“نيويورك” قصة قصيرة للكاتب الكويتي محمد الشارخ

محمد الشارخ

كنتُ على وشك أن أنام، في الثالثة بعد الظهر وقد تغديتُ غداءً خفيفًا ولبستُ البيجاما ودلفتُ إلى السرير وبدأ النوم يتسلل لعيوني حين سمعتُ دقًا خفيفًا على الباب. من يكون؟ لا يمكن لأحد أن يأتي إلى الغرفة ولا حتى الجرسونات طالما وضعتُ على الباب إشارة يرجى عدم الإزعاج، وظننتُ ذلك حلمًا أو خيالات ما بين اليقظة والنوم، لكنَّ دق الباب استمر وبصوت أعلى فتيقظتُ وفتحتُ عينيّ ونظرتُ إلى السقف وإلى جدران الغرفة ورفعتُ الغطاء القطني عن جسدي ورفعتُ ظهري وقمتُ نحو الباب وفتحته رويدًا ومواربًا في البداية ثم أكثر قليلاً، وجاء الصوت:

– هل جون هنا؟

– ماذا؟

– جون … هل جون في الغرفة؟

– لا يوجد جون هنا.

– أليست هذه غرفة 705؟

– نعم 705.

– وجون.. ليس هنا؟

– ليس هنا.

وأخذت تدير عينيها بي، وبريق العينين يتفحصني ويتسلل من فتحة الباب داخل الغرفة.

– إذن ليس هنا.

– نعم ليس هنا.

– أنا متأسفة ظننتها غرفة جون.

وقفلت راجعًة قليلاً للوراء وظهر كَدَرٌ على الوجه مع ابتسامة مريبة تبرز غمازاتها وأسنانًا ناصعة مصفوفة، وشرعت تستدير لتعود.

– هو أعطاني هذا الرقم. آسفة.

وضحكت ضحكة سخرية ونظرت إليَّ فاحصة أو مذهولة أو مكسورة أو ماكرة. رحت أنظر إليها تمشي في الممر الطويل نحو المصاعد. لم أستطع أن أقفل الباب. ظللتُ أنظر إليها وهي تسير كما لو في الهواء. السيقان الطويلة المصقولة تميل يمينًا وبقية الجسد يميل شمالاً، بالتنورة البيضاء والخصر الهفيف وبكتلة الشعر الأشقر الذي يغطي الرقبة والكتفين، ورائحة العطر التي تركتها خلفها تصل خياشيمي. وقبل أن تلج قاعة المصاعد التفتت نحوي وإذ لاحظت أن باب غرفتي مازال مفتوحًا لوّحت بيدها إشارة مع السلامة والابتسامة من بعيد واللؤلؤ الأبيض، وبدا لي أنها تزم شفتيها الحمراوين و بين مصدق ومكذب.. رحت أفكر هل كانت ترسل قبلة ؟؟ أقفلتُ الباب ثم فتحته ثانية. أقفلتُ الباب ووقفتُ برهة دائخًا بين النوم واليقظة وهذا الحلم الحقيقة. من يكون جون؟ أهي غانية اخترعت اسم جون ؟ ولماذا لم أدعوها للانتظار عندي قليلاً ؟ دخلتُ الحمام أنظر لوجهي في المرآة، كان الشعر مرتبًا ووجهي أحمراً ونشوة تغطيه عدتُ للسرير. على المخدة وجهها يطالعني. كانت لها غمازات. وفي صدرها وهج الأصيل. القميص السماوي بالياقة العالية. وتلك الرائحة. هل أرسلت قبلة قبل أن تلج بهو المصعد؟! أين جون؟ وتقلبتُ وأنا أشم رائحتها وذاك يتهيج بين مصدق ومكذب. لم أعد قادرًا على النوم. ربع ساعة أو نصف ساعة أتقلب يمنة ويسرة وألعن أبو جون أحيانًا، ثم أترحم على والديه مرة أخرى إن كان موجود فعلاً. لعله أخوها أو ربما زوجها أو زميلها. قفزت من السرير آملاً أن أجدها في بهو الفندق. قمتُ مسرعًا وتأكدتُ من تسريحة شعري وتعطرتُ ولبستُ قميصًا وسروالاً وحذاءً بدون جوارب وفي الممر كنتُ أحس مشيتها. يمين وشمال، والرائحة، ومثل النسيم، مثل الهواء البارد المنعش كانت مشيتها. كل شيء في الممر يشي بها والجدران التي مرت عليها وزجاج النوافذ والهواء الذي ما زال مغمور بعطرها. وفي المصعد شممتُ رائحتها. كان في المصعد فتاة جبهتها وخداها حمراوين تضغط حاجبيها كما لو كانت تحمل هماً بل هموماً. كان في يدها باقة ورد بيضاء وباليد الأخرى تقرأ باستغراق شديد رسائل التليفون. وكان هناك رجلان طويلان بقبعات صيفية ونظارات سوداء يداهما متشابكتان لا يتكلمان يلبسان نفس شكل ولون الملابس ينظران إلي تلصصًا وليس للفتاة. تمنيت لو أنها معي في المصعد دون أن يكون معنا أحداً. تخيلتها تبتسم وتسأل عن جون. ثم عجبت من نفسي لماذا هذه الأفكار ؟؟ لماذا هذا الانشغال بها ؟ لعل جون أخوها أو زوجها . مالي أنا وهذه المصادفة. ما أن وصل المصعد للطابق الأرضي حتى صحوت إلى نفسي ودخلت المصعد ثانيه عائداً إلى غرفتي مستغربًا ما حل بي ساخراً من نفسي. ومستغرباً مما حل بي. كنت متلهفًا لتلك الابتسامة. وبدون بيجاما رميت جسدي على السرير لأنام.

