“مقهى اليأس” فصل من رواية “بازيريك” للكاتب العراقي عبد الرحمن الماجدي

عبد الرحمن الماجدي

لمح رضا أثرَ الوحشة التي تركها خبر بقائه في شيراز على وجهي، فعرض عليّ زيارة مقهى سريّ! رحبت بالفكرة. قال إنه التقى صديقاً، شاعراً فوضوياً من مؤسسي المقهى، دعاه لزيارته. سألته عن رواده ونسبة الأمان فيه. “المجد لليأس” قال، منتظراً وقع الكلمة على ملامحي؟ إنه اسم المقهى، قد يتوجب علينا دفع رسم دخول ما يعادل عشرة دولارات، بما أننا لسنا أعضاء في جمعية (تمجيد اليأس). قلت هذه أنا أتكفل بها وبما سوف نتناوله من طعام وشراب.

يقع المقهى في قبوٍ بشارعٍ خلفي بناياته توغل في القدم بعضها في مرحلةِ الترميم، وصلناها، مشياً، بعد قطع شارعين داخليين ضيقين. أمعنا ابتعاداً عن شوارع وسط المدينة الصاخبة والمضاءة بعناية. اختيار المكان يدل على توخي الأمان من شكوك الفضوليين الذين معظمهم عمال وكسبة غادروا لمنازلهم، وبقي قبو المقهى، من الخارج، لا يدلّ على حياة فيه. لا يدخله إلاّ المعرّفون لرواده أعضاء جمعية (تمجيد اليأس) التي أسسها الشاعر الفوضوي من أسرة غنية اسمه سلمان بور، اتّصل به رضا قبيل وصولنا البناية المهجورة التي تأملتها عن قرب مستعلماً من رضا، فكان طابوقها ميّت وظلمتها شاخت منذ سنين، تنتظر آلة الهدم الرحيم. رضا، بعد أن غادرها، عنوة، ساكنوها السابقون من عمال خياطة وعاملات تطريز وريافة.

هبطنا السلّم المظلم بئره. فُتح الباب بعد نقرات من سبابة رضا الذي عانق الشاب طويل الشعر، ثم قدمنا لبعض. كان هذا هو سلمان بور سيّد القبو، الذي خمنته قبيل الوصول، هواؤه، ينتظرنا مختنقا. تبعتهما ، صامتاً، في المدخل المظلم نهتدي فيه بضوء هاتفينا، نتبع خطى سلمان بور العارفة عدد درجات السلم. تصطف على جدران المدخل صناديق كارتونية مهلهلة تصل للسقف للايحاء أنه مخزن خردوات قديم يشارك البناية قصة النسيان.

يتوزع أرائك المقهى فتيات وشبّان طاعنون في اليأس واللامبالاة. على جدران القبو يتربّع كافكا جوار شوبنهاور وديستويفسكي وجياكومو ليوباردي وصادق هدايت وصورتان متجاورتان لأميل سيوران. مساحة كلّ خانةٍ مترين مربعين تشبه الايوان بإطلالتها على الباحة المستطيلة التي تفصلها عن الخانات المقابلة. ترجم لي رضا عبارات بالفارسية تسمّي خانات المقهى المتوزعة المكان: “كلّ زيارة هي اعتداء”، “ارحموني، “لا تدخلوا”، ” كلّ الوجوه تقلقني”، “غائب دوماً”، “ملعون من يطرق الباب”، “البومة العمياء” “الصرصار” و “السعادة وهم “.

أعداد الشباب والشابات المتوزعة الخانات غير منتظمة تتراوح بين أثنين وستة، يجلسون على أرائك خشبية مغلفة بإسفنج يغطيه قماش سميك من القطيفة بألوان داكنة.

جالت عيناي بالمكان. سألت سلمان بور عن الذكي الذي عثر على هذا القبو. قال إن خيّاطة سابقة من أعضاء الجمعية اهتدت له، بعد أن كنا نعاني في اللقاءات في منازل أو كراجات برشوة الحراس أو منحهم خمراً أو ماراجوانا.

