“وثنية في دير وثني” قصة للكاتبة اليابانية يوكو تاوادا ترجمة سالمة صالح

يوكو تاوادا

قالت لي رئيسة الراهبات إنها تمارس الكيودو، وإنها تهتم بالثقافة اليابانية. يمكنني أن أذهب إلى ديرها إذا كان ذلك يناسبني. لم أكن قد عرفت فالسروده بعد، لكني قبلت دعوتها على الفور. كما كنت لا أعرف عن الأديرة البروتستانتية أكثر من معرفتي عن رمي السهم الياباني، الكيودو.

كانت رئيسة الراهبات قد اقترحت علي في الربيع أن أزور الدير، فأُعِدّ بذلك نفسي لإقامتي في الصيف إعدادا أفضل. لكني كنت في النصف الأول من السنة قد سافرت إلى الخارج وكنا في تموز حين اتصلت بها ثانية. لم يأت الجواب منها. كانت قد غادرت الدير.

ذهب اويغن هيريغل عام 1924 إلى اليابان، درس الفلسفة هناك خمس سنوات وتعلم في أوقات فراغه رمي السهم الياباني. كتب في مقاله “الفن الفروسي لرمي السهم” (1936) أنه انشغل كطالب بالتصوف المسيحي وشعر في ذلك أنه لن يستطيع أبدا أن يجد المفتاح لبوابة التصوف. حين حصل الفيلسوف على الدعوة إلى اليابان لاحقا راوده الأمل في أن يتمكن من العثور على مدخل جديد إلى التصوف من خلال الاحتكاك ببوذية الزن العملية. عزم هو وزوجته أن يتعلما واحدا من أشكال الفن التي لها أرضية مشتركة مع بوذية الزن مثل طقوس تناول الشاي (سادو) والخط (شادو) أو شعر الهايكو. وجدتْ زوجته معلما لفن تنسيق الزهور، وأوحى هذا للزوجين بفكرة الاهتمام برمي السهم (كيودو).

اعتقد هيريغل أن رمي السهم الياباني ليس رياضة وإنما طريقا (دو) إلى الخبرات الصوفية التي لا يستطيع المرء تعويضها من خلال المحادثات أو القراءة. ولذعري يكتب، لن يلاحظ اليابانيون كم يبدو طرحهم اللغوي لعلمهم المعقد الذي يتصل بالتجارب الصوفية ساذجا أو غير منتظم للقارئ الأوروبي. يفهم المرء في اوروبا الكلمات التي تقال أو تكتب بالفعل، وليس الروح التي تسكن بين السطور. يمكن فهم هذه الروح فقط من خلال تكرار طويل للتمرين الجسدي الذي يجعل التجارب الصوفية ممكنة.

كان هذا هو السبب الذي جعل هيريغل – بدلا من أن يقضي وقتا أطول في المكتبة– يزور معلم كيودو ويقنعه أن يقبله هو وزوجته كتلميذ وتلميذة.

كانت النصائح التي تلقاها هيريغل في الدرس ذات صياغة بسيطة، لكنها صعبة التطبيق. قال له المعلم على سبيل المثال، لا ينبغي على المرء أن يستخدم العضلات في العمل وإنما الروح. لم يكن هيريغل يستطيع أن يشد القوس من غير أن ترتعش ذراعاه من الجهد بشكل واضح. بينما بدا المعلم مرتخيا كما لو كان لا يستخدم قوة العضلات. حضر صديق ياباني لهيريغل مرة الدرس وترجم له. يبدو أن المشكلة لم تكمن في صعوبة ترجمة مصطلحات معينة إلى الألمانية وحدها. قال المعلم مثلا، لا يجوز أن يريد المرء إصابة الهدف. لا ينبغي عليه حتى أن ينظر. وبالفعل أصاب ليلا بعينين مغمضتين وسط قرص الهدف الذي انتصب بعيدا ولم يكن مضاءَ.

