محمود شقير: هيمنغواي في القدس

محمود شقير

كان للكاتب الأميركي إرنست هيمنغواي تأثير أكيد على كتاباتي القصصية. ولطالما أعجبت برواياته وقصصه التي ابتدأت قراءتها وأنا في الثانية والعشرين من العمر، وتمنيت لو أنني قرأت له قبل ذلك بكثير.

منذ القصص الأولى التي قرأتها له، منذ الرواية الأولى كذلك، شعرت بأنني أمام كاتب قادر على جذب انتباه القراء. أعجبت منذ اللحظة الأولى بأسلوبه السهل الممتنع، وجملته السردية المبدوءة بالفعل في أغلب الأحيان، وطريقته الماكرة في التخفي خلف النص وتقديمه للقارئ بأسلوب يبدو محايداً، وأعتقد أنني تأثرت بهذه الطريقة في الكتابة. كان ذلك أوائل الستينيات من القرن الماضي، وكانت القدس آنذاك تحتفي بالثقافة على نحو ما، وكان للكتاب حضوره النسبي في المدينة، على العكس تماماً مما هو واقع الآن.

كنت ومجموعة من الشبان قد ابتدأنا الكتابة في مجلة “الأفق الجديد” المقدسية التي ظهرت إلى حيز الوجود عام 1961، وأظن أن ظهور المجلة في تلك الفترة، لعب دوراً بارزاً في انجذابنا إلى ميدان الكتابة الإبداعية وفي صقل مواهبنا، وفي لفت انتباهنا إلى الأدب العالمي. كان من حسن حظنا أن ثمة حركة ترجمة نشطة إلى حد ما في القاهرة وبيروت. وكان ثمة مكتبات في القدس تستقبل الكتب التي تصدرها دور النشر في هاتين المدينتين، وبينها بطبيعة الحال، الكتب المترجمة لأبرز الكتاب العالميين. ولقد لعبت المقالات النقدية ومراجعات الكتب التي كانت تنشرها مجلة الأفق الجديد، وكذلك مجلة الآداب اللبنانية، دوراً مهماً في تعريفنا بالكتب التي ينبغي علينا أن نقرأها. تعرفت جراء ذلك إلى كتب إرنست هيمنغواي، جون شتاينبك، ألبير كامو، جان بول سارتر، أرسكين كالدويل، كولن ويلسون وآخرين.

كنت أشعر بالغبطة وأنا أتجه إلى هذه المكتبة أو تلك من المكتبات المنتشرة في شارع صلاح الدين وشارع الزهراء، لمتابعة ما يصل إليها من كتب جديدة، وكنت أشتري كتباً باستمرار: دواوين شعر، مجموعات قصصية، وروايات، وكذلك يفعل أصدقائي من الكتاب الذين أصبحوا يُعرفون في ما بعد بجيل الأفق الجديد. كنا نشتري الكتب القادمة إلينا من القاهرة وبيروت، نقرأها ونجري نقاشات حولها، وفي بعض الأحيان نتجرأ على الكتابة عنها، ولقد امتد طموحي في تلك السنوات التي كنت أثناءها كاتباً يتلمس خطواته الأولى على درب الكتابة الطويل، إلى القراءة باللغة الانجليزية. كنت أذهب إلى مركز المعلومات الأمريكي، الكائن في شارع فرعي متفرع من شارع صلاح الدين، أستعير كتباً بالعربية وبالإنجليزية، ووصل بي أمر الانشداد إلى أدب كل من هيمنغواي وشتاينبك، حدّ القيام بترجمة بعض قصصهما من الانجليزية إلى العربية، فقد ترجمت قصة “بيت الجندي” لهيمنغواي، وقصة “الثعبان” لشتاينبك ونشرت الترجمتين في مجلة الأفق الجديد.

كان لهيمنغواي تأثيره الأكيد علينا، ليس فقط في ميدان الكتابة، وإنما في مجال الحياة اليومية أيضاً. فقد أصبحنا من رواد المقاهي بطريقة لافتة للانتباه، تمثلاً بهيمنغواي الذي أدمن التردد على المقاهي في كل مدينة حل فيها. (حينما كنت في زيارة لمدريد عام 1988 حرصت على الذهاب إلى المقهى الذي اعتاد هيمنغواي أن يجلس فيه. ذهبت صحبة أحد الأصدقاء الإسبان، وجلسنا في المقهى الذي لا يميزه شيء سوى تلك الذكرى عن كاتب شهير اعتاد أن يأتي ويجلس في المقهى. جلسنا واستذكرنا هيمنغواي وعشقه الطاغي لمصارعة الثيران وصداقاته مع أبطال مصارعة الثيران) كانت لنا مقاهينا المفضلة في شارع صلاح الدين وفي شارع الزهراء، وكذلك في البلدة القديمة داخل سور القدس. كان الجلوس في المقاهي يبهجنا ويمدنا بتجارب جديدة لكتاباتنا القصصية. ولم نكن نسير في شوارع المدينة إلا ونحن نتأبط الكتب، للتدليل على أننا مثقفون مكرسون لاجتراح أكبر المآثر الأدبية في وقت لن يطول.