تأملني سلمان بور لحظات قائلاً: إنّ طلائع اليأس تكمنُ في ملامحك فلماذا قمعتها؟

– لم أقمعها، بل هي قيود العائلة أوقفت نموها. رددتُ.

فتح كفّه وفعلت مثله مصفقين بهما تحية توافق.

كان رضا ينظر وبسمة دهشة تكسو وجهه من اندماجي في “تمجيد اليأس”. قلت له: لا تعجب يا صديقي، للمكان سطوة تفرض نفسها على مرتاده وتزداد مع وجود دافعٍ كامنٍ في النفس. أنت أيضاً لديك مثل دافعي وهو ما جعلك تختار هذه المقهى لنقضي فيها آخر ليالينا في شيراز. ثم همست بأذنه: سأجلس في ركن “السعادة وهم”. تبعني قائلاً “خذني معك”.

انضممنا الى ثلاثة شبانٍ، أثنان متجهّمان وثالث يبكي، انتقل الى طرف الأريكة الاخرى تاركاً الأريكة كلها، ليختلي ببكائه وحده.

تلمستُ جدران القبو كانت مغلفة، بانتظام، بقطع كبيرة من الفلّين مصبوغة بالرصاصي، ومثلها السقف، منعاً لتسرب الصوت الذي يزداد كلّما اقترب منتصف الليل حيث ينفعل الرواد وتُوغلُ المدينة غرقاً في بحر النوم.

إيوانٌ صغيرٌ في القبو مكسوٌّ جدارُه بالأبيضِ الجامدِ، لا يشكو من حمله إطاراتِ صورٍ مزجّجةٍ موشحةِ الزوايا بلونٍ أبيضَ يعلو صور شبابٍ وشاباتٍ موتى، هم شهداء جماعة تمجيد اليأس المنتحرين. على الجانب الأيسر من الإيوان طاولة تمتدّ عليها سجادة صغيرة بنفس قياسات الطاولة شدتني نقوشها وشغلتني عن رؤية السجلّ المفتوح فوق وسطها لتدوين كلمات الاعضاء الجدد والزائرين. عرض عليّ رضا كتابة كلمةٍ، قلت “بازيريك!” ردّ مستفسراً بتحريك وجهه سريعاً بالاتجاهين. أشرت بوجهي الى السجادة الصغيرة الممّددة على الطاولة. قال: لا تعجب، يمكنك العثور على نماذج منها في كلّ مكانٍ ها هنا في شيراز وبقية مدن إيران. لم أكتب كلمة في السجل، لكن رضا دوّن كلمة إعجابٍ دون توقيع. قال إنه يحتاطُ أمنياً.

على مقربةٍ منّا جلستْ شابةٌ قصيرة الشعر ببنطالٍ ممزّقٍ من الركبتين بحضن شابٍّ طويل الشعر أشعثه، بين وقتٍ وآخر تستديرُ إليهِ تمتص رحيق شفتيه، يتمايلانِ بجلستهما السكرى مع أنغامِ أغنيةِ راب غاضبة بالفارسية. مثلهما يفعلً شبّانُ آخرون بدوا مندمجين مع الموسيقى الغاضبة التي ثمة اتفاق بين الرواد على بقائها منخفضة، إن أمكن، كي يحافظوا على بقائهم في ملتقى اليأس آمنين. بين أغنية وأخرى يوقف سلمان بور جهاز الصوت ويقرأ عليهم مما يحفظ بيت شعرٍ أو جملة يشاركه بعض الحاضرين تتمتها، وفي وقت آخر يطلب أن يرددوا معه كلمة “چرا؟ چرا؟” بعضهم كان يهتف غاضباً “چراااا”. حين يهتف سلمان بور “خوشبختى” يرّدون، معترضين، على دعاة السعادة، منزلين قبضاتهم المضمومة خلا الابهام يشير الى الأسفل: “ياس” مطيلين لفظ حرف الألف و مشدّدين على السين بعنف.

