“نصبٌ واحتيال” قصة قصيرة للكاتبة المغربية كريمة أحداد

كريمة أحداد

***

دقّت الساعة الثانية بعد الظهر، وحلّقت ذبابةٌ صغيرة كانت مستقرّةً على طبق الفاصولياء الموضوع على الطاولة. تابعتها فتيحة بعينين متوجّستين وهي تلتصقُ بزجاج النافذةِ المضبّب وتدعَكُ رجليها الأماميين ببعضهما كأنّها تستعدّ للقيام بشيءٍ مهمّ.

فرَكت فتيحة بدورِها كفّيها وهي تسير ذهاباً وإياباً في الغرفة الصغيرة ذات الجدران المشققة والأريكتين المتّسختين والمهترئتين. أريكتان لا يعرفُ أحدٌ لونَهما الأصليّ، لأنه تحوّل بفعلِ الغبار وكثرةِ الاستعمال إلى بنّي غامق. كانت الأمّ البدينةُ قصيرةُ القامة تُمسكُ طبق الفاصولياء وتمسحُ الطاولةَ من فتاتِ الخبز، حين توقّفت فتيحة مركّزةً نظرها على الذبابة من جديد وهي تقول بريبة:

– ألنْ يأتوا؟ لقد تأخّروا كثيراً.

قالت الأمّ وهي تتحرّكُ بصعوبة متوجهةً نحو المطبخ:

– هذه هي مواعيدُ المغاربة، لكنْ، لا بدّ وأن يأتوا، لا بدّ من ذلك! لا يمكن لقضيةٍ كهذه أن تمرّ بلا حِساب.

توارت الأمّ في المطبخ لبرهة، ثمّ عادت متمايلةً بمشيتها البطيئة، وألقت بجسدِها الثقيل على الأريكة، ثمّ تمتمت دون أن تنظُر إلى ابنتِها:

– لكنْ، عليكِ أن تتوقّعي كلّ شيء، فالصحافةُ هنا لا تهتمّ أبداً بالقضايا الحقيقية مثل قضيتنا، بينما تحشر أنفها في كلّ التفاهات والترّهات الموجودة.

امتَقع وجه فتيحة الأبيضُ البشرة المليء بالندوب وآثار البثور، فتحوّل إلى ما يشبه حبّة طماطم متعفّنة. إنها تنتظرُ صحافيي قناة “رادار TV” الإلكترونية الشهيرة منذ أسبوعين، بعدما تمكّنت من الحصول على موعدٍ معهم للتصوير اليوم داخل بيتِ عائلتها الواقعِ في حيّ سباتة بالدار البيضاء. ولا بدّ أن يأتوا، لأنّ قضيةً كهذه لا يمكنُ أن تمرّ دون تحقيق ومحاسبة. إنها قضيةٌ تهمّ الرأي العامّ المغربي بل والدولي أيضاً. قضيةُ نصبٍ واحتيال حقيقية كانت فتيحة ضحيتَها، وقد تقعُ ضحيتها الآلاف من الفتيات المغربيات البريئات والحالمات بمستقبلٍ أفضل.

لا بدّ وأن يأتوا. فقناة “رادار تيفي” هي الوحيدة التي تستطيعُ أن تحلّ مشكلةَ فتيحة ومشاكلَ جميع المغاربة داخل البلدِ وخارجه.

ركَضت فتيحة نحوَ الحمّام تجرّ جسدَها الضخم وجلبابَها الأصفر المرقّط بالأسودِ مثل جِلد النّمور، وقد شعرت بطاقةٍ لا مثيلَ لها. لا بدّ وأن يأتوا. حدّقت إلى وجهها في المرآة وهي تثبّت شعرَها الأسودَ وراء أذنيها، وتتفقّد الكحلَ الرخيص في عينيها. لا بدّ وأن يأتوا. سمِعت شخيرَ أمّها قادماً من غرفةِ الجلوس، ثمّ طرقاً قوياً على الباب مثلَ طرقِ البوليس.

لقد أتوا أخيراً، وسينقلون قصّتها إلى العالم، وستحكي عن النصبِ الذي تعرّضت له، وستشكو همّها إلى جميع المغاربة ليساعدوها في محنتِها، بل إنّها ستطلُب من الملكِ شخصياً أن يتدخّل ليحلّ مشكلتها.

وبمجرّدِ ما نطَق دِماغُها كلمةَ “الملك” وهي تتوجّه لتفتح الباب، حتى اهتزّ جسدُها من الخوف. لكنْ، ما المشكلةُ في ذلك؟ الجميعُ هنا يرفعون أعينهم إلى السّماء بأملٍ موجِع ويطلبون من الملكِ مباشرةً أن يحلّ مشاكلَهم، بدءاً بمشاكل الزواج والطلاق والخيانات الزوجية وغرفِ النوم، مروراً بمشاكلِ البطالة والفقر والصحة وردهات المحاكم، انتهاءاً بمشاكل الجفاف وقلّة الأمطار وسوء الحظّ. وستفعلُ مثلهم فقط، لا أقلّ ولا أكثر.

فتحتِ الباب بفرحٍ غامر. انتعشت وهي تسلّم على الصحافي بحرارةٍ وامتنان. وبعدَ دقائق، كانت قد اعتدَلت في جلستِها أمام الكاميرا، دونَ خوفٍ أو توتّر، كأنها إعلاميةٌ متمرّسة ومتعوّدة على الحديثِ في التلفزيون منذ عشرين عاماً.

سألَها صحافيّ “رادار TV” باهتمام:

– هل يمكن أن تسردي لنا حكايتَك منذ البداية؟ كيف تعرّفتِ على هذا الرجل؟

تاهت عيناها في الفراغ وهي تسرد حكايتَها بخشوع:

– اسمي فتيحة المسعودي، وأنا في الحاديةِ والثلاثين من عمري. أنا يا سيّدي فتاةٌ مغربية بسيطة وفقيرة كما ترون، لكنّني مع ذلك، تعرّضتُ لعمليةِ نصبٍ واحتيالٍ كبيرة. ليسَ الأغنياء فقط من يتعرّضون للنصب، مَن لا يملكون شيئاً غير أحلامِهم مثلي أيضاً يتمّ الاحتيال عليهم، وتُسرَق منهم أحلامهم وآمالهم وطموحاتهم. أنا يا سيّدي، كنتُ في علاقةٍ مع شابٍّ من حيّنا دامت سبعَ سنوات، وفي السنةِ الماضية خطبني من والدتي، فأنا يتيمة لا أبَ لي ووحيدةٌ لا أخَ لي ولا أخت…

احمرّ أنفُها وتساقطت دمعتان على خدّيها، شهقت بحرقةٍ ثمّ تابعت:

– كان كلّ شيءٍ يسير على ما يُرام.. حتى صديقاتي حسدنني لأنني استطعتُ أن أجعله يتزوّج بي، فهنّ يركضن وراء عشّاقهنّ منذ سنوات ليزوّجوهنّ دون جدوى. نعم، كان كلّ شيءٍ على ما يرام، ما دام أن جاراتي المشعوذات حاولن تعريضي للسّحر غير ما مرّة، وباءت كلّ محاولاتهنّ بالفشل.

قاطعها الصحافي:

– وما الذي حصَل؟

تابعت فتيحة بعينين مفعمتين بالخوف والفجيعة:

– كما قلت لك، كان كلّ شيءٍ يسير على ما يُرام، وكنا سنعقد قراننا الصّيف القادم، حتى وقع ما لم يكن في الحسبان. كأنني كنتُ مسحورة! من يدري؟ فربّما نجحت محاولاتُ تلكَ المشعوذات في إفساد حياتي…

كرّر الصحافي بفضول:

– ما الذي حدث بالضبط؟

أكملت:

– كنتُ جالسةً في البيتِ كالعادة أشاهدُ مسلسل “حريم السلطان” التركيّ، فإذا بي أتلقّى دعوةً من أحدهم على فيسبوك، وكان اسمه “سِنان أيوب أوغلو”. شعرتُ بالدهشة والفرح في الوقت نفسِه، لأنني لم أكنْ أتوقّع أنني سأكون في يومٍ من الأيام محطّ أنظارِ الأتراك أيضاً. قبِلتُ الدعوة دون تفكيرٍ أو تردّد. فكما تعلم، هناك أشياءُ في الحياة لا تأتي إلّا مرّةً واحدة. وبمجرّد قبولي الدعوة، بعثَ لي تحيةً بالتركية ورددتُ في الحالِ بمثلها. لم يكَد يمرّ أسبوع حتى وجدتُ نفسي متعلّقةً به. صحيحٌ أنه لم يكُن يضعُ صورةً له على بروفايله، لكنّني كنتُ متأكدةً من جمالِه ووسامته. هل سبَق ورأيتَ تركياً قبيحاً؟