لم يكن ما انتظرني في دير فالسروده تصوفا وإنما كان تنويرا. استقبلتني نائبة رئيسة الدير، وهي مؤرخة متعلمة، بود وتجولت معي في بناية الدير مثل ريح هانزية منعشة، أرتني بين ما أرتني بورتريهات رئيسات الدير التاريخية وروت لي عن حياة الدير سابقا. كانت وجوه النساء المرسومة ستبقى بالنسبة لي من غير ايضاحاتها ملغزة.

كان المسكن الذي أُسكِنتُ فيه مجاورا للكنيسة التي علقت فيها تلك البورتريهات مباشرة. في الليل سمعت خلف جدار غرفة نومي قرقعة أقداح. نهضت من سريري حالمة، فتحت باب الكنيسة ورأيت رئيسات الدير اللاتي كن يرتدين ثيابا حديثة بالقياس إلى زمنهن يهبطن من اللوحات ويجلسن حول مائدة مستديرة كبيرة. محارات طازجة لمعت فضيةً على الأطباق المحاطة بثلاث زجاجات من الشمبانيا وتسعة أقداح. كانت النساء يتناقشن حول كيفية إمكان إدارة المستشفى التابع للدير بصورة أفضل في المستقبل. حلّلن مَيلا جديدا في السياسة يمكن أن يهدد استمرار وجود الدير. قيَّمن العروض الراهنة لمانحين محتملين وقررن تعيين بستاني شاب إن أمكن في الخريف القادم. حلمت كثيرا في مسكني. كانت الساعة في الكنيسة تعمل ليلا ونهارا، تحاول من خلال شِِعرها ذي الصوت المرتفع أن تذكرني بموتي، رغم أنني كنت لا أزال حية.

إذا وقف المرء في ممر البيت الطويل الذي لا يحس فيه خلال النهار بدفء ضوء شمس الصيف ولا يسمع صوت إنسان، لا تكون له فكرة عن حياة النساء النشيطة خلف باب كل مسكن. اعتقدت صديقاتي في برلين أنني صَمَتُّ أربعة أسابيع لأنهن فكرن عند ذكر كلمة “دير” دائما بدير للصمت.

انتاب صديق لي القلق عليّ حين علم أنني أقيم في دير. كان قد رأى في طفولته بالقرب من فينيسيا كيف يقدم الطعام لراهبة من نافذة صغيرة في حجيرتها، مرتفعة بشكل غير عادي. لم يكن عليها فقط أن تصمت طول الوقت وإنما لم يسمح لها برؤية إنسان. لم يكن الصمت مطلوبا في ديري. بل انني تكلمت أكثر من المعتاد. كثيرا ما دعتني ساكنات الدير إلى تناول القهوة وسألنني عن محيطي، عن التطورات الأخيرة في العاصمة وعن موضوعات كتبي أيضا. أهداني بعضهن قصصا من حياتهن لم تكن بأية حال بسيطة. بقين هادئات ومحايدات حين روين، حتى حين كانت القصص تُظهر جروحا عميقة. تحدثن عن أنفسهن كما لو كن يتحدثن عن شخصية في رواية، في الدير كانت الواحدة منهن قد أنهت فصلا أو حتى كتابا وتعيش في الفصل التالي.

رغم أن كلمة “ناسكة” لها رفعتها، إلا أنها بدت لذائقتي جافة وباردة جدا. لم تكن تناسب المرح واليقظة والعاطفة النسوية والفكاهة التي تمتعتُ بها في الدير. وعلى العكس تفتح كلمة “راهبة” الناضجة حقل مشاركة واسعا، لكن النساء في ديري لم يكن بالتأكيد راهبات. وهكذا كان علي أن أتخلى عن هذه الكلمة. أستخدم في السر في يومياتي كلمة “سيدة الدير” التي لم أجدها في قاموسي.