لا يخلو الحضور من مدّعي اليأس؛ كأيّ مجموعةٍ متمردةٍ. بان ذلك على ملامح اثنين بين من وصلتهم نظرات عيني.

مائدة الطعام والشراب عبثت بها أصابع الغبار المثار من رقصاتٍ وتحركاتٍ الرواد في مكان عسكرت فيه الرطوبة منتصرةً على عطورٍ تزاوجت مع دخان السجائر والماراجوانا علقت بملابس الجميع.

صعد سلمان بور منصةً خشبيةً، غير عاليةٍ، بقياس مترين مربعين. صفّق بكفيه المتسلطتين مراتٍ طلباً للهدوء. أنصت الجميع. راح يخطب: “يا جمع اليائسين! لنحيّ صديقنا في أخويّة اليأس (رسول كريمي) الذي تمكن من الفكاك من أسر الوظيفة مستقيلاً، بعد أن نجح، أخيراً، بإجبار أهله على دفع حصته من الإرث مقدماً. مرحى له”.

نهض كريمي في مكانه بخانة ” ّكل الوجوه تقلقني” وردّ التحية برفع يديه المفتوحتين في الهواء، وضعهما على رأسها امتناناً.

حثّ سلمان بور الحاضرين على المطالبة بإرثهم من ذويهم حتى وإن كان منقوصاً. ثم رحب بنا كزائرين قادمين من هولندا، وبثالث قادم من طهران في خانة (غائبٌ دوماً) فرحّب الجمع وصرخ بعضهم “مارجوانا”.

حان وقت الشعر! قال سلمان بور، صديقتنا في اليأس مريم لديها قصيدة يائسة ستقرأها الآن. صفقنا جميعاً. هرولت مريم للمنصة، ترتدي الجيتنز الممزّق وكنزة قطنية حمراء بأكمام طويلة، تحملُ كيتاراً كلاسيكياً. قالت إن عنوان قصيدتها “ورطة”. صفقنا لها بحرارةٍ. حيّتنا ثم تنحنحت. كشفت ابتسامتها عن ارتباكها الذي سرعان ما تلاشى حين شرعت بالعزف، بنغمةٍ واحدةٍ، على أوتار الكيتار الست المستسلمة لعفقها بقطعةٍ بلاستيكيةٍ يعضّ عليها ابهامها وسبابتها. انطلقت تغني نائحة وشرع رضا يترجم لي همساً:

مَنْ عرّفَ أمّي بأبي؟

منْ زوّجهما؟

من باركهما؟

من حرّضها على الحمل بي؟

من سحبني من رحمها؟

من بارك صرختي؟

من كّبرني؟

من علّمني؟

من أخذ بيدي لعبور طرقات العمر؟

من عشقني؟

من بدّد حزني؟

من زيّن وجهي الكالح؟

من أغراني بحبّه؟

من أضاء ليلي الحزين؟

من أوهمني بالسعادة؟

من أبعدني عن حدائق الموت؟

من ربطني بالحياة؟

أآأآأآأآه! أآأآأآأآه!

لقد تورطتُ

خذوا، يا أصدقاء اليأس، بيدي.

هاكم يدي. هاكم يدي.

قوبلت بموجة تصفيق. عادت لمكانها في خانة “البومة العمياء”.

قبل أن تجلس وزّعت على زملاء الخانة نسخاً من قصيدتها.

تلاها شاب ملتحٍ، اسمه حسن، قبل أن يقرأ قصيدة عنوانها (ألوان اليوم) تحدّث، بصوتٍ خشبي تتحشرج نشارة الحروف في حلقه، عن انتهائه من كتابة ديوانه الذي تبلغ عدد صفحاته الألف:

الليلُ زنجيٌ يبحثُ عن بحر يعبره بقارِب صيد لا يبين.

النهارُ هنديٌّ يكدحُ في ترميم الذكريات،

تسعفُه حبات عرقِه بزخةٍ من مطر الراحة.

