“وكانا يسرقان الحمير” قصة قصيرة للكاتب يوخنا أوديشو دبرزانا

يوخنا أوديشو دبرزانا

كانا يتناولان الغداء حينما دخل ياقو ضاحكاً : “ماذا يا خال أتعرفهما؟”. ما هذا السؤال الغريب يا (خورزا)؟ أي يا أبن الأخت كيف لا؟ إنهما من قرية سرسبيدون قرية زوجة خالك أي زوجته هو. قهقه نعم يا خال أعرف لكن هل أنت مطمئن أن جحشك ما يزال في مربطه؟ أضحى المضغ بطيئاً واللقمة كادت أن تتعثر في الحلق. نكش خوشابا الملقب جونا زميله قائلاً: ماذا الان يا (دوشتي)؟ أي ياصديقي فجونا لا يستطيع لفظ حرف السين فالكلمة في أساسها كردية وكذلك كلمة (الخوارز) لكن الآشوريين المنحدرين من هكاري وطور عبدين أدخلوا بعض الكلمات الكردية والتركية في لهجاتهم المحكية كما أدخل آشوريو سهل نينوى وماردين كلمات عربية وبكثافة كون اللغة العربية ذات الجذور التي لشقيقتها السريانية . إنها مسألة تداخل الثقافات بحكم الجيرة والشراكة الوطنية. التجأ العاشق الآشوري للغناء والتغزل بالكردية وبالعربية وبلغات أخرى لسكان المنطقة بعد احتكار الكنيسة للغته السريانية وبعض ألحانه فأخذ الفنان الآشوري من جيرانه الكلمة وأعطاهم اللحن. كان رد خوشابا على نكشة جونا بنكشة قائلاً “كل ولا تبالي كأنك لم تسمع”؟ أراد ياقو إثارة انتباه خاله قائلاً : ألم تسمع بالمسروق من الحمير في قريتي ليوناية وهالمون؟ قاصداً قريتي تل كيفجي وتل جمعة. نعم سمعت ومن يكون غير هؤلاء العرب من عشيرة الشرابيين؟ رد ياقو ضاحكا ولكن لدينا شرابية آشوريين أيضاً. أليس كذلك يا شباب؟ موجهاً كلامه إلى الضيفين. كان لجونا ضحكة مميزة أما خوشابا رد قائلاً: بلى ..بلى، منذ أيام سُرِقت دكان خالي في ضيعتنا وكل القرائن تشير الى أن السارق آشوري. فالمتجر فُتِح بالنسخة الثانية لمفتاح خالي الذي فقده قبل الحادثة بيومين وعثر عليه مرمياً أمام باب الدار بعد السرقة. روى خوشابا القصة محاولاً إبعاد أي شبهة عنهما مسهباً في تفاصيل وحيثيات السرقة مبدياً تعاطفه مع السارق بقوله “لقد اكتفى السارق بعلبة حلاوة وبعض الشاي والسكر والتمر ومبلغ لم يتجاوز الاربعة ليرات ليتسنى له شراء بعض الحاجيات الاخرى وأجزم لولا الحاجة والجوع لما أقدم على هذه الفعلة والدليل اقتناعه بالقليل”. كانت الغلة تتجاوز الخمسين ليرة حسبما أفاد خالي. للعلم أن السارق لم يكن شخصاً آخر غيره.

تمنى في قرارة نفسه أن يكون أحد الحمير الثلاثة التي ربطاها في الجزيرة لهذا الثرثار، حبذا لو يعرف أين مربط بقرته ليسرقها، علما أن سرقة الغنم والماعز والبقر ليس من أختصاصهما ذلك عن قناعة أن ذلك حرام، كون مشتقات حليبها مصدر قوت لأصحابها وبالأخص للأطفال. لكن ياقو هذا يستاهل الحرمان من الحليب واللبن. طبعاً لم يستجب الخال لتحذيرات ابن أخته. حينما همًا بالخروج مودعين شاكرين قال خوشابا لياقو مستفزاً: أتدري أن أسعار الحمير في سوق الحسكة مرتفعة هذه الأيام؟