“يكون المرء قد ربح حين يصبح شيخا”، قالت لي إحدى سيدات الدير الأكبر سنا. تشعر المرأة أنها أفضل كلما تقدمت في السن. خارج الدير تحتاج هذه الأطروحة سياقا حاذقا كي لا تبدو أيدولوجية أو نخبوية. ولكن لأن أمامي وجها جميلا كدليل استطعت أن أوافقها دون شرط. بدت السيدات أكثر حيوية وفي نفس الوقت أقل توترا كلما كن أكبر سنا.

أرادت إحدى سيدات الدير أن تعرف المزيد عن المشروع الذي مكنني من السكن في الدير والكتابة. سألتني ما إذا كانت جميع الكاتبات المشاركات في المشروع يابانيات. أجبت: كلا، إنني بالصدفة يابانية، ولكن ليس كل الأخريات. سألتني بعد ذلك عما إذا كان صدفة أنني اخترت دير فالسروده. أجبت: لم أكن أنا من اختاره وإنما رئيسة الدير هي التي اختارتني لأنها تهتم بالثقافة اليابانية. أشرقت سيدة الدير مثل فتاة حلت أخيرا لغزا وقالت: “أعرف الآن. هكذا إذن كان لنا الحظ أن تكوني عندنا.”

مارست رئيسة الدير رمي السهم الياباني في حديقة الدير. معلمها للكيودو الذي كان يزورها في الدير بانتظام كان في الواقع كيوبيدا. كان سهمه قد أصابها في القلب، وقد غادرت الدير، روت لي. لم تنتقد في ذلك العاطفة التي أيقظها الإله من فترة ما قبل المسيح لدى مديرة الدير، لكن رمي السهم لم يعجبها. قالت إنه من فنون الحرب، ولا يناسب حديقة دير. غضبت بوجنتين ساخنتين قليلا، تابعت انتقادها بحيوية لكن نبرتها لم تصبح بأية حال أخلاقية أو عدوانية. كانت بوضوح أحب إلي من شبح ساموراي ظهر في تلك اللحظة في حديقة الدير ولوح لي. كنا أنا وسيدة الدير نأكل الآيسكريم بالفانيلا ونبرد حرارة أجسامنا التي ولدت من الحديث. “متى نقيم حفلة آيس ثانية؟” سألتني بعد أسبوع حين التقينا في الممر.

كان كل ما يمكن لدين أن يمنعه مسموحا به في الدير البروتستانتي. من هنا ثار فضولي أن أعرف أين توجد الحدود. كانت العقيدة البروتستانتية من خلال وضوحها شفافة، هذا يعني غير مرئية بالنسبة لي، إلا حين تميِّز نفسها عن الكاثوليكية.

ما الذي يصده جدار الدير؟ ما الذي لا يتسامح فيه؟ هل يمكن أن يجسد الكيودو أو الكوبيدو ما لا يجوز أن يوجد في الدير؟ لم أفكر في حياتي بالكيودو كثيرا كما فكرت فيه خلال هذا الصيف. عرفت أنه قد تحرر تماما في العصر الحديث من غرضه الأصلي في قتل الأعداء. لم يعد الأمر يتعلق بإصابة الهدف وإنما بنشوء لحظة تجلٍ يستطيع المرء فيها أن ينسى الحيز بين وهم الأنا ووهم آخر هو الهدف. بين ما قاله معلم هيريغل، لا ينبغي أن يكون للمرء نية، وإنما أن ينتظر اللحظة التي يغادر فيها السهمُ القوس. تحولت تقنية قتال من العصور الوسطى في العصر الحديث إلى طقس ذي معنى ديني. هل هي ظاهرة غير عادية أم توجد في تاريخ العالم أمثلة أخرى؟ لماذا لم تأخذ الراهبات تقنيات القتال للفرسان المسيحيين لتحولنها إلى تمارين في التعبد؟ حاولت أن أتصور كيف تتبارز راهبتان كاثوليكيتان في حديقة الدير بالسيف؟

يبدو أن هذا الكيودو لم تعد له علاقة بالحرب أو القتل على الإطلاق. ومع ذلك يتخذ مطلِق السهم هيئة تهديد حياة غزال أو إنسان. لا أريد أن أقف أمام قوس مُعَد للإطلاق.