الصباحُ سائحٌ أشقرُ يمرّ رامياً ابتساماته على الطرقاتِ، لا يأبه بتاوهاتها تحت قدميه.

تجمعوا كلهم على “حسن”.

صمت ثوانٍ، ثم واصل رافعاً صوته:

الرو ُح تصهلُ،

تصهلُ،

مخنوقةً في اسطبل الجسد.

نال إعجاباً مشابهاً.

جلس ووزّع على زملاء الخانة وجيرانه نسخاً من القصيدة.

عاد سلمان بور الى المنصة. أعلن أنه سيقرأ قصيدة جديدة “هدية لزوّار جميعتنا”. نهضنا، أنا ورضا، حييّناه عن بعدٍ، ومثلنا فعل شاب من خانة (غائبٌ دوماً). ردّ سلمان بور تحيّتنا، وواصل حديثه: “عنوان القصيدة (مرحاض السعادة) لكنّها موزونة ومقفاة كسراً لهيبة هذا النمط من الشعر الذي صار مخصّصاً للمدائح والمراثي والأناشيد الدينية والسياسية. كما تعرفون أنا شاعر نثر. وقصيدتي هذه رداً على شعراء الوزن والقافية المتباهين بنمطهم الذي سندخله مرحاض السعادة، وقطعاً لاتهامات الشعراء المحافظين عبّاد القوافي لمعشر قصيدة النثر أننا نجهل الكتابة بنمط موزون”.

أنشد قصيدته من وزن الدوبيت:

المجدُ للمتشائمِ اليائسِ اللّا منتمي

المستخفِّ بما يرى من زيف هذا العالمِ

فيصيحُ دونَ تحفظٍ: يأسي وخيباتي انهضي

مرّي على فرَح الورى بتهكّـمٍ لتقوّضي

بهجاتهم. يا سخفهم يتضاحكون كأنّهم

لن يستفيقوا من منامات السعاد ِة! ويلهم!

أفراحهم مرحاضنا إنا نعيشُ بيأسنا

ونكلّلُ السعداء، كي يصحوا، بوافر بولنا

فلتهتفوا: لا نحتمي بجيوش حمقى العالم

نتأمّلُ اليأسَ البهي ولكلِّ يأسٍ ننتمي

ضجّت الصالة بالاعجاب بالقصيدة وردّد بعضهم آخر بيت منها. ورجاه كثيرون إعادة إلقائها ففعل.

تكرّر الاعجاب، فشكر سلمان بور، دون أن ينحني، الحاضرين، وطلب خفض الصوت. هبط من المنصّة منتشياً بقصيدته وتابعيه وإمارته عليهم. طلب من شابين صافحاه، بحرارةٍ ذليلةٍ، أن يوزعا نسخاً مصورةً من قصيدته على الحاضرين.

سألت رضا عن امكانية الحصول على قصيدتي الشاعرين السابقين. ذهب وتحدّث مع كلّ منها مشيرًا ناحيتي. سلّمه الشاعر حسن نسخة من قصيدته وأرسل لي نظرة امتنان مع ابتسامة فرردت عليه بتلوحة شكر، ومثله فعلتُ لمريم شاعرة (البومة العمياء) التي ظلّت متجهمة.

طال مكوثنا بين شبان وشابات اليأس خمس ساعات ونصف. تناولنا خلالها المكسرات وشراب الشعير المختلط بعضه بالكحول. غادَرَنا الشبان الحزانى، المتجمهمان ورفيقهما الباكي، الى خانة (ملعونٌ من يطرق الباب).

