“وضْعٌ خطأ” قصة قصيرة للكاتب المغربي أحمد المديني

أحمد المديني

حدثت لي اليوم مفاجأةٌ لطيفةٌ وممتعة.

حدثت لي في الضّحى، وأنا أستقبل يوما جديداً.

بالأحرى، كلِّي أملٌ أن يحمل جديداً ويأتي مختلفاً.

ليس عندي أسمجَ من التكرار، فيه العمرُ ضائع.

لو جرى هذا لمن في عنفوان الشباب لما عنى له، ربما ما انتبه، خاصةً إن كان قويَّ البنية، صبيحَ الوجه، وحسَنَ السَّمت، وهُم في باريس كثير.

أمّا أن أكون صاحبَ الحظ في العمر الذي أنا فيه، وكان يقال عني من قبل زين الشباب، وأحلو في عيونهن.

لكم دغدغني هذا، وخلاّني أتلفّت هنيهةً إلى أمس.

أحسبني استعدت بقدرة سحرية ذاك الشباب الراحل، ربما بقيت منه حروف؛

يا لي كم انشرح خاطري، وارتعشت أطرافي وكاد دمي يغلي، وما أدري أساريري!

خرجت من المخبزة ومشيت في خط العودة إلى بيتي في الزقاق المألوف عندي.

من شدة أُلفته أنِّي لا أُولي بالاً لمن ألتقي وما أرى.

هذا يحدث لنا جميعا، إلى أن أصل إلى باب العمارة.

عند الوصول فقط، أنتبه أن الطريق باتت ورائي، فأصعد إلى شقتي وأفطر وأجلس إلى حاسوبي أكتب ما تيسّر.

هذا الصباح، اختلف أمري.

بعد خطوات عن المخبزة، وأنا أمشي في الرصيف الضيِّق تنحّيت قليلاً عنها.

تنحيت عن سيدة تقف لصق حائط بجوار باب عمارة الرصيف لا يتسع لكلينا،،

ومضيت، كدت، لولا استوقفتني، ينبغي أن أقول بلباقة أكثر، لولا شعرت، خلت أنها تستوقفني.

لن أزهو بالقول تريدني، تخطبني، أكتفي ويليق بشخص في عمري وهيئتي.

ذقني غير حليق، هندامي بسيط، وبيمناي كيسُ فطائر، ومقطِّبٌ نوعا ما.

وإذن ليس في ما يغري سيدةً كمن أرى وقفتُ أمامها كأني أفيق من شرود.

شاردٌ أنا في مشيي أعجن كلماتي، وانتبهت من غفلة وهي تنظر إليّ بعينين تعنيانني بالذات.

أجل، ومَن غيري، فليس سوانا نشغل مترا مربعاً من الرصيف الضيق.

مثل امرئ القيس في معلقته، وقفت السيدة الباريسية في ضُحى يوم واعدٍ بالبهجة، واستوقفت.

قامتُها بطولي تقريبا. وجهُها مدوّر. أنفها دقيق، وشعرُها يحجب أذنيها وعنقها.

بينما أخذني إليها عيناها، مضيئتان كشمس الضحى فوقنا وتتكلمان.

أظن بالحري تهمسان، بكلمة أو اثنتين تهمهمان.

أي نعم، خافتتان، بيد أنهما ناطقتان، لهما نبرةٌ وأسمعهما ترِنّان.

قلت يا إلهي، ماذا دهاني في هذه الصبيحة كي أُسْحَر قد جمدتني.

جمدت تماما، أعجز عن الكلام، ولا أفهم، يا ترى ما تعنيان؟

ـ معذرةً، أنا أنتظر هنا شخصا، رأيتك قادما فظننتك هو.

ـ وأنا كذلك لما رأيت عينيكِ ظننتك هي، قلت أيّ صدفة هي.

ـ معذرةً، لا يخفى عليك السبب، نحن اليوم في وضع خطأ.

ـ لا عليك، ما أسعدني بهذا الخطأ، من زمان لم أرَ من يبتسم.

ـ كذلك أنا، ما همّ أنكَ لست هو، إنما فزت لحظةً بمن يبتسم.

ابتسمنا فعلا ملء أساريرنا ـ لا نراها ـ وكأغنية تضاحكت منا العيون..

وككل ضُحى، تابعت طريقي المألوف، أضع يدي أُسوّي كمّامة وجهي على غير المألوف. هي كذلك تسوي كمامتها مثلي، وبعينين مضيئتين تبتسم.

باريس في 15 ـ 10ـ2020

 

 

[email protected]