مقطع من رواية “رسام المدينة” للكاتبة العراقية سالمة صالح

سالمة صالح

سأكتب عنك رسام المدينة، لأن الخطأ الذي وقعت فيه لم يعد قابلا للتصويب، ولأن ما كان قائما لم يعد له وجود إلا في ذاكرة الذين يحسنون متعة التذكر دون حسرة، لأن القمح الذي اودع في كوائر الجدات لن ينبت، قرضته الفئران، ولأن السنابل تحولت إلى هشيم. المدينة التي قِستُها بخطواتي وحرستها بنظراتي لم تعد تعرفني ولم أعد أعرف منها سوى صور باهتة لما كانته، ستبحث عنها ولن تجدها، لن تكون أبدا المدينة التي عرفتها.

 

* * *

حين بلغ يونس اللبان الرابعة والسبعين واشتدت عليه آلام الظهر فلم يعد يبرح منزله إلا لضرورة، أدرك أنه قد نجا. أنعشته الفكرة فاعتدل في سريره، ترك ساقيه تتدليان وقدميه تنزلقان في حذائه المنزلي ثم نهض مستندا بكفه على حافة السرير وتوجه إلى الفناء. سمع هديل الفاختة التي بنت عشها بين أغصان شجرة التوت فخاطبها مازحا: سمعت هذه القصة بالأمس. أما الآن فأريد أن أخرج. وقع نظره على كرة صغيرة من المطاط ففكر: لا بد أن يكون أحد الأطفال قد قذف بها من فوق الجدار. إنحنى ورفعها، وانتبه إلى أنه لم يشعر بالألم في ظهره فهمس، لا بد أنه الربيع. عاد إلى الغرفة وغير ملابسه وخرج. حين بلغ منتصف الزقاق إنتبه إلى عينين زادتهما الدهشة اتساعا ترصدانه من خلال باب موارب، إلتقت نظرته بنظرة المرأة فغض بصره وتابع طريقه. أتكون هذه المرأة وضحة الجميلة، الفتاة التي أفقدت محسن الأحمد عقله؟ يعرف صاحب المنزل ويعرف القصة التي حرمته في صباه من رؤية الغزال الذي حلم به. كان أبوه قد وعده أن يصطحبه صباح الجمعة إلى صديق له اصطاد غزالا. كان قد رأى الغزال مربوطا في زاوية في فناء داره وحدثه عنه. لم يكن الصبي قد رأى غزالا، قال متوسلا: أتمنى أن أراه. فرد الأب: سآخذك معي لزيارة رجب يوم الجمعة، وسترى الغزال. عد الأيام وانتظر بنفاد صبر يوم الجمعة. مساء يوم الخميس زارهم طه الأحمد بصحبة رجلين آخرين، تحدثوا مع أبيه طويلا، ثم ودعهم أبوه إلى الباب. سمعه يقول: سأكون جاهزا بعد ربع ساعة. روى لزوجته القصة وهو يغير ثيابه ثم وضع يده على كتفها وقال: لا تقلقي، لن يحدث شيء. لم يكن واثقا من الأمر فلم ينظر في عينيها مباشرة. وأدرك أن عليه أن يسرع فقد كان الرجال الثلاثة ينتظرون أمام الباب. في الشارع كانت سيارة مستأجرة تنتظرهم، فانطلقت بهم في الحال، وفي الطريق لم يتبادلوا كلمة واحدة. بعد أكثر من ساعة توقفت السيارة على طريق عام، قال السائق: ها نحن قد وصلنا.

لم يشغله الأمر، وحين تأخر أبوه ذهب للنوم. نام نوما متقطعا في تلك الليلة لأنه ظل يحلم برؤية الغزال، ولأن أمه تركت ذبالة المصباح مشتعلة، لم تستطع النوم. كيف ستكون حياتها إذا ما …، كانت تحاول أن تطرد هذه الأفكار كلما بلغت هذه النقطة.