ليس لكل سيدة في الدير رأي في الكيودو. قالت واحدة من أكثر الراهبات قراءة، إنه لشيء سار أن تكون رئيسة الدير قد وجدت شريكا. إذا ما أرادت إمرأة واستطاعت فعليها أن تتخذ قرارها لصالح الحب الدنيوي. ولكن إذا عاشت إمرأة لأسباب مختلفة من غير علاقة فالدير هو مكان جيد لها، حيث تكون محمية ولا تعيش وحيدة. وفيما عدا هذا سيكون لها واجبات عامة وتستطيع أن تتمتع باحترام المجتمع. كانت الحال كذلك في الماضي وهي كذلك اليوم أيضا. سمعت أكثر من مرة أن المرء لا يريد أن يحول الدير إلى مسكن مشترك. المهم هو الإبقاء على مكان للعيش ينبغي أن يُحافظ فيه على تأريخ ألف سنة للدير. واجب النساء هنا ليس تجريب نمط جديد من الحياة. ولكن الناس سيذبلون إذا لم تكن لديهم رؤية.

ستنهار البناية التاريخية إذا لم يسكنها أحد. بالفعل كان لدي الشعور أحيانا أن الجدار الحجري الطويل للبيت يمتص من جلدي الدفء والرطوبة.

دعتني إحدى سيدات الدير إلى الطعام والسينما: كان لديها “حساء حفلة الزفاف”(١) ثم رأينا في السينما فيلم “ماما ميا” بموسيقى Abba(٢). سيدة دير أخرى قالت لي في اليوم السابق إنه ليس الفلم الصحيح لي، لأنها كانت قد رأت كيف شعرتُ بالحماسة لحفلة باخ الموسيقية في الكنيسة. كنت أفضل بالتأكيد موسيقى باخ على جميع الآخرين، وهذا سبب لاهتمامي بالمسيحية من غير أن أكون مؤمنة. لكنها كانت فكرة رائعة أن نذهب من الدير إلى السينما ونرى هذا الفيلم. جلست مثل زاهدة بين الشبان الذين كانوا يأكلون البوب كورن والكبار. على الشاشة قُدمت أغاني مديح للحب بين النساء والرجال دون انقطاع. في الفلم ظهرت راهبة، لكن كلمة راهبة استخدمت مرتين على الأقل استخداما مجازيا. لم تُطرح اليونان التي جرت فيها أحداث الفيلم كبلد فن الحب قبل المسيح وإنما كحافة متخلفة لأوروبا تَوَجَّب تنويرها وتحريرها من خلال مفهوم الحب الهوليودي. ماذا كان سلف كيوبيد وايروس من اليونان سيقول بشأن هذا الإنكار؟ احتاجت هوليود كلمة “راهبة” كصورة مناقضة لتؤيد الجنس. للبروتستانتيين مشاكلهم الخاصة. ما كان كل هذا ليلفت نظري لو لم آتِ من الدير إلى السينما. تبادلنا أنا وسيدة الدير النظرات، ضحكنا وتسلينا.

أتذكر أن أم مؤلِفة أعرفها استخدمت كلمة “عفة” كشتيمة، لأن ابنتها الشابة الجميلة لم يكن لها ولم تكن تريد أن يكون لها صديق. في الدير نفسه يُتعامل مع التصور عن العفة كقطعة من التأريخ. لا يساء استخدامها لإشعال الشهوة المنطفئة ثانية.

لم أجد صعوبة في نسيان الصورة الكلاسيكية للراهبة. تكاد جميع سيدات الدير قد تزوجن مرة على الأقل ولديهن أولاد وأحفاد يزوروهن في الدير بانتظام.

يستطيع الزوار من الرجال دخول الدير دون صعوبة. لا يجوز تواجد الكلاب في الدير إلا إذا جاءت ساكنة جديدة بكلبها القديم معها.

في الكنيسة عاش كلب عجوز منذ 488 سنة. اضطجع تحت المائدة التي تناول المسيح عليها الطعام مع تلاميذه. منذ أن نبهتني المؤرخة إلى هذا الكلب حييته في كل مرة رأيته فيها. سأصف ذات يوم العشاء من منظوره وصفا جديدا.

لا بد أن تكون الراهبات في العصور الوسطى قد صلين أكثر من مرة في اليوم. على العكس لم تكد سيدات الدير يصلين عدا أيام الآحاد في الكنيسة. رأيتهن يقرأن جريدة، ولكن لم أرهن يقرأن في الكتاب المقدس أبدا، عدا أيام الآحاد خلال طقوس العبادة. بالطبع لم يكن من المستبعد أن تكن قد صلين في مساكنهن وقرأن الكتاب المقدس، لكنهن لم يعرضن حياتهن الدينية للخارج. واحدة من أكثر سيدات الدير قراءة أرتني بطاقات الفهرسة الصغيرة التي كتبت عليها مقتبسات من الكتاب المقدس. أعجبت بها ونظمت لنفسي بطاقات صغيرة للمقتبسات منه. لم أكن قد قرأت بعد جمله ولم يكن متصورا أن أقرأه خلال صيف واحد، رغم أنه كان موضوعا بوفاء كل مساء إلى جانب سريري.

تصفحته وكتبت الجمل التي استوقفتني: “أجمع عليهم شرورا، وأنفِذُ سهامي فيهم” (سفر التثنية 32 ، 23). أعاد الكتاب المقدس صوتا غاضبا أو روى قصصا فظة من غير شرح، كما لو كان ينتظر مني أن اكافح لشق طريقي من خلالها. وهكذا فهو ليس مختلفا كثيرا عن الأديان الأخرى. أحيانا قدم حماية، لكنه لم يشرح كيف تستخدم. على المرء نفسه أن يجد الطريق إلى سقف الحماية. “تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، (المزمور 91، 5) لم يعمل الكتاب المقدس بكلمات موضِّحة. جاءت الكلمات إلي مثل سهام، وتبينتُ أنني نفسي لوح التهديف. قال معلم هيريغل للكيودو، لوحة الهدف والأنا سيتوحدان في وقت ما حتى أن المرء لا يمكن أن يخطئ الهدف بعد ذلك.

كان بعض سيدات الدير قد طُلّق مرة إن لم يكن مرتين. فصل الرب الضوء عن العتمة. كلمة العزلة التي أخذها هيريغل من المعلم ايكهارد واستخدمها في مقاله لم تخطر على بالي في الدير أبدا. فقد جاء إلى الدير سبعة أيام في الأسبوع رجال ونساء من أماكن مختلفة بدوافع مختلفة. في كل مرة روت لهم سيدة تقوم بدور الدليل تأريخ الدير، أرتهم الكنز في الكنيسة والفناء الداخلي الذي حمل خط ظلال الأشجار، القبور التي تبدو حيوية بشكل غريب والممر بشعارات العوائل النبيلة التي انحدرت منها رئيسات الدير. حين انتهت الجولة الأخيرة ساد الهدوء. عزفت زهور البوق(٣) وحدها موسيقاها غير المسموعة في الحديقة.