انضم لخانتنا شاب وشابة جلسا لصقنا. بين وقت وآخر تنظر الشابّة لرضا ولي غير آبهة برفيقها الذي دس كفّه، وهو يهمس باذنها، في بنطالها المنزلق على وسطها كاشفاً بياض أعلى مؤخرتها. فتردّه ساحبةً كفه. انحنت فظهر ملتقى ردفيها مادةً يدها تتخلص من رماد سيكارتها في منفضةٍ زجاجيّةٍ. الردفان كأنهما سياميان يحاولان الخلاص من أسر الثياب الضيقة. تسابقنا، أنا ورضا، على مبادلتها النظرات بابتسامات مشتهية. انبثقت الانانية في خانتنا (السعادة وهم) فأسرعتُ لمسك كفّها مدّعياً قراءة طالعها. مسّدتُ بأصابعي على راحة يدها ورفعت عينيّ أقرأ ردّ فعلها. قبل أن يعتدل مسار نظري صوب عينيها هجمت كفّ رفيقها ممسكةً معصمي بقوّةٍ ومن عينيه وصلني شرار التهديد. لم أفهم ما خاطبني به، فتداركت رعشة الخوف التي كادت تهزني بعبارة shut up التي تحتاج أن تُقال بصوتٍ مرتفعٍ وملامح غضبٍ، لكني أطلقتها بنغمةٍ مسالمة. تدّخل رضا، متأخراً، لتهدئة غضب الشاب. فهمت أنه أقنعه أني أقرأ الكف وكنت سأطلب قراءة كفّه أيضاً، واعتذر منه. ظلّت رفيقته تنظر متباهية بما حصل لأجلها وبسببها. عاتبني رضا أني استعجلت المغازلة، كان من الممكن الانتظار ريثما يغادر رفيقها الذي سحبها وغادرا الى خانة ( كلّ الوجوه تقلقني).

لمتُ نفسي على ما جرى من استسلام لغواية فتاةٍ لعوب. بدّد وجبة اللوم ضجيجٌ غير بعيدٍ عنّا، حيث يجلس شابٌ بشعرٍ أشقرَ مصبوغٍ ووجهٍ أبيض أملس، طغت ملامح إنوثة داعرةٌ على صفحاته، يجلس بين ثلاثة شبّان ملتحين بملامح جائرةٍ، محتلّين خانة “ارحموني”. كان يهمّ بنزع بنطاله فيعيده زملاؤه للجلوس، ثمّ ينهض من جديد. تركوه حين اعتلت المنصّة شابّة أربعينية بشعرٍ أسود جعدٍ، وجهها مستدير، يميّزه تقارب حاجبيها بشعيرات تتهيّب ارتكاب العناق. طلبت من الجميع المحافظة على الهدوء. سألتِ الجمعَ: هل تصدّقون الساسة؟

صاحَوا بصوتٍ واحدٍ ” كلّا”.

كرّرت طلبها خفض الصوت.

-هل تصدقون رجال الدين؟

علا الصياح الساخر وزاد أغلبهم بإبراز ابهام كفّه المقبوضة للاسفل. ثم سألت الجعداء: ماذا ترون في قرارات مجلس الأمن الدولي والامم المتحدة؟

قال الجمع: خراااء.

أكمل الامردُ نزع سرواله وأدار مؤخرته العارية للمنصة التي غادرتها الجعداء، فانحنى ونجح بإخراج ضرطة حيّاه عليها جلاّس خانته والخانات القريبة. كان ذلك ردّه على سؤال الجعداء. كان مخموراً. أبقى بنطاله يقيد ساقيه، ومؤخرته تزداد عرياً واحمراراً بعد أن راح يضربها بكفّه المضطربة طالباً المزيد مما لم تفلح في إطلاقه.

نهض زميل له، قبّله على خدّه، ألبسه بنطاله وأعاده للجلوس ضاحكَين.

اعتلى سلمان بور المنصة من جديد معلناً عن فقرة الختام. “الموسيقى”، هتف الجلاّس بالتحية له. طلب المحافظة على الهدوء وعدم التهور. نادى على شابيّن طويلي القامة يحمل أحدهما آلة التار والآخر يحمل دفّاً. عازف التار هو المغني. حبال صوته معتقّةٌ بزيوتِ ورودِ الجبالِ البريّة. انشدّ معظمنا لغنائه الحزين. لكن بعد انتهاء وصلته افترس قرع الدفِّ صوت التار الذي توارى هامساً بين الراقصين. كنا، أنا ورضا، نتمايل وسط قفز وضجة اليائسين. ظلّ صوت سلمان بور يصرخ، بين وقت وآخر، طالباً خفض الصوت. اختلط العرق بالغبار الراقص بيننا. الكلّ يرقص مع الجميع. البعض يعض زميله أو زميلته. لعبت الماراجوانا والكحول في الرؤوس.