في الرابعة صباحا، أو قبل ذلك بقليل، سمعت باب الدار تفتح، خطوات تقطع الفناء وتتجه إلى باب الغرفة. نهضت على الفور وانتظرت خلف الباب، حتى سمعت دقات خفيفة وصوته: “إنه أنا” فسحبت المزلاج الثقيل وفتحت الباب. نظرت إليه متسائلة: قال باقتضاب: “لم تأت معنا. غيرت الفتاة رأيها. سأروي لك كل شيء في الصباح”. شعرت بالارتياح لأن خطة اختطاف الفتاة لم تعجبها، وأزعجها أكثر من ذلك أن يُقحَم زوجها في مسألة كهذه لا تعنيه من قريب أو بعيد، وأن لا يكون قادرا على رفض طلب العون في تنفيذ عملية قد تعرضه لمتاعب لا طاقة له بها، ظنت أنها ستسقط الآن في نوم عميق، إلا أن قلق الساعات الأخيرة طرد النوم من عينيها فبقيت تتقلب في فراشها ولم تنم إلا عند الفجر. في اليوم التالي سمعت القصة بتفاصيلها، لم تكن تعرف من قبل أن اختطاف فتاة لا يتم إلا بموافقتها. وشعرت بالامتنان للفتاة التي وفرت عليها بتغيير رأيها كارثة قد تغير حياتها أو قلقا قد يدوم أسابيع أو شهورا. أما الصبي فقد شعر بالخيبة، لأن أباه نام حتى ساعة متقدمة من النهار، وحين أفاق ذكره بوعده، لكن الأب تذرع بالتعب: سنزوره في الأسبوع القادم. كان عليه أن يعد الأيام مرة أخرى وينتظر، وحين حل يوم الجمعة وذهب مع أبيه لزيارة رجب، لم ير الغزال.

بعد ثلاث سنوات من ذلك الحادث وكان محسن الأحمد قد أنهى تعليمه وحصل على وظيفة في دائرة البلدية وصار يتردد على نادي الموظفين استطاع أن يقنع خلال حفلة رسمية رئيس البلدية الذي كان بين المدعوين أن يسافر إلى وانة على رأس وفد لطلب يد وضحة، زار الوفد شيخ القرية عند وصولهم ولم يتردد والد الفتاة الذي شعر بأنه قد عومل باحترام خاص في الموافقة. بعد أسبوع سافر طه الأحمد وولده محسن إلى القرية محملين بالهدايا من أقمشة وحلي وعادوا ومعهم الفتاة.

لم تجد وضحة صعوبة في العيش وسط الغرباء وسرعان ما وجدت الطريق إلى قلوبهم. وحين زارت أمه، ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة روى لها قصة الغزال فوعدته أن تسعى ليحصل على غزال. طلبت من أخيها أن يصطاد غزالا ويأتي به إليها في زيارته التالية، لكن أخاها جاء لزيارتها ذات يوم وأتى معه بحمل صغير، فحصل يونس اللبان على الحَمَل بدل الغزال، صار يعتني به، يطعمه ويصطحبه إلى النهر، يغسله هناك ويعود به إلى البيت. مرت سنة كان كل منهما قد كبر خلالها، صار الحمل خروفا ووجد يونس اللبان ما يشغله عنه وفقد اهتمامه به، فآل إلى ما آل إليه غزال رجب.

تابع اللبان طريقه وقد استحوذت عليه فكرة أنه يستطيع الآن أن يستعيد القدر القليل من الحرية التي تنازل عنها فيما مضى من حياته، أن يقضي ما تبقى له من العمر دون خوف، دون توقعات كبيرة ودون أحلام. يمكنه أن يقوم الآن دون قسر ودون عجلة بكل ما أراد أن يفعله وأجله بسبب ضيق الوقت. لم يبن بيتا ولم ينجب ولدا، ولم تكن له زوجة يقلق على مصيرها. حين تجاوز الأربعين وبدا له أن الوقت قد حان ليكون له بيت وأسرة وقع إختياره على إبنة أحد معارفه، فأرسل أمه لخطبتها. رأت الأم الصبية تعود من المدرسة، غضة مثل زهرة تفتحت للتو، فأدركت خطل قرار ابنها. وأصغت بتفهم عميق إلى اعتذار والد الفتاة بأن إبنته لا تزال صغيرة وأن أمامها طريقا طويلا ستمضي فيه حتى نهايته قبل أن تفكر في الزواج. لم يبنِ بيتا لأنه عاش في كنف الأسرة الكبيرة في البيت الذي ورثه أبوه عن جده الذي كان قد ورثه عن أبيه.

يدرك الآن أن شعوره بالنجاة لم يأتِ من كونه اجتاز أمراضا لا عد لها من غير ضرر،

لقد نجا من اليرقان، من جدري الماء والتهاب الأذنين وحمى لم يعرف سببها، استشارت أمه يومها يونا العطار فنصحها بعصير الليمون، شربه وشفي. وحين لاحظت المعلمة انتفاخ ذقنه وكان لا يزال في السنة الثالثة أرسلته بصحبة فراشة المدرسة إلى مستوصف المعارف وقالت له: إذهب بعد عيادة الطبيب إلى البيت مباشرة، ولا تَعُد إلى المدرسة إلا بعد أسبوع، خف الألم الذي كان يشكو منه بعد يوم واحد واستمتع باللعب بقية أيام الأسبوع. تعلم يومذاك مفردة جديدة واستظرفها، النكاف، لكنه حين عاد إلى المدرسة وجد نفسه في مأزق إذ لم يستطع فك لغز القسمة الطويلة التي تعلمها بقية التلاميذ في غيابه.

وحين أصيبت ابنة خاله التي تصغره بعام بالحصبة، أخذته أمه لزيارتها لأنها رأت أن من المفيد أن يصاب هو الآخر بها في هذه السن، سيكون بعد ذلك محصنا ضدها. لكن إصابته بالسعال الديكي بعد سنوات سببت لها قلقا شديدا فصحبته إلى طبيب تربطها به صلة قربى، وصف له شرابا ظل يتذكر طعمه ورائحته بعد عشرين سنة، شربه فانفتحت شهيته للطعام، صار يشعر بالجوع على الدوام وخصته أمه دون إخوته بأفضل ما لديها فازداد وزنه.

يتذكر أيضا يوما سقط فيه المطر غزيرا وغسل الشوارع فبدت أكثر لمعانا حتى أن المرء استطاع أن يرى صورته منعكسة على اسفلتها، وأن ثيابه ابتلت وهو عائد من المدرسة لكن أمه قالت جزعة وهي تنظر إلى جوربه المبتل: إنزع جوربك أولا وهرعت إلى خزانة الملابس لتأتيه بجورب نظيف، وأنها وضعت كفها فوق جبينه حين دخل الفراش. لأنها تعرف أن المرض سيباغته إذا تعرضت قدماه للبرد.

لم تكن تلك الأمراض تقتل طفلا، ولم يكن الشفاء منها مما يشغل بال أحد، ما شغله ووسم حياته لم يكن أيا من هذه الأمراض، ليس هذا ما يريد أن يتذكره الآن على أية حال.

نجا أيضا وهو شاب حين طُرق باب المنزل يوما ففتحته أمه وملأها الذعر إذ رأت رهطا من الرجال يحيطون بالباب في نصف دائرة. يحملون رشاشات ومسدسات. سمعهم يسألون عنه، وسمع جواب أمه تنكر وجوده في المنزل. أدرك أنه في خطر فحمل دراجته الهوائية وعبر الجدار الواطئ إلى بيت الجيران. لم يكن بوسعهم أن يروه وهو يغادر فقد كان باب المنزل خلف عطفة الزقاق. قالت الأم: خرج منذ الصباح الباكر. سأل أحدهم: أين ذهب فقالت محتجة: هل تخبر أمك أين تذهب كلما خرجت؟ دفعت الباب فانفتح على مصراعيه: يمكن أن تتأكدوا من قولي. نظر اثنان من الرجال إلى بعضهما وبحركة خفيفة من الرأس اتفقا على أن لا فائدة من الانتظار. حين فتحت المرأة الباب على هذا النحو فلأنها تعرف أنه ليس في المنزل. هذا ما فكروا فيه. تهامسوا فيما بينهم ثم انسحبوا.

قصد منزل صديق له وبقي هناك بضعة أيام حتى سمع الراديو يصدح ذات ضحى بأغان حماسية وتتوالى الأخبار عن عودة سيطرة الدولة على أعمال العنف فتنفس الصعداء وخرج من مخبئه. لكن المدينة لن تكون بعد ذلك كما كانت من قبل. تروي أخته أن معلمة قتل اثنان من إخوتها في حوادث العنف التي رافقت محاولة الانقلاب وقفت تصفق مع المصفقين في حفلة المدرسة. كان الخوف سيدا.

 

كان قد بلغ هذا الحد من أفكاره حين وصل إلى المقهى، لم يجد هناك أحدا ممن يعرفهم فاختار مقعدا قريبا من الواجهة، جلس يراقب مجموعة من الرجال أصغر منه سنا، كانوا يتحدثون عن رجل مات بعينين مفتوحتين ولم يفلح أحد في غلق عينيه، حاول كل منهم أن يقدم تفسيرا للأمر، وهمس أصغر الرجال سنا مازحا “لا بد أنه يملك ثروة كبيرة فلا يريد أن يغمض عينيه فيستحوذ عليها غيره.” لكن تعليقه لم يلق استجابة من أي من المتحادثين. بعد لحظات صمْت قال رجل آخر: “حتى إمام الجامع تردد أول الأمر في الصلاة عليه.”