فتحت لي روايات هيمنغواي وقصصه القصيرة آفاقاً رحبة وأمدتني بغنى روحي غير قليل، صرت أمشي في شوارع المدينة، وأصعد أدراج البنايات وأركب الحافلات وأتأمل الخلق والبنايات والأشياء من حولي، وأنا واقع تحت إحساس بأنني أتحرك في فضاء روائي. كنت أتخيل نفسي بطلاً روائياً خارجاً للتو من كتاب، وكان أبطال روايات هيمنغواي وقصصه قريبين مني، يمشون معي في الشوارع ويجلسون معي في المقاهي. كانوا محببين ولطفاء وهم محكومون بالسعي من أجل حياة أكثر جمالاً، مع أن الإخفاق قد يكون هو محصلة سعيهم في أغلب الأحيان. حينما قرأت رواية “وداعاً أيها السلاح” راقت لي الأجواء الحميمة التي رصدها هيمنغواي وهو يتابع قصة الحب التي اندلعت بين المجند الجريح والممرضة التي تشرف على علاجه في المستشفى، وآه، كم أبهجتني المشاهد التي تتم على وقع المطر المنثال من السماء في صفحات عديدة في الرواية! وحينما كنت أقرأ قصص هيمنغواي القصيرة، فقد لفتت انتباهي تلك الأناقة غير المصطنعة في اختيار عناوين القصص، (مثلاً: مكان نظيف جيد الإضاءة، رجل عجوز عند الجسر، ألخ..) وفي اختيار الجمل وأسلوب السرد المعتمد على التلميح الشفاف الذي يأسر القارئ، ويعمل في الوقت نفسه على تنشيط مخيلته للمشاركة في إعادة تشكيل العمل الفني. هيمنغواي لا يقول كل شيء للقارئ، إنه، وكما رأى نقاد قصصه ورواياته ومن أبرزهم الناقد الأمريكي كارلوس بيكر، يعمل وفقاً لمبدأ جبل الجليد الذي ترى جزءاً يسيراً منه فوق سطح الماء، وأما ما تبقى منه فهو غاطس في أعماق المحيط. بهذا الأسلوب يعطي هيمنغواي لقصصه ديمومة تستمر مع استمرار الخيال البشري في البحث عن تأويلات جديدة لكل مظاهر الحياة المتجددة على الدوام.

كنت أوائل الستينيات من القرن الماضي أبحث عن أجوبة لأسئلة كثيرة ظلت تلح علي منذ سنوات، تتعلق بموقفي من الكون والمجتمع والحياة والإنسان، ثم ابتدأتْ جراء ذلك انعطافتي نحو اليسار، في الوقت نفسه الذي تعرفت فيه على كتابات إرنست هيمنغواي. راقت لي رواية “لمن تقرع الأجراس” كونها مكرسة للتعاطف مع الجمهوريين في كفاحهم ضد الفاشيين في إسبانيا، ووجدت في نزعة هيمنغواي نحو تبني العلمانية وتأييد اليسار ودعمه في نضاله ضد الفاشية، سبباً مقنعاً لمزيد من الاهتمام بهذا الكاتب الأمريكي ذي النزعة الإنسانية الكونية، وقد تعزز هذا الاهتمام لدى قراءتي لرواية “الشيخ والبحر” حيث صراع العجوز سنتياغو، بطل الرواية، مع أسماك القرش المفترسة في البحر المتلاطم يعدّ رمزاً للصراع ضد قوى الشر أينما كانت، ولم يقلل من قيمة الرواية وما فيها من رسائل فكرية مبطنة، تلك النتيجة التي أسفرت عنها رحلة سنتياغو للصيد في عرض البحر. كنت أجتهد أنا وأصدقائي الكتاب آنذاك في استخراج المزيد من دلالات هذه الرواية الإنسانية العظيمة، ولم يكن مستغرباً أن نستنتج أن الرواية تلخص كفاح الإنسان عموماً في هذه الحياة، حيث لا يتبقى في النهاية من حصاد رحلته سوى هذا الهيكل العظمي للسمكة، الذي ألقاه سنتياغو على الشاطئ ثم مضى لكي يأخذ قسطاً من الراحة بعد التعب المضني الذي ناله جراء الرحلة الطويلة، وكنا نجتهد في اعتبار الهيكل العظمي دالاً على الأثر الذي يتركه الإنسان خلفه في رحلة الحياة.