بقيت بوابة الدير مفتوحة لجميع الذين راودتهم فكرة الانتقال إلى الدير أو تركه ثانية. يبقى أغلب النساء في الدير حين يقبلن فيه حتى آخر حياتهن. “تشيخ النساء في الدير لأنهن لا يعرفن ازعاج الرجال”، قالت لي سيدة دير جميلة مع غمزة من عينها. هناك في المدينة كان الضجيج في بعض الأماكن أكبر مما هو في برلين، ولكن لا يكاد المرء يدخل إلى حديقة الدير حتى يستقبل بهدوء غير عادي.

ليس صحيحا ببساطة أن الله ينظر إلينا دائما، أعرف تماما أنه لا ينظر، قالت لي إحدى سيدات الدير. يبدو أنها كانت قد فتحت النافذة في إحدى ليالي الأرق وشعرت أن لا أحد ينظر إليها. ما قالته يستند إلى تجاربها، إلى ملاحظاتها ومشاعرها. لم يكن لسانها يحمل الولاء للكنيسة وإنما لجهازها العصبي الخاص. لم تكن السماء بالنسبة لها سلطة عليها أن تخافها. كانت تستطيع أن توجه إليها أسئلة أو تلومها.

أخذتني إحدى سيدات الدير التي كانت تهتم بالثقافة في سيارتها إلى كنيسة تشبه الكهف، بدا أنها كانت محبوبة جدا لدى سكان المنطقة المحيطة. أقيمت هناك سلسلة من العبادات الصيفية موضوعها السماء. في البدء خلق الله الأرض والسماء. لا يشعر أحد بالدهشة حين يجري الحديث في كنيسة عن السماء. وفي نفس الوقت فإن لهذا الموضوع شيء شامل، شيء غير مضاد للوثنية. لأن الكونفوشيوسية أيضا والشيوعية العملية والعلوم الطبيعية اهتمت جدا بالفضاء فوقنا. في طقس العبادة الحاشد جرى الحديث عن النجوم وعن حياة سانت اكسوبيري أيضا. لم يكن في الموعظة ما يصدني. لهذا بالذات اصبح السؤال لدي أعلى صوتا: إذا كان المؤمنون يرون نفس السماء كما أراها لماذا لا أستطيع أن أومن بوجود واحد في السماء وليس سواه؟

كانت سماء الليل في فالسروده أكبر مما هي في برلين. وقفت وحيدة في الحديقة المظلمة وتأملت النجوم، شعرت أنني غاية في الصغر مثل شمعة الشاي. في النهار تفقدت المحيط على الدراجة واكتشفت قرى صغيرة في كل مكان. كانت في كل قرية تقريبا كنيسة. رأيت أيضا كنيسة قديمة خاصة فخمة بنتها عائلة واستخدمتها. “نحن جميعا تقريبا ننحدر من أماكن أخرى، لكن الناس من سكسونيا السفلى مستقرون.” قالت لي واحدة من سيدات الدير في وقت لاحق.

في ربيع نفس السنة طرت أكثر من مرة بين اليابان والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ذهابا وايابا وشعرت أن الكون ليس كبيرا بوجه خاص. ولكن في شهر الصيف هذا أصبحت سكسونيا السفلى في ذهني بمخابئها الكثيرة أكبر وأكبر. كنت أمشي حين لا أكون على الدراجة التي أعارتنيها سيدة من الدير. لم أكن واثقة بأنني أستطيع أن أصل القرية التالية قبل غروب الشمس. للمرة الأولى أصبحت لدي فكرة أن المرء لا يجب أن ينطلق من أنه يمكن أن يبلغ القرية التالية قبل موته، أليفة. لم أستطع حتى أن أقوم برحلة قصيرة إلى هانوفر، لأن هذه المدينة بدت لي فجأة بعيدة جدا. كم من القرى وبيوت الفلاحين علي أن أعبر لأصل إلى هانوفر؟ كم من الكنائس كانت ستبتسم لي في الطريق مواسية من غير أن تجيب عن سؤالي عن التوحيد؟

بدا البروتستانتيون في نظري معقولين سبعة أيام في الأسبوع. كنت لهذا مضطربة بعض الشيء لأنني فكرت أن الايمان لا بد أن يكون أحيانا مبعثا للنشوة وأعمى مثل الصبابة. هل يؤمن الناس حقا حين يكونون عقلانيين دائما؟ كان مخالفا للمنطق أن أطرح على نفسي هذا السؤال دائما. لم يطلب أحد مني أن أفكر في عقيدة الآخرين. ولكن منذ يفاعتي التي سمعت فيها باخ وقرأت دستايفسكي لم أعد قادرة على التفكير في المسيحية. ما الذي يشترك فيه هذا المؤلف الموسيقي مع الكاتب؟ كنت أستطيع أن أتصور الكثير حول الهوس، المعجزة، العجز، العمى، الهلوسة، إغواء الشيطان، الموت، الموتى وغير المرئي، ولكن لا شيء حول الله.

تحدثت إحدى سيدات الدير عن عدم الانسجام في حياة الدير حين سئلت خلال جولة عن الانسجام. بهذا كسبت ثقة جميع الزوار الذين كانوا هناك. في مشروعٍ حديث يُمنَع الحديث للزبائن عن عدم الانسجام في المؤسسة. لا يعترف السياسيون أيضا قبل الانتخابات بأن عدم الانسجام يسود داخل حزبهم. في الوقت الذي يوجد عدم انسجام في كل مكان حين يجتمع طوعا إثنا عشر نغما. يمكن أن يكون عدم الانسجام درجة أعلى من الانسجام. أعرف عازفة تحب أن ترتجل في حفلتها الموسيقية بعد قطعة نغمية ما هو غير نغمي ثم تعود بعد ذلك إلى الموسيقى النغمية.

حملت ساكنات الدير الشابات عدم استقرار دنيوي معهن. تمخضت عن عدم الاستقرار هذا أحيانا خطط وأحلام. على سبيل المثال: أن يُحَول الدير إلى محطة للحجاج. ربما يعني أن تفكر تفكيرا دنيويا أن تتحدث نيابة عن أناس آخرين. أن يكون في ذهنك دائما شخص غير معروف قد يأتي إليك ذات يوم بالتماس. من أجل ذلك على المرء أن ينظم مجال حياته الخاص بصورة يمكنه معها من احتمال استقبال شخص ما. أنا لا أستطيع أن أستقبل حاجا لأنني نفسي حاجة. إنني لا أبقى في مكان واحد، ليس لدي مكان لأحد، أبحث وأغادر دائما. الدير يمكن أن يعني بالنسبة لي سريرا مثلما السماء بالنسبة للنيزك. نمت في هذا الصيف تحت سقف محطة للحجاج، لم تكن كذلك.

وقفت سيدة من الدير في الحديقة ومدت ذراعها مثل غصن وقلدت تغريدة طائر معينة. جاء بالفعل طائر وحط على ذراعها. كانت السماء زرقاء. فكرت أنها لعبة معجزة، لكنها لم تكن كذلك. كانت قدرتها على التواصل مع الطائر الصغير تستند فيما يبدو على معرفتها في البيولوجيا أو علم الطيور. كانت في حياة سابقة معلمة، وفي أخرى حطابة. وكانت قد خلفت وراءها أيضا فترة رئاستها للدير. للنساء في الدير حيوات عديدة وراءهن، قالت لي. كم حياة يمكن أن تكون لامرأة؟

في أحد أيامي الأخيرة وقفت أمام البركة في حديقة الدير، كانت أعشاب رفيعة تشبه الفرش قد نمت على حافة الماء الأخضر الذي تتألق فوقه زهرتا لوتس. إلتفتُّ، هنا وقفت خلفي مباشرة أكبر نساء الدير سنا والتي كانت آخر رئيسة للدير من عائلة نبيلة. فاجأني ظهورها لأنني لم أسمع وقع خطواتها. كم من الوقت وقفت هناك؟ قالت إنها لم ترد أن تجفلني. تحدثت بيسر يتناسب مع هدوء الغسق. روت عن رحلة إلى أميركا الجنوبية كانت قد قامت بها في فترة سابقة. لم تذكر خلال ذلك فردا من عائلتها. كان أغلب النساء يخشى حين يتحدث عن رحلة بعيدة أن ينسى مكانها في شجرة العائلة المتخيلة. لهذا يقلن دائما شيئا مثل: “زرت يومها إبنيو الذي أمضى ثلاث سنوات في…” أو “حين كنت لا أزال شابة صحبني أبي معه إلى …” أو “كان زوجي رجل أعمال وكان لديه ما ينجزه في…”. سيدة الدير النبيلة التي لم تكن بحاجة إلى هذه الثقة تحدثت دائما عن أنا، وقفت في ضوء المساء وحدها لكنها لم تكن وحيدة، واثقة من نفسها لكنها مسترخية. سألتني إن كنت سأكتب نصا عن الدير. قلت نعم، في كل الأحوال، وربما حتى نصين: واحد بالألمانية وفيما بعد واحدا باليابانية. عندئذ قالت إنها تستطيع أن تقرأ النص الياباني أيضا إذا ترجم إلى الانكليزية أو الفرنسية. لم تكن تعيش بأي حال في الماضي، الذي عرفتُه على شكل شعار العائلة وإنما في زمن يفترض أن أكون فيه قد أكملت كتابة نصوصي، أو في زمن أكثر تقدما يكون فيه نص لا تزال ولادته غير مؤكدة قد ترجم إلى لغة أخرى.

 

يوكو تاوادا تكتب باليابانية والألمانية، والنص المترجم هنا

عن الالمانية قامته به الكاتبة العراقية سالمة صالح.

 

1- حساء حفلة الزفاف: يتكون من المرقة وكرات صغيرة من اللحم وبعض الخضار ويقدم في بداية وجبة الطعام في حفلة الزفاف.

2 – ِAbba آبا  واحدة من اشهر فرق الروك السويدية في سبعينات القرن الماضي

3 – زهرة البوق، هي البغنونيا، أزهارها تشبه البوق.

 

يوكو تاوادا، Yoko Tawada كاتبة يابانيّة وُلدَت عام 1960 في طوكيو، وتقيم حاليًا في برلين، ألمانيا. تكتب باليابانية والألمانية. درست الأدب الرّوسيّ (في اليابان)، وتحصلت على الماجستير (جامعة هامبورغ) والدّكتوراة (جامعة زيوريخ)في الأدب الألمانيّ. صدرت لها عام 1987 باكورتها الشّعريّة بطبعة ثنائيّة اللغة (الألمانيّة واليابانيّة) وحملت عنوان “فراغٌ فقط أينما كنت”. تحصّلت تاوادا على جائزة غونزو للكتّاب الجدد عام 1991 عن مؤلّفها “أعقاب مختفية”. وفي عام 1993 تحصّلت على جائزة أكوتاغاوا اليابانيّة الموازية في قيمتها لجائزة البوكر عن مؤلّفها “العريس كان كلبًا”. في عام 1996 حازت الكاتبة على على جائزة أدلبرت فون شاميزو الألمانيّة للكتّاب الأجانب ومساهمتهم للثقافة الألمانية. إلى جانب هذه الجوائز، حازت الكاتبة على جائزة ليسينغ عام 1994 وميدالية غوته عام 2005، وجائزة إيرلانغر الأدبيّة عام 2013. من أهمّ أعمالها الأدبيّة: حيث تبدأ أوروبا، مواجهة الجسر، العين العارية.

 

 

هذا النص نشر في الملف الخاص بالادب الياباني في العدد الخامس من مجلة كيكا للأدب العالمي