لم يجد في الموضوع ما يعنيه فشرب ما تبقى في قدح الماء الذي كان النادل قد وضعه أمامه وغادر المقهى. حين وصل الزقاق كانت المرأة ذات العينين الواسعتين لا تزال تقف في فتحة الباب الموارب. رأى هذه المرة وجهها وأدرك أنها لا يمكن أن تكون وضحة، فوضحة قد قاربت الآن الثمانين، ربما تكون ابنتها. حين دخل المنزل كانت الشمس قد انحسرت عن جانب من الفناء، وانسحب الخط الفاصل بين منطقتي الظل والضوء إلى الأرضية الممتدة أمام الايوان. اتجه مباشرة إلى المطبخ الذي كان ذات يوم واحدا من الأروقة المحيطة بساحة الدار، أقام له حين سرح من الجيش، وكان قد اكتسب بعض المهارات اليدوية، جدارا من المازونيت فتحول إلى غرفة مغلقة بنافذة تطل على الفناء اتخذت كمطبخ. كان قد عاد للسكن في هذا البيت الذي ولد فيه، بعد أن أقام سنوات كثيرة مع والدته في بيت مستأجر، فحين تقدمت بها السن ولم تعد قادرة على تدبير شؤونها رأت أن تقيم في منزل قريب من بيت صغرى بناتها لتساعدها تلك في تدبير شؤون البيت وتسهر عليها في مرضها. حين ماتت وكانت قد تجاوزت التسعين عاد إلى البيت الذي ولد فيه. كان المستأجرون قد تركوه منذ بعض الوقت، حين طلبت منهم أمه إخلاء البيت قبل ذلك ولم يستجيبوا رفضت استلام الايجار منهم لأنها خشيت أن ينهار سقف الايوان أو سقف الغرفة الوحيدة التي تبقت منه فوق ساكنيه، ولم تُرد أن تتحمل وزرا كهذا.

يتذكر أن أباه كان قد قضى ساعات الصباح وهو يصلح المقاعد التي تضعضعت مفاصلها من طول الاستعمال، وكانت ابنته الصغرى تقرفص إلى جانبه، تناوله مسمارا أو مطرقة حين يطلب منها ذلك، وعند الظهر هتفت به زوجته لينضم إلى العائلة لتناول الغداء. كان يوما من أيام الربيع المعتدلة، وكانت قد وضعت صينية توزعت عليها أطباق الرز والخضار في ظل عريشة العنب التي كانت أوراقها لا تزال تحتفظ بخضرة فاقعة وبريق يجعل المرء يستشعر حموضة مذاقها بمجرد النظر إليها، في فناء الدار الذي تناوبت اختاه على كنسه، كل منهما مرة في الأسبوع بينما أثار تنظيفه جدلا بينهما في الخريف حين كانت شجرة التوت العملاقة تنفض أوراقها المصفرة كل يوم وأسراب الزرازير المقيمة على الأغصان تترك آثارها على الأرض فاتفقتا في الآخر على تقسيم الفناء إلى قسمين، أخذت صغراهما تنظيف القسم الأكبر على عاتقها بينما تولت الأخت الكبرى القسم الأصغر حيث تقوم فيه حنفية الماء فوق مزملة كثيرا ما تفيض فتبلل مساحة ليست صغيرة منه، وقد جعلت صعوبة تنظيف الأرض المبتلة هذا التقسيم عادلا.

يتذكر اللبان ذلك النهار وكيف أن أمه قالت وهي تضع مزيدا من الأطباق فوق الصينية الكبيرة ومن غير أن ترفع نظرها إليه: إذهب وادعُ أباك. لقد حان وقت الغداء.

وكان يتابع القطة التي تترصد العصافير فوق سطح مخزن الحطب.

أضافت أمه بنفاد صبر: إذهب وناده قبل أن يبرد الطعام.

فنهض ومضى إلى الغرفة الكبيرة، وقف ببابها وقال لأبيه إن طعام الغداء أصبح جاهزا. وانتظر برهة فالتفت أبوه إليه وقال: حسنا، لقد سمعتك. وترك المطرقة تسقط من يده على أرض الغرفة ونهض، فعاد إلى الفناء، ولاحظ أن القطة قد هبطت من على سطح مخزن الحطب وصارت تتنقل بكسل في الحديقة ثم تتوقف وتحك ظهرها بجذع شجرة الرمان.