سحبني رضا من ذراعي هامساً في أُذني أن نغادر. بحثنا عن سلمان بور لنشكره على ترحيبه بنا. كان يقف أسفل المنصة متكتفاً يتمايلُ على صوت الدفّ ودبك الراقصين. سحبه رضا الى مدخل القبو. شكرناه، بالعناق تتابعاً. طلب منّا البقاء للمبيت في القبو. أخبره رضا أن لدينا ارتباطات صباح الغد. مازحه سلمان بور: ربما سيعاقبك والدك لو تأخرت أو نمت خارج بيتكم!

عانقنا سائلاً إن راق لنا المكان، أبدى رضا امتنانه له على هذه الدعوة، وأخبرته أنا أنها تجربةٌ فريدةٌ لي بالتعرف عليه وجماعته. سأل عن قصيدته فأريته نسخة منها أحملها. كرّر معانقتي طالباً معاودة الزيارة. رفض قبول تبرعنا للجمعية ودعانا لتناول ما نشتهي من مشروبات ومأكولات، لطريق العودة، قال إن الشباب أممّوها بطريقتهم من تجّار جشعين ومن منازل أسرهم. طبطبتُ على صدري شاكراً. جلب رضا قنينتي ماء معدني أفرغناهما في جوفينا ساعة خروجنا.

لفحنا هواء الشارع بارداً نقيّاً. ظلت ضوضاء (قبو اليأس) بأذنيّ ونحن نغادر الزقاق. تلفتُّ خشية أن يسمع أحد المارّة النادرين ما يدور في الأسفل.

قال رضا: ربما سأكون أحد أعضاء جمعية تمجيد اليأس هذه لو لم أسافر الى هولندا وأستقر فيها.

– حقًا؟

– لا يمكنني العيش هنا مكبلاً قليل الامكانيات إلاّ على طريقة هؤلاء الشباب.

قبل أن نبتعد عن قبو اليأس أوقفنا صوتٌ من حارةٍ جانبيةٍ ظلماء ينادي باسم رضا. تسمّرنا، فترجّل من سيارة، بالكاد تبين، مركونة في الحارة الظلماء، رجلٌ مربوعٌ بلحيةٍ خفيفةٍ خمسيني، صافحنا، وراح يتحدّث، بغضبٍ، مع رضا. اتكأت على جدار قريبٍ بقدمٍ مثنية للخلف. كان الجدار خير عونٍ لامتصاص صعقة الخوف التي انتقلت لي من نغمة الحديث اللائم. لم أفهم من حديثه شيئاً لكني هجست مبتغاه من إشارة بيده اليمنى تجاه القبو. تغيّرت ملامح رضا، بعد خوفٍ اكتساها إلى طمأنينة حذرة، فاضطر للابتسام وشكر الرجل الذي صافحه رضا، ومثله فعلت، مبقياً هو على ملامحه الجادّة. غادرناه، فعاد لمستقره في الظلماء.

كان الرجل قريب رضا من جهة أمه، ويعمل في الشرطة السرية، مهمته مراقبة قبو اليأس، ويعلم أننا كنّا هناك. أخبره رضا أن الفضول دفعنا للزيارة استجابة لدعوة من صديق قديم مجنون.

– وهل صدّقك؟

– هكذا أوحى لي، وقد أخبرته أنني مغادرٌ الى هولندا. لكنّ ما طمأنني قوله إن جماعة “تمجيد اليأس” لا خوف منها ومن أشباهها على النظام. لنا عيون فيها، غير سياسيّة وغير مسلحة، وعملها تحت الأرض، يؤكد قوتنا وخوفهم.

 

[email protected]