– وماذا حدَث بعد ذلك؟

تنفّست عميقاً ثم قالت:

– كان رومانسياً جدّاً، محترماً.. وكنتُ أستعينُ، بالإضافة إلى الكلماتِ والعبارات التركية التي تعلّمتُها من المسلسلات، بترجمة غوغل، حتى أستطيع التواصل معه. كان مهتمّاً بي بشكلٍ لا يُصدّق، وحين أتمّ تعارُفنا الشهرَ اعترَف لي بحبّه. قالَ إنّه لن يستطيع العيشَ بدوني، وعبّر لي عن رغبته في الزواج منّي. لم أستطِع أن أمنع نفسي من تخيّل حياتي معه. تخيّلتُني عروساً بفستانٍ أبيضَ طويل، أسيرُ إلى جانبِه في شوارع إسطنبول كما في المسلسلات التركية. ولأنني لم أرَ صورته يوماً، فقد تخيّلتُه في كلّ مرّةٍ رجلاً مختلفاً، تارةً مهنّد، وطوراً بوراك أوزجيفيت. كِنان إميرزالي أوغلو أحياناً وبولنت إينال في بعض الأحايين… كنتُ أبعثُ له صوراً مثيرة لجسدي العاري، وكان يزدادُ حبّاً لي وشغفاً بي. بعدَ مدّة، حدّدنا موعداً للخطبة. وعندما تأكدتُ من جدّيته، ركضتُ نحو خطيبي المغربي، وأنهيتُ علاقتي معَه. ويا ليتني ما فعلت! فقد حدث ما لم يكن في الحسبان…

توقّفت قليلاً وأكملت بنبرةٍ محتجّة:

– لذلك أطالبُ جلالة الملكِ والمسؤولين بأن يعيدوا لي حقّي، وأن يحققوا في عمليات النصب والاحتيال التي تقوم بها تركيا ضدّ النساء المغربيات والعربيات والمسلمات.

راحت تلطِم خدّيها باكيةً بندَم مرّ حتى اختفت عيناها في الدموع. استيقظت أمّها النائمةُ على الأريكةِ الثانية ورمقتها بطرفِ عينِها. تطلّع إليها الصحافي بأسىً مصطنع وسأَل:

– أيّ نصبٍ واحتيال؟ ألَم يفِ بوعدِه في الزواج منكِ؟

اتّسعت عيناها وطفتا فوقَ الدّموعِ من جديد ثمّ قالت:

– لا! بل أتى في الموعِد المحدّد، أحضر معه هدايا كثيرة من تركيا، وقصَد بيتنا، وجلَس على الأريكةِ هنا في المكانِ الذي أجلِسُ فيه الآن.

لمستِ الأريكةَ التي لا يعرِفُ أحدٌ لونَها الأصليّ، واقشعرّ بدنُها. تابعت وهي تزدردُ ريقها الجافّ:

– إنهم يكذبون علينا، ويزوّرون الحقائق!

رمقَها الصحافي بدهشة، وشخرت أمّها ثلاث مرّاتٍ متتابعة. قالت فتيحة بهدوءٍ هذه المرّة:

– كانَ قصيرَ القامة، أقصرَ منّي بكثير، أحدَب تقريباً، أصلعَ، ابتسَم لي ببلادة فظهرت أسنان سوداء متآكلة، وانبعثت رائحةٌ كريهة كأنها رائحةُ الأزبال. عندما نظرَ إليّ أول مرّة، ظننتُه ينظرُ إلى الجدارِ ورائي، لكنّني اكتشفتُ بعد برهةٍ أنه أحوَل.

 

***

 

كريمة أحداد، روائية وصحافية مغربية مقيمة بإسطنبول، ولدت عام 1993 بالحسيمة شمال المغرب. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة والرقمية منذ عام 2014. فازت مجموعتها القصصية “نزيف آخر الحلم” بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب عام 2015، كما فازت روايتها الأولى “بنات الصبّار” الصادرة عن “دار الفنك” بجائزة محمد زفزاف للرواية في المغرب عام 2019 وهي جائزة انطلقلت من مدينة الدار البيضاء. وكما هو معلوم هناك جائزة أخرى باسم الكاتب الراحل محمد زفزاف، تمنح من قبل مهرجان موسم أصيلة الثقافي.