حين جلس الجميع وشرعوا بتناول طعامهم دوى هدير هائل من الغرفة الكبيرة، واندفعت سحب من الغبار من بابها ونوافذها. كف الجميع عن الأكل وتعلقت أبصارهم بنوافذ الغرفة، ثم قطعت أمه الصمت، قالت: الحمد لله. كأنّ الأمرَ موقوتٌ. حين هدأ الغبار مضوا جميعا لينظروا داخل الغرفة، كان نصف سقفها قد انهار وتحول إلى كومة من الأحجار سدت الباب إلى مخزن المؤنة وواحدة من النوافذ المطلة على الفناء ودفنت تحتها الكراسي التي أصلحت للتو. بعد أسابيع جيء بعمال هدموا ما تبقى من السقف قبل أن يأتي الحجارون ليرفعوا الأنقاض ويدفعوا ثمنها. وعثر هو على ذيل السنجاب الذي اختفى بعد الحادث والذي كان قد ظن أنه هرب متسلقا شجرة التوت العملاقة، ولم يعد إليه سبيل، كما حدث لسنجاب آخر من قبل.

حين وصل الحي أول مرة منذ أن قرر العودة وجد الزقاق أضيق والبيوت أصغر مما عرفها يوم كان صبيا، لكن الباب الخشبي ذا المقرعة الثقيلة احتفظ بهيبته القديمة بين الأبواب الكثيرة. رفع رأسه يبحث عن أغصان كثيفة ترتفع وراء الجدار وتصنع قنطرة فوق الزقاق، لكنه لم ير سوى زرقة السماء المبقعة بغيمات صغيرة بيضاء. حين دخل الدار فاجأه مشهد جدار القنطرة الذي تساقط عنه كساؤه الكلسي في عدة مواضع وبدا خربا، وأدهشه أن يجد ذلك الصندوق الرمادي الذي ثبت على الجدار قبل عقود طويلة لا يزال في مكانه، تردد في لمسه، لكنه حين دخل الغرفة التي سيسكن فيها ضغط على مفتاح النور فاشتعل المصباح المعلق في سقف الغرفة بضوء شاحب. فأسر في نفسه إنه يعمل. وليس عليه سوى أن يأتي بعامل بناء ليجدد كساء جدار القنطرة أما التنور الذي كان يحتل الزاوية فقد اختفى ولا يبدو أن أحدا فكر بتعويضه بواحد جديد. إنه لا يحتاجه على أية حال. الشريط الطويل أمام الايوان والغرفتين قد تحول إلى أرض ترابية نبتت فيها أعشاب صغيرة بعد أن اختفت ألواح المرمر التي كانت ترصفه. لكن ألواح المرمر في أرضية الايوان وجدرانه لا تزال سليمة.

يتألف البيت من ثلاث غرف للسكن لم تستخدم إلا واحدة منها، غرفة واسعة بشريط منخفض يمتد على طولها أمام الباب، كان على المرء أن يترك فيه نعليه قبل أن يضع قدميه على السجادة التي كانت تغطي أرض الغرفة، يحيطها إفريز من السجاد الفارسي يمتد على طول الجدارين المتقابلين صفت لصقهما وسائد طويلة مكسوة بحرير أحمر مطرز بخيوط ذهبية. الجدار الثالث في صدر الغرفة تحجبه خزانة للملابس من خشب الصاج ذات أربعة أجنحة من طابقين لكل منها بابان. تحتها صف من الأدراج اقتسمها الأبناء لوضع مقتنياتهم فيها واستأثر هو باثنين منها وضع فيهما الكتب القليلة التي اقتناها، بينها “بقايا ضباب” لعبدالله نيازي و”غانية باريس” لأجاتا كرستي ومجموعة قصص لكاتب مصري لم يعد يتذكر اسمه، وكتابان آخران حصل عليهما من صديق وقد سقط غلافهما.

كانت الدار قد بقيت مهجورة وقتا طويلا، أتى بمعماري فحص البناء ورأى أن ليس ثمة خطر انهيار، لكن البناء يحتاج إلى بعض الإصلاحات فأنفق عليه شيئا من مدخراته وأتى ببناء رفع جدار المازونيت للمطبخ وأقام محله جدارا من الآجر والجص بنافذة أكثر سعة قبل أن ينتقل للسكن فيه ثانية.

 

[email protected]