رن التليفون ثانية. رن دون توقف. هي؟ هل يمكن أن تكون هي؟ رن ثانية ولم ينقطع. قمتُ مسرعًا .

– ألو..

– نعم..

– هل هذه غرفة 705؟

– نعم.

– هل أتتك فتاة شقراء؟

– نعم.

– أين هي؟

– لا أدري.

– متى؟

– قبل نصف ساعة.

– وأين ذهبت؟

– لا أدري.

– ماذا قالت؟

– سألتني عن جون.

– أنا جون … أنت ماذا قلت لها؟

– قلت لها أنه لا يوجد جون هنا.

– وبعد ذلك؟

– ماذا تقصد بعد ذلك؟

– ماذا حدث بعد ذلك؟

– قالت متأسفة وابتسمت.

– ابتسمت؟

– أظنها ابتسمت.

– ولا تدري أين ذهبت؟

– طبعًا لا أدري. لم أسألها.

قال: أنا جون … تصور غرفتي 507 لقد أعطيتها الرقم غلط.. متأسف للإزعاج مع السلامة .

جلستُ على السرير أنظر إلى الأرض والسقف وأراها تبتسم. عرفت سبب الكدر على وجهها والابتسامة الساخرة. كدت أموت ضحكًا من هذا المسكين الذي كان يكرر “تصور” غرفتي 507 وأعطيتها الرقم غلط” تصور! تصور!، وتخيلت لقائي هذا المساء بإبراهيم الذي وصل قبلي بأسبوع إلى نيويورك. أنا وهو نجحنا في مقابلة الأمم المتحدة لاختيار مترجمين من الإنجليزية للعربية للعمل في نيويورك قبل ستة أشهر ومنذ ذاك الحين صار همنا أن نطير إلي نيويورك خاصة ابراهيم الذي صار يتحدث الانجليزية بلهجة نيويورك . تخيلت ضحكه وتعليقه على هذا الجون العظيم ودخان غليونه سيتطاير أكثر وأكثر.