كان ذلك في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي. ثم وقعت حرب حزيران عام 1967 وقامت إسرائيل جراء هذه الحرب باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على الجزء الشرقي من مدينة القدس. فأوقعت نكبة جديدة بالشعب الفلسطيني بعد النكبة الأولى التي وقعت عام 1948، وقد ترك الاحتلال أثراً سلبياً بالغاً على الحياة الثقافية في القدس وبقية المناطق المحتلة. تبعثر الكتاب، بعضهم اعتقلوا وبعضهم الآخر أبعدوا بقرار إسرائيلي إلى الخارج، وبعضهم صمت ولم يعد يمارس الكتابة. ولم تعد مجلة الأفق الجديد موجودة في الأفق. كذلك الحال بالنسبة للصحف اليومية التي لم يعد لها من وجود إلا بعد عام من الاحتلال، والمكتبات التي كنا نشتري منها الكتب، لم تعد قادرة على استيراد كتب جديدة بسبب سياسة الاحتلال التي فرضت حصاراً على الناس. وكانت نتيجة ذلك كله اضمحلال الحركة الثقافية وإصابتها بحالة من الركود الذي امتد سنوات.

لم أعد قادراً على التواصل مع كتب هيمنغواي إلا بعد أن تعرضت بدوري للإبعاد من أرض الوطن بعد وقوع الحرب بثماني سنوات. أبعدتني سلطات الاحتلال إلى لبنان، وهناك، في بيروت، وفيما بعد في عمّان، تمكنت من قراءة المزيد من كتب هيمنغواي. وكان آخر كتاب قرأته له هو “عيد متنقل” الذي يبدو كما لو أنه نوع من السيرة الذاتية، أو من النصوص التي تشبه القصص القصيرة، مع أنها ليست قصصاً قصيرة بالمعنى الدقيق للكلمة. لاحظت أن هيمنغواي ظل وفياً لأسلوبه اللماح الشفاف ولسرده السهل الممتنع الذي يبتعد عن التكلف والتنميق اللغوي المفتعل. لاحظت كذلك، كيف أن هيمنغواي يميل في كتابه إلى هجاء من كانوا أصدقاء الأمس، ربما بسبب الكراهية أو المزاج الحاد، وربما بسبب الغيرة والأنانية، وهي الصفات التي لم أكن أعرفها في كاتبي المفضل في سنوات براءتي الأولى وبحثي الدائب عن الكمال.

وحينما قرأت كتاب “المثقفون” لبول جونسون، فقد اطلعت على معلومات لم أعرفها من قبل عن سلوك هيمنغواي، مثلاً: كرهه الشديد لأمه، علاقاته المتسلطة بزوجاته اللواتي بلغ عددهن أربع زوجات، وميله إلى المبالغة والكذب وغيرته من النجاحات التي يحرزها غيره من الكتاب وحقده عليهم. (يُستثنى من ذلك الشاعر إزرا باوند الذي ظل هيمنغواي يكن له المودة بسبب ما كان يتسم به باوند من أخلاق عالية واهتمام بغيره من الكتاب) ربما كانت هذه المعلومات صحيحة وربما كان بعضها صحيحاً وبعضها الآخر غير صحيح.

لا يهمني ذلك كثيراً، لأنه أصبح جزءاً من الماضي الذي لن يعود.

ما يهمني أن روايات هيمنغواي وقصصه القصيرة كانت وما زالت قادرة على إغناء الوجدان البشري بقيم نبيلة ومشاعر طيبة دافئة. وبسبب ذلك، كان لهيمنغواي أثر طيب في نفسي، وكان له تأثيره الأكيد على كتاباتي القصصية، لذلك فإنني أتذكره دوماً بشعور من المودة والاحترام، وأعترف له بفضله عليّ.

 

نشر هذا النص، بالانكليزية في مجلة بانيبال، في باب “التأثيرات الأدبية” في العدد رقم 20 صيف 2004، ونعيد نشره هنا بالاتفاق مع المؤلف، والمجلة.