مقطع من كتاب الطفولة للكاتب الروسي مكسيم غوركي – ترجمة عن الروسية: أحمد م الرحبي

أطلق الغيتار رنينًا صاخبًا، وتكسر صوت الأعقاب على الأرض، اهتزت الأطباق على الطاولة وفي الخزانة، وسط المطبخ اشتعل الغجري كلهيب النار، حام مثل صقر، يلوّح بيديه في الهواء حتى تغدو كأجنحة، وبخفة متناهية ينقّل قدميه، ويطلق صيحات حرب، يقرفص على الأرض، ويدور في الغرفة مثل عصفور ذهبي، وكل ما حوله يتلألأ بلمعان الحرير الذي ارتعش في قميصه وتموّج، فكأنه يشتعل ويذوب.

رقص الغجري بلا تعب أو كلل، متحدًا مع ذاته، فلو أشرع له الباب على مصراعيه حينئذ لخرج ورقص في الطريق وفي البلدة وفي أماكن أخرى مختلفة من العالم…

– اقطعْ عرضًا ! – قال الخال ياكوف وهو يرقّص قدمه على الأرض.

أرسل صفيرًا حادًّا، وبصوت متهدج أنشد شطرًا من الشعر الشعبي:

آه لو! لولا شفقتي على حذائي

لهربت من زوجتي وأولادي

وانتقلت حمى الأُنس إلى الناس الجالسين حول المائدة، فكانوا يهتفون بين الحين والآخر، ويتهيجون كأن نارًا تلسعهم؛ ولطم المعلم الملتحي صلعته وغمغم بشيء ما. وفي مرة من المرات انحنى عليّ، وغطى كتفي بلحيته الرقيقة، تحدث في أذني مباشرة، كأنه يكلم راشدًا:

– أبوك يا ألكسي مكسيموفيتش، لو أنه كان هنا لأوقد نارًا أخرى مختلفة! لقد كان رجلًا بهًّيا ومرحًا. هل تتذكره؟

– كلا.

– كيف هذا؟ لقد كان، بين الحين والآخر، هو وجدتك… ولكن مهلًا، سترى ذلك بعينك!

وقف على قدميه، فارع القامة، واهن الجسم، يشبه القديسين في الأيقونات، انحنى للجدة وطلبها للرقص بصوت ثخين غير مألوف:

– أكولينا إيفانوفا، تكرمي ولو لمرة واحدة! أرينا ما كنت تفعلينه مع مكسيم سافاتييتش. فلتمتعينا!

– ما الذي تقوله يا سيدي ونور عيني، غريغوري إفانوفيتش؟ – تحدثت الجدة وهي تبتسم وتنكمش. – أين أنا من الرقص الآن! سيضحك عليّ الناس…

ولكن الجميع سألوها أن ترقص، وفجأة هبت واقفة، كأنها استرجعت شبابها للتو، أصلحت من تنورتها وقومت شعرها الثقيل، وتقدمت إلى وسط المطبخ وهي تعول:

– فلتضحكوا ما شاء لكم ذلك! وأنت يا ياكوف، اضرب الموسيقى!

انتصب الخال واقفًا ومال برأسه، أغمض عينيه وراح يعزف لحنًا بطيئًا؛ الغجري، وبعد أن سكن لدقيقة، عاد يخطو ويثب حول الجدة، أما هي فقد تهادت على الأرض، بلا ضجة، كأنها تسير على الهواء، تمايل يديها، وترفع حاجبيها، وترنو بعينيها السوداوين إلى نقطة بعيدة غير مرئية. وبدا لي أن خطوها سريع ومضحك، فأطلقت ضحكة، ولكن المعلم رفع إصبعه في وجهي محذرًا، والتفت الجميع ناحيتي مستنكرين.

– إيفان، كف عن النقر بقدمك! – قال المعلم ضاحكًا؛ فامتثل له الغجري، وانزاح جانبًا ثم جلس على العتبة، أما المربية يفغينيا فرفعت عقيرتها بالغناء، وصارت تنشد بصوت منخفض وعذب:

سبعة أيام حتى السبت

تخيط البنت قماشتها

تعبت من شغلها وملت

وما بقي شيء لسعادتها

ما قامت به الجدة ليس رقصًا، بل كانت تروي شيئًا بالحركات. فها هي تسير على مهل، سارحة بخيالها، متهادية الخطو، ترنو إلى ما حولها من تحت يدها، وجسدها الضخم يتأرجح بأكمله، متنقلا بين السكون والحركة، وقدماها تتحسسان طريقهما بأناة وحذر. تقف على حين غرة، وجلةً من شيء ما، وجهها يرتجف وقد اعتلاه الغم، وفي اللحظة ذاتها تسيل ابتسامة جذلى وتضيء محياها. تميل جانبًا مفسحة الطريق لشخص ما غير مرئي، ثم تعود وتقوده من يده: تحني رأسها، وتتجمد، بينما الابتسامة تزداد جذلا، وفجأة ينقلب حالها، فتدور حول نفسها وهي تشد جسمها إلى الأعلى، رقَّ قوامُها وزاد طولها ولم يعد بالمقدور أن تزيح ناظرك عنها. غدت بالغة الجمال والرقة، وفي تلك اللحظات، كأنما بقوة خارقة، كانت جدتي تعود إلى صباها!

 

لمزيد من المعلومات

[email protected]