لم أستطع أن أنام. أخذتُ حمامًا سريعًا. مشطتُ شعري ولبستُ قميصًا شبابيًا وسروالاً رماديًا فاتحًا وهرعتُ إلى بهو الفندق. أين هي؟ أتكون في المقهى تنتظر!! عند مدخل الفندق، قرب الاستقبال. بين محلات البيع الصغيرة في ردهة الفندق . أين هي؟ أين ذاك القميص السماوي؟ أين الشعر الأشقر؟ ورائحتها تملأ صدري ولا أكف في داخلي عن الضحك شماتة فى جون وخيبته. سأدعوها للغرفة لو وجدتها، وستكون مصيبة جون أكبر لو عرف ذلك، والنكتة ستكون أكبر، والبهجة ستكون أكبر واكبر. وكانت الساعة قد قاربت السادسة وها هو إبراهيم يترنح بيده غليونه العاج الذي حينما حل وفي أي وقت لا يخلو من المفرقعات. ولا يعلم إلا الله أين يجدها أو كيف يجدها . كان قد زارني البارحة بعد وصولي نيويورك مباشرة وشرح لي كل ما عمله خلال الأسبوع الذي أمضاه هنا. نيويورك .. نيويورك .. نيويورك حلم. حلمنا جميعًا. جميع من على الأرض. ومنذ أن كنا ندرس الترجمة بكلية الآداب وعيوننا صوب نيويورك. بالأخص إبراهيم. تعرف على كل ما يمكن التعرف عليه عن نيويورك، الشوارع والمحلات الرئيسية والحدائق وكل شيء. امرأةً أو رجلاً، شابًا أو عجوزًا، أبيضاً أو أسوداً. كتابًا أو مجلةً أو فيديو في الأدب والموسيقى والرسم. نيويورك، كان يردد: هي كل شيء. كل ما يتمنى الرجل الحديث. الرجل الحصيف. دعك من المستقبل والسعي للمال. إنها الوجود كله. الذين يذهبون إلى نيويورك من أجل المستقبل هم فقراء أو عديمو ذوق. نحن أتينا نيويورك لنعيش. المسرح والجاز والمعارض. نيويورك!!! ودلفنا إلى البار مبكرين عن موعد وصول الرواد وجلسنا على مقاعده العالية. شاهدت الفتاة التي كانت معي في المصعد تضع الورد الأبيض على طاولة في مدخل البار وتخفض رأسها تعقد حاجبيها وتتحدث باستغراق في التليفون. وإبراهيم ينفخ غليونه ولا يكف عن إحاطتي بكل ما شاهده بعدما غادرني البارحة حتى ظننتُ أنه شاهد كل شيء. ومرة تخيلتُ أن هذه المشاهدات من خيال إبراهيم الواسع، إذ كيف يمكن أن يرى كل هذه الأشياء في أسبوع واحد. ولكنه كان مصرًا على أنه شاهدها جميعها وأنا أعرف أنه قادر على ذلك وعلى غيره!! وعدني أن يأخذني للمتروبوليتان والشارع الخامس وبرودواي وبرج التجارة العالمي ونصب الحرية وسنترال بارك ومركز روكفلر ومقهى “شوارب الأب” في جرينتش، والأمم المتحدة وصالة جوجنهايم. العمل مريح والراتب غير مهم لكنه كافٍ . والمفرقعات التي يملأ بها غليونه متوفرة يعرف أماكنها و مروجيها. ويؤكد أن لا خوف .. يؤكد انها محميه. والجميع في العمل ودودين لطيفين حلوين والعمارة جميلة والمحلات ملأى بكل شيء يخطر على البال. نيويورك كما كان دائمًا يتخيلها . كنتُ متحفزًا لأحكي له قصة جون، وهو كالعادة يقاطعني ويشير بيده إليّ: “دعني أُكمل حديثي، دعني أُكمل لا تقاطعني”. كنت متحفزًا لأحكي له قصة جون لا أكاد أنتظر اكثر فقاطعته بصوت عال. “خلاص إبراهيم دعني أقول شيئاً.. دعني… أروي لك ما حدث معي اليوم.!” مات من الضحك وبصوته الجهوري: أين أنت يا جون. طارت منك الحمامة!! “وعب من كأس البيرة التي طلبها والبارمان النحيف ذو العينين الخضرواتين كان ينظر إلينا مستفسرًا، فحكى له إبراهيم الذي نسي كعادته أنني موجود وأني صاحب القصة وأنه يمكنني أن أرويها.. كان البارمان يشرب مارتيني بالثلج والليمون بجانبه ويغسل أطباقًا. احمَّر وجه البارمان وهو يهز رأسه ويكرر “نعم نعم هذا يحدث هنا. سوف أخبرك عن قصة زوجتي”. وإبراهيم يهز يده بوجهي “أنت أيضاً أضعت الفرصة، لماذا لم تدعوها للانتظار في غرفتك ؟؟ ويلتفت إلى البارمان الذي يؤكد ما قاله إبراهيم ” يضحك بصوت عال وينفخ غليونه عالياً ووجهه يحمر، حانقاً علي كما لو كنت أضعت الفردوس. وإذا بشخص واقف غير بعيد عنَّا يربت على كتفي من الخلف وقد استمع لما نقول فاستدرتُ نحوه. تفرس بي وبإبراهيم مليًا ومن فوق ونظر إلى البارمان الذي ما زال يضحك مع إبراهيم ويكرران معاً “جون وأنت ضيعتما الفرصة”. وإبراهيم يشير بيده الطويلة إليّ ويكرر ” أنت وجون كلاكما أضاع الفرصة” قال الرجل الذي يضع يده الثقيلة على كتفي:

– أنت غرفة 705؟

– نعـم.

– أنت أم صديقك؟

نظرتُ إليه. مفتولاً، بدون ربطة عنق، بشارب أشقر صغير وعينين شرستين أو حادتين وخاتم من خواتم الجامعات الأمريكية التي تكسر الحديد في يده اليسرى. – أنا.

– أنا جون الذي كلمتك بعد الظهر.

– فرصة طيبة.

– من أين أنت؟

– وأنت من أين؟

نظر إليَّ وعيناه تتفحصاني عن كثب وكأنما يستصغرني ولاحظتُ الخاتم الكبير بشماله، لاحظتُ قامته المديدة وكفه الملبده باللحم . أزرق العينين وعلى الموضة في الشكل واللبس والحركات. يهز قدميه ويطلب فودكا وثلج يدحرجه بأصابعه في الكأس. يضع يده اليسرى على كتفي وأحس بثقل يده وبطرف الخاتم عند رقبتي وتحت أذني.

– أنا من رودآيلاند. هل تعرف رودآيلاند؟

– لا. لقد وصلتُ أمس فقط إلى نيويورك.. أول مرة أزور أمريكا.. أول يوم…

– أهذا صاحبك؟

– نعم.

– قل له أنا جون، لا داعي للضحك من قصتي.

شعرت بالإحراج. هززتُ إبراهيم: هذا جون.

ضحك إبراهيم بصوت مرتفع أكثر وهو ينفخ غليونه وخاطب البارمان.

– هذا جون.. جون الحقيقي “وبصوت جهوري” الذي طارت منه الحمامة!! البارمان ينظر إلى جون وهو يقطع الليمون قائلاً لجون “لا بأس .. لا بأس” وجون اقترب ووقف بجانبي ونظر إلى البارمان الذي كان يسند يديه على منضدة البار وسأله جون:

– هل تعرفهما من قبل؟

– لا .. لماذا؟

– هل تصدقهم ؟!

ثم حكى جون القصة للبارمان “أعطيتها النمره غلط وضرب البار بقبضته .. الحظ الحظ”. والتفت نحوي وهو يهز كتفيه ورقبته.

– ألم تكن جميلة ؟

– قلت جميلة فقط!!! إنها جذابة أيضًا. توقف البارمان عن تقطيع شرائح الليمون وقال لجون والدم يصعد إلى جبينه “أنا أيضاً أضعت زوجتي” .

قلت والبارمان ينصت وإبراهيم يستنكر ويتأفف وينفخ بالغليون ” لم أكن أعرف من هو جون، ولا لماذا هي تدق الباب، لم أكن مستعد نفسيًا، لم أكن مهيئًا “. قفز إبراهيم من كرسيه منزعجاً ووقف على قدميه ملوحاً بالغليون في يده ونظر إلى البارمان موجهاً الحديث له: وهل الموضوع يحتاج تهيئة؟ تهيئة ؟! تشرب عصير برتقال في هذا المكان طبعاً تحتاج تهيئة !! والبارمان يهز رأسه موافقاً.

سألت جون : أهي صديقتك من زمان؟.

– قال جون وهو يكاد يأكلني بعينيه المحمرتين : لن تصدق. ووضع يده اليسرى على كتفي أنت ما اسمك؟ يهز قدميه ويرفع خصلة شعره بيده فتبرز الكتفان العريضتان والرقبة الطويلة. يشرب جرعة أخرى: لن تصدق ويهز كتفي ثانية وأحس بالخاتم وأنا محرج من أن أقول له ارفع يدك عن كتفي رغم انزعاجي من ثقلها، اكتفيت بالنظر إليه مجاملاً وإلى قامته المديدة وأحاول بطريقة ما تحمل لوم إبراهيم وحنقه علي لهذه الغلطة التي لم أتصور إنها تستحق كل هذا الغضب منه. ما أسمك ؟ ما أسمك؟ والبارمان يدني رأسه نحونا يسترق السمع بعيداً عن صوت إبراهيم الذي ما زال يكرر “معقول تضيع الفرصة في أول يوم لك في نيويورك؟ من أول يوم تضيع الفرصة ؟” ندمت لأني أخبرته بموضوع جون .

واستمر جون قائلاً كنتُ في الغذاء. مع مدير الشركة والمحاسبين. أنا أيضًا وصلتُ البارحة من رودايلاند. هذه ثالث مرة آتي فيها إلى نيويورك. وثاني مرة يحدث معي نفس الشئ. كنا على الغذاء وكنتُ أشرح لمديري والمحاسبين طلبات بعض العملاء في رودآيلاند. كان لدي طلبيات وصفقات جيدة كنت سأربح منها الكثير ويسر بها مديري ثم تقدمت هذه المرأة نحوي. كنتُ أتحدث لمديري وشاهدتها قادمة نحوي، باتجاهي وهي تنظر لي وتبتسم. حاولتُ أن أتذكر هل أعرفها من قبل. لم تتح لي الفرصة للتفكير فقد كانت طاولتها غير بعيده عن طاولتنا. وكنت ألاحظ بين وقت وأخر أنها تحدق بي. وما أن وصلت طاولتنا حتى انحنت عليَّ ووضعت يدها على كتفي وفمها بأذني دون أن تعير انتباهًا للآخرين وهمست بأذني ” يا ولد.. أنت جذاب أريد أن أقبِّلُك”، وقبلتني بطرف الفم ومضت للحمام كما يبدو وأنا مشدوه وجبهتي تعرق. استغرب المدير والزملاء الحادث . حاولتُ أن أكمل حديثنا عبثًا. استغرب المدير وأقسمت أنني لا أعرفها وليس بيننا موعد سابق، قال المدير وقد صار وجهه أحمراً والشك يساوره في أنني واعدتها هنا. قال: إنها تجلس خلفي وهذا صاحبها معها.. لقد سمعتهما يتحدثان عن هاواي. يبدو أنهما كانا في إجازة. وبعد قليل إذ عادت من الحمام رأيتُ عيون المدير تحت نظارته السميكة وعيون المحاسبين تتجه كلها باتجاه واحد، وبدا العرق على جبيني وشعرت بإيقاع حذائها، وبمشيتها.. شمال يمين. وشددت يدي على مفتاح غرفتي الذي كان على الطاولة. كانت في طريقها لطاولتها مع رجلها الذي كان مستمرًا في الأكل وبيده تليفون لا يتوقف عن الحديث فيه منذ أن جلس إلى الطاولة. وقفت بجانبي تنظر بابتسامة جسور لمديري والمحاسبين ووضعت يدها على كتفي وغمر عطرها هواء طاولتنا وقالت للجميع “آسفة لمقاطعة حديثكم”، وهمست لي بصوت خافت مغوي “أعطني رقم غرفتك بسرعة.. وضكت بخفة.. سآتيك بعد نصف ساعة. ما اسمك؟” قلت لها بسرعة وبدون تفكير أو تردد وببداهة وبدون سؤال أو جواب قلت: “جون وغرفتي 705 “. ومديري والمحاسبون ينظرون إليّ باستغراب شديد. سألني أحد المحاسبين “هل أعطيتها رقم غرفتك”؟ والحرج يطغى على كل أحاسيسي وجوارحي. لم يصدق مديري ما يحدث وقام بعد قليل ومعه المحاسبون دون أن أكمل مهمتي ومع ذلك أعطيتها الرقم الغلط. 705 بدلاً من 507 هذا هو الحظ. وضحك ساخرًا من نفسه وشرب جرعة كبيرة من كأسه. يشد قبضته يضرب بها سطح البار لم أحصل لا على المال ولا على المرأة!! والبارمان يرفع رأسه ينصت مليًا ووجهه محمر وعاقد الجبين . يضرب جون بيده كتفي وأحسن بطرف خاتمه: ” ذهبت إلى غرفتك. إلى 705 وشد على كتفي ثانية بقوة: 705″.. جرع الكأس مرة أخرى وإبراهيم لم يتوقف عن نفخ غليونه مكرراً بصوت يزداد ارتفاعاً وامتعاضاً !! أضعت الفرصة طبعاً. وساخراً وتشرب عصير – هنا تشرب عصير؟ في نيويورك؟! طبعاً لن تكون مؤهلاً ، لم يكن بيدي أن أسكته. كيف لي أن أسكته!! لو كلمته سيصرخ بي لا تقاطعني. تمنيت أن لا يأتيني ثانية..

متشككاً في روايتي عن زيارتها قال جون لا أعرف من أين أنتما. ولستُ مضطرًا لتصديق روايتك. لكن عليك أن تعرف أن هذه هي المرة الثانية التي يحدث لي فيها نفس الأمر في هذه المدينة. في الزيارة الماضية حدث نفس الشيء ، نفس الشيء. المرأة هنا تأتيك. تغويك. ثم تضيع منك لا تنال منها ما تريد. وكان البارمان يهز رأسه موافقًا ووجهه يزداد احمراراً وعرقاً وحنقاً، وإبراهيم ينفخ بغليونه متذمراً من الكارثة التي أحدثتها في أول يوم بنيويورك. اسمعا مني قال جون.. وعبء بقية الكأس: لن أعود إلى هذه المدينة. لن أعود إلى هذه المدينة أبداً. تغويك ولا تعطيك. تعالا إلى رودآيلاند. تعرف ناسها ويعرفوك. تعطيهم ويعطوك . هنا لا أحد يعرف احداً. هذه المرأة لم أعرفها من قبل. بحق الإله لماذا أتت لي وأنا جالس مع مديري وقبلتني .. لماذا ؟! لماذا لم تأتني بعد أن أنهيت اجتماعي مع المدير ؟! يهز رأسه ويضرب سطح البار الخشبي بقبضته.. لن أعود لهذه المدينة. والبارمان يهز رأسه مؤكدًا على كلامه وبحزن شديد وصوت أبح متهدج يقول: أعرف ما تقول.. أنا حصل معي نفس الشيء تركتني زوجتي بعد أسبوعين من وصولها نيويورك، حتى الآن لا أعرف أين هي؟ يمسح رقبته وعيناه تغرورقان منذ سنتين لم تتصل، وأنا لم أسأل عنها، أين أسأل عنها .. ذهبت مع ذاك الشاب البرازيلي ذو الشعر الطويل مدرب خيول!! . لا أدري أين وجدته وكيف اتفقت معه؟!. سافرا معاً إلي شيكاغو كما أخبرتني. ربما تكذب . من أين لي أن أعرف ؟ ومسح يديه بالفوطة.. أخذ يبكي اسمع يا جون وأشار البارمان إلى الطاولة التي كانت تجلس عليها الفتاة التي كانت تتكلم بتشنج في التليفون وقد تركت الورد ملقياً على الطاولة. قال البارمان: جلستُ مع زوجتي على تلك الكراسي، بعد أسبوعين من مجيئها إلى نيويورك.. وأنا أيضاً أتيت لها بباقة ورد . قلت لها انتظري لا تستعجلي أنت لا تعرفيه جيداً،. لا أعرف السبب. قلت لها: أنا أحبك.. لا تتركيني، قلت لها: ” لا تتعجلي، لا تتعجلي”.