هررّةُ البلاد قصيدة للشاعر العراقي جليل حيدر

جليل حيدر

عندما انتحرَ الرفيقُ الرمادّيُ، لمْ يكن الوقتُ ورديّاً تلك السنة
والرفيقُ الرماديُّ طنانٌّ يبربرُ كهّرٍ يتلمّظُ على فَضَلاتٍ.
هرٌّ أنيقُ الملبسِ يهزُّ رأسهُ متوافقاً مع الطُغمة.
هرُّ المربّع الأوّل والدستور والأدعية
هِرُّ يبيتُ في سُرادق عزاءٍ، يردّدُ نشيدَ الأسلحةِ والتخفّي
هِررّةٌ تُخرمشُ بمخالب مُستعارة من الجيران.

 

*

الأوّلُ هِرُّ المربّع :
يرفعُ إصبعه كمنْ يقرأ خطبةً على جبلٍ حيثُ زوابع ومطرٌ
وعواصف، يمتدحُ المربّعَ الأوّلَ مع ضوءٍ
في مسرحية الضمير المستتّر. لعلّهُ نسيان ذاكرةٍ، أو معاهد للصيدلة والدواء.
في الأقّل، سيجدُ المرضى فردوساً اصطناعيّاً ونقاهة.
ما يعنيني في هذا الهّر، ربطةَ عنقهِ وترميشة عينيهِ في الاستوديو.
لا بُدّ من محلّلٍ سياسيٍّ لهذهِ الدوامة.
*

الثاني هِرُّ الوَسّطيّة :

هُنا العصا، وهُنا نصفها. اطبقْ يديكَ على نقطةٍ تحفظُ ماء الوجهِ
وتُهرّبُ أرانبها نحو الفخاخ.
مثل نصفِ الكأسِ خاوياً، كي لا تقربوا الصلاةَ وأنتم خونة،
مثل نعمٍ ولا
مثل باقة وردٍ اصطناعّيٍ في بستان.
المغزى تربيتةٌ على الخّدِ، وانحناءةٌ في بهوٍ من التماثيل.

*

الثالثُ هِرُّ الديّن:

لِمنْ كلّ ذاكَ المواءُ والوعيد؟
أللقطيعِ يجرُّ عربات التراثِ والتقوى باكياً؟
مواعظُ ونفاياتُ “قال أحدهم”، وذاكَ اللباس المتديّنِ في ظلام أبّهتهِ
مع مايكرفون التأنيب، ثُمّ واجبات التذلّل،
لأّن لائحة بأسماء النبييّن وحوادث الطرق الغريبة وصفة هِرّ الدين.
هِرٌّ في عباءةٍ وأصبعه يُهدِّد.

 

*
الرابعُ هِرُّ المصطلح :

وُلِدَ في قاموس. مُعتّدٌ برطانتهِ تحت شمسٍ غاربةٍ
العولمةُ كلمةٌ تنقذهُ من العاصفةِ، يرمي بها كشراعٍ يرفرفُ
على شاطيءٍ مجهول.
هِرٌّمصطلحٌ، مُعجمٌ يبدو كتمثالٍ مفتوح الفم.
مع هذا
تغفرُ له شهاداتُ التقدير من مجامع اللغة،
ومراكز الشرطةِ
وتيارات الحداثة.
هِرٌّ يُشبهُ زنزانةٍ، أو مدرّعةِ شوارع
ورصيف.

 

*

الخامسُ هِرُّ المؤتمرات :

لا بُدَّ من سجّادةٍ حمراء في مدخل الفندق
ونوافذ قطارٍ، وماخور
وخُذْ ما تريد من ياقاتٍ مُنشّاةٍ، مع بَرَكة الرئيس على المنصّةِ
ونصائحَ تليقُ بالتكتيك.
خُذِ القلم والمدائح
خُذِ الأجرَ على قدر الدعوة:
قصيدةً عذراء بفستانٍ طويلٍ وخمار
خطاباً في قاعة عميانٍ وسكارى
أسرارَ بلاغة الملائكةِ في النّص
وجع َالبطن عندما تُحِّب.
مؤتمر! أفّ

 

*

السادسُ هِرّ المؤامرة:

كيفَ تتسلّلُ السلحفاةُ في العُتمةِ، بينما تلاحقها حجارةُ الأعداء؟
أعداءٌ في مكاتبَ رسميةٍ وصرخات
أعداءٌ جانبيّونَ يحملون المناظير
عجيبةٌ هي المؤامرة
تمسحُ الدماءَ وراء الستارة، وتُغلقُ قوقعتها
هِرُّ المؤامرة حذِرٌ من الزوبعة
حين تُخالف طُرق السير في القصة
القصّةِ الثمينةِ لعُذرية الرواة.

*

مالمو. ديسمبر 2019

[email protected]