة

لتنبت قشعريرة

فى جسده

يحكها بدمعات

العدل

الحرية

المساواة

 

لم يكن لزاما

لبائسة

تخدم المنازل

إن تمنح العالم

دمعة

يسميها البعض

ابنا.

 

***

بكيت في بلفيل

بكيت في جراند بوليفارد

بكيت كثيرا اليوم

لا أقول ذلك لأدفعك للشفقة

أقول ذلك كشعر -هكذا أظن-

كيف يعمل الحب؟

كيف تعمل الكراهية؟

كيف يعمل القلب؟

 

لماذا أبكي الآن

ذهبت لأضاجع إحداهن -آسف أن أقول ذلك – فشلت

ليس مرة ولا اثنتين ولا حتي ثلاث، أربع مرات

لم أبكِ بل ابتسمت.

 

أقول كيف لمثلي أن يحب؟

لكنني بكيت في بلفيل حين عنفتِني دون ذنب جنيت

كيف يعمل الحب؟

كيف تعمل الكراهية؟

 

بكيت في جراند بوليفارد وأنا اكتب لك ما لن تودي قراءته.

 

***

في كاتدرائية Reims (تنطق غانس) شردت في رسومات مارك شاجال، التي ذهبتُ لها خصيصا كل هذه الآلاف من الكيلومترات، بالطبع، ليس لوجهك، حاولت جاهدا أن أتذكر قصيدة لشاعر سوريالي اسمه أحمد راسم يقول فيها إن المساجد ليس بها سوي الله، لم أفلح، وكذلك جوجل، أرسلت إليك رسالة مقتضبة، ترددت أمام تمثال للعذراء تحمل المسيح طفلا، ترددت، أن أشعل شمعة، رددت: مدد يا ماما مدد يا زينب، الآن وأنا أكتب هذا اللغو، تذكرت أنني صليت كثيرا في حضرة الحسين، لأنك أخبرتِني مرة أنك تحبينه، بكيت، ربما، لا أصلي في حضرة أمي، وأصلي في حضرته، لأجلك، كل هذه الرسائل لا تصلك، مجددا بحثت عن قصيدة راسم، أسمع طنينا في أذني، هو يكتب شعرا صافيا، عكس هذا العبث الذي أخطه في دفتر ملاحظاتي، ولن يصلك.

 

ولجت باب جوجل لقصيدة أحمد راسم

أدهشني حضور الموت علي جوجل، عن ميت شاب يأكل جوجل اسمه، ويشرب، ليس لسبب إلا أنه مات صغير السن، اسمه أحمد راسم، والشاعر تواري في ضل الموت، خفت، ليس من الموت، أنتظره بصبر، وملل، لتزوري قبري…

 

 تساؤلات عن ماهية الوجود من شرفة باريسية

 

صباحا ذهبت لمتحف بيكاسو، لشحذ خيال الروح، والتغلب علي بغضي لهذه المدينة، المتحف صغير، و مقتنياته المهمة (بالنسبة لي) شحيحة ، فسر ذلك صديقي الفرنسي بوجود توسعات في المتحف، الشح ربما فرصة للتأمل، والتبصر، هكذا هدّأتُ روعي، باغتتني عيونها.

عبدالهادي الجزار يجلس في لوحة زميله بابلو المعنونة «بيكاسو وعمله وجمهوره»، الجمهور يعبر سريعا علي لوحة ضخمة و يحفظها علي هاتفه كذكرى، كاستعراض، ليس ليدرسها لاحقا بالطبع، أخمن، لا أحد هنا يشبهها.

في متحف أورسي ضربني هذا السؤال: لماذا يعبر الجمهور سريعا بهاتفه علي الفن؟ وددت الاتصال برفيقي ماجد نادر، لنتبادل هذه التساؤلات الفلسفية العميقة، لم أتصل، لأني اتصلت بها ولم تجب، هربتُ للشوارع منها ومن التساؤلات، قلت لنفسي فلتجعل يومك مثمرا، بحثت عن تمثال نصفي للمفكر ميشيل فوكو، خايلته مرة بمحرك البحث، لا آثر لـ فوكو في شوارع باريس، الخريطة تبلغنا بميدان يحمل اسمه قرب كوليج دي فرانس، هيئت نفسي لقراءة الفاتحة له و لـ دانتي ( الشاعر الإيطالي) صاحب الكوميديا الإلهية، جهزت هاتفي لصورة معه، تراجعت خشية من تأفف المثقفين الأصوليين، الذين سينهشون صورتي ويتندرون علي جهلي بـ المعري، لكنهم لا يعرفون أني أحب صادقا خاليا من الأغراض الحسية إلا من قُبلة.

لماذا دانتي هنا؟ تساؤل ضروري لتعضيد البناء، لكن لم يسأله أحد، بسبب كل هذا التشظي، بداخلي كلاسيكي مقموع يرغب في رواية حكايات متخرش المية، لكنني خائف منها.

وصلنا ولا آثر للافتة تحمل اسم فوكو، يقول صديقي الفرنسي بإنجليزية لا لبس فيها: (الناس) لا يحبونه، تعرف، يدعو للثورة. بؤس تمثال دانتي، هكذا شعرت لم يشجعني على تصويره ومضيت باتجاه أوديون كما تأمرني الخريطة، لأكشف عن مكان جديد يحمل اسم فوكو.

كتبت هذا بينما يقف فحل هندي أسفل شرفتي يطلب المساعدة من السيارات المتوقفة دوما في إشارة مرور سرمدية، ولا أحد يجيبه، إلا عربي (بدا لي من منظره) أشار لعضوه، و مضي.

بينما أنتظر ملحها لتكب علي جرحي … و أصرخ مع نيكانور بارا: للتجوال كرست نفسي

ن والقلم وما يسطرون

رائحة اليود يقذفها النيل أحيانا

أو هكذا يهيأ إلي

وجههك من جدران معبد جنوبي

تقولين:

وجه أمي أجمل

اليود يخالط رائحة الخمر والمخدرات الرديئة وعطر ثقيل

لا تقارن برائحة استحمامك في فستان أخضر

أتذكر رائحة البانجو من مراهقتي …

الملائكة الذين يقابلونني يحدثونني

حديثا لا يصدقه أخوة المقهى

يسألني صديقي هل لديك صورة للتي جننتك

صرخ صديقي «كهربا كهربا»

المجاز يتعطل

تعبت

هجرتني قبل أن أتحقق من وجه أمك

ليبقى لي وجهك، أجمل ما أحببت

ربتت على كتفي السيدة زينب في أنفاق جار دي نورد

تبسمت

كفك في كفي

تعرق قلبي

الباستيل يعني لبعضهم سجن

يذكر آخرين بحرية تهتف بها دماء

الباستيل دخان أرجيلتك

وجهك من جدران معبد

جميلة كملكة فرعونية قلت لك مرارا

و أنا لم أرث عن أبي وسامته

تسكن في ضاحية لوافالوا بيريه

يقول لي صديقي: هون على نفسك يا صاح

ليست فروق تمنع الحب

اشكر الله أنك تسكن في بلفيل و ليس في بارباس

يقول: الامر جد معقد يا صاح

صمت، فأنا أعرف رأيها مسبقا في رائحة البول التي تملأ حيّنا، بعيدا عن الطبقية من منا يطيق رائحة البول؟!

أقول له كيف لمثلي أن يحب؟

أسافر كثيرا

أشاهد مسلسل ناركو وأتعاطف مع اسكوبار، ينتقم لي من الكاذبين شرطة قضاء جيش، وحتي الإمبريالية الأمريكية. في السيدة زينب رأيت ما لا يستطيع معه قلبي صبرا، قالت لي: أنت لا تحبني يا مولانا ولا تكرهني، أنا بالنسبة لك فكرة، من ساعتها ليحل الله عقدة لساني، فقط عيناها تباغتاني، أبكي، يقول صديقي: كهربا يا اباه، أقول لها بدوري أنت كهربا

لكنه «عالم ليس لي».

 

 

عادة ما أكتب لأن ماجد لا يجيب هاتفي

 

«أمنية تخليد لحظة مكتملة» (1)

 

لن أكرر الاستعارات المهلوكة، عدت للبيت منتشيا أوسكران بدون سُكر، سأقولها بدون استعارات: «عدت في الباص، منشغلا بها وبهذه الكتابة عنها»، فتحت الهاتف لأطالع صورتها، لم أجدها، متأكد أنني صورتها، ربما، هاتفت شادي، لا يتذكر، 42 محطة من وسط المدينة إلي شرق لندن، لكنني ضعت، قلت إن الحضور بالقرب من الجمال مربك، ينعقد اللسان، ويزوغ البصر، لحظة تلمحها، دقائق المشي بقربها، ساعات تتطلع لها (في حالتي قاربت الأربع ساعات، دون مبالغة)، يقول رولان بارت: «إذا حدث الامتلاء بغتة، يحطم الزمن: ابقي أكثر، يا لحظة بالغة الجمال، أعني: أريد أن يستمر ما يلغي الديمومة، أحلم بزمن يمكن أن يبطل صلاحية المعني، أحلم بلذة مدرجة وليست محصورة، ساعة تكون خارج دائرة الساعات: إنها دوما الساعة الوحيدة أو اللحظة الوحيدة». يكمل بارت بهذا المقطع من جوته في فاوست «توقفي أيتها اللحظة، إنك بالغة الجمال».

هذا ما حدث يوم الأحد أمام لوحة فيلاسكيز (1599- 1660) المعنونة «فينوس في المرآة» في الناشونال جاليري بلندن، التي تسترخي فيها فينوس أمام مرآة يمسكها ابنها كيوبيد، ليكشف لها ولنا عن جمال، ربما يقصده ابن الفارض «فمت به صبا فحقك أن تموت وتُعذرا»، الجمال نادر، استثنائي، فما بالك وأنت في حضرة جلاله، يمكنك أن تقترب، تنشق بعضا من عطره، تبتسم، ترتبك، تجلس، تنهض، ترتبك، لا يفهم ربكتي إلا شهاب، يغفر لي، كما غفر لي الذين من قبله.

فَقُلْ لِلَّذي يَنْهَى عَنِ الْوَجْدِ أَهْلَهُ

إِذَا لَمْ تَذُقْ مَعْنى شَرَابِ الْهَوى دَعْنَا

هذا بعض مما كان لي في حضرتها، ما بالك حين طالعت صورتها للمرة الأولي؟

نعم، صنعت فيلما، لننقل الجمال لفيلمنا، هيهات، يا عزيزي شادي، الجمال أصيل، ثابت، مربك، فلم يكن كافيا أن ننقل صورا جميلة لصور الفيلم، صورنا وصورنا وصورنا. قل إننا وقعنا في غواية هذه اللوحة / فينوس/ الجمال، لم أكن وحدي، كان معي عُمر، خمسة مشاهد، بل سبعة، رسمناها بجسد الممثلة والمرآة، لسبب ما، تخرج مشاهد هشة، كاذبة، توقفنا لمدة سنة تقريبا، الأفلام رحلة تصوف.

والشيخة صباح غريب تنشد:

ان المحب عن العذال في صمم

فإنّ أمّارتي بالسوء ما اتعظت

 

لكن غُفر لي…

 

(1) العنوان الفرعي مقتبس من كتاب رولان بارت «شذرات من خطاب محب»..

بعد موت إلجريكو بأقل من عشر سنوات يُعيّن فيلاسكيزVelázquez مصوّراً للبلاط. وبينما اهتم إلجريكو أشدّ الاهتمام بالموضوعات الدينية، لم يولها فيلاسكيز إلا اهتماماً عارضاً، فكان معظم فنّه تقريباً على مشاهد حياة البلاط، وإن كان قد أفرد بعض لوحاته لتسجيل الحياة اليومية لبسطاء الناس من القرويين والعمّال مثل لوحة «امرأة عجوز تقلي بيضاً لحفيدها»، وأخرى لرواية الأساطير مثل لوحة «زيارة أبوللو إله الشمس لمسبك فولكانوس إله النار والحدادة»، والقصص الديني على نحو ما نرى في لوحة «إخوة النبي يوسف» وهم يحاولون إيهام أبيهم يعقوب بأن القميص الذي أتوا به إنما هو قميص أخيهم الذي زعموا أن الذئب قد افترسه وهم عنه غافلون.

فَلاَ تَلُمِ السَّكْرَانَ فِي حَالِ سُكْرِهِ

فَقَدْ رُفِعَ التَّكْلِيفُ في سُكْرِنَا عَنَّا

أربع ساعات أبحث عن صورتك متعددة، في عشرات الأعمال، هذه فينوس روبينز، وهذه مرآة فينوس، وهذه زرقاء ماتيس، وهذه Zooey Deschanel، لكن أنتِ أنتِ.