ظل ياقو يراقبهما لكنهما خدعاه. الحذر سيرهما على طريق هالمون الواصل إلى قريتهما. من تل جمعة اجتازا النهر بالسفينة إلى الجهة الأخرى وعادا إلى الجزيرة حيث الحمير لاعينين ياقو وساعة حضوره الذي لم يقتصر على تعكير مزاجهما على الغداء فحسب بل أطال مشوارهما وسيتأخران في الوصول إلى الحسكة .علما أن لليل مخاطره لذا قررا اقتياد الحمير إلى جزيرة قريبة من سرسبيدو وفي الصباح سيبيعانها في مدينة رأس العين فهي الأقرب ولو إن اسعارها اقل . لقد أفسد الملعون خطتهما . أما الخال فقد ضرب كفاً بكف مصدقاً وغير مصدق تحذير أبن أخته لقد ذهب ليجلب الحمار فعاد بالرسن والسلسلة من دون الحمار . الحمار ذهب برحلة ولن يعود . أما وجود الرسن والسلسلة معقودة بجذع شجرة التوت ينفي أي فعلة سرقة وتبريره أن شبق الحمار دفعه لملاحقة أتان لزبائن طاحونة القرية من القرى الكردية أو العربية المجاورة ممن عبروا بمحاذاة مربطه فتمكن من التحرر من رسنه . لقد أضحى غنيمة صاحب الأتان. كان تعليق أحد شباب القرية أن حمار العم بطرس ذهب في رحلة شهر عسل.

الآن دعوني أحدثكم قليلاً عن جونا هذا. لست أدري لماذا كانوا يسمونه بالمجنون فما حيلته إن ولد مشوه الهيكل بعض الشيء وبعض الصعوبة في النطق السليم لبعض الحروف، ربما ذاك الاعوجاج في الظهر والنتوء البارز للكتف الأيسر سببه خلع ولادي. ربما كانوا ينعتونه بالمجنون لأسلوب حياته المميز. لم يكن قد قرأ لهنري موجيه ولا لفيكتور هوغو ولم يكن يعرف شيئاً عن الحي اللاتيني ولا عن سوهو لكنه عاش حياة بوهيمية. لم يعتمد أو يتكل حتى على شقيقه يوسف ذلك الشهم الكريم والمقتدر. يوسف سئم من توبيخه فتركه وشأنه. حتى خبزه كان يعده بنفسه ليس على التنور وإنما على صفيحة من التنك على بابور الكاز (البريموس) رافضاً قبول أي رغيف ساخن من قفة أي امرأة عائدة لتوها من التنور. أعتبره البعض نصف قديس والبعض وصفه بنصف إبليس، في الحقيقة كان مزيجاً من القداسة والشيطنة كأي واحد منا على حد قوله. لكن بحق أقول أن جونا كان متحرراً من جميع العواطف. لم يكن يهمه لا مبالاة الناس به أو الحزن أو الخوف وحتى الشهوة والغضب ولا الغرور والشجاعة ولا قبول الاستحسان. هذا ما كان يردده دوماً عودوا إلى ذواتكم، أنكم تخالفون بعض وصايا الله العشر واذا اتيحت لكم الفرص ستخالفونها كاملاً وما تعملون به حسب تلك الوصايا ليس مراضاة لله أو مخافته وإنما خوفكم من بعضكم. كعادته هكذا حديث ترافقه ضحكة بوتائر مختلفة كسمفونية تُعَزَفُ بنشاز، ويضيف وما عفة بعضكم الا خوفاً من نسائكم. يقهقه وصداها ينساب مع تيار نهر الخابور وعكسه يوم كان ذاك النهر شابا يتدفق حيوية وأبهة قبل أن يُسرق. نعم سُرِق النهر!! أولئك المساكين كانوا يسرقون الحمير لسد الرمق في تلك الايام القاسية أما في ايامنا هذه وفي هذا الوطن أضحى كل شيء مشروع سرقة حتى نهرنا سرقه جرذان وفئران الوطن من ضباط جيشه العقائدي وتجاره بمعية السياسيين العقائديين دعاة المبادئ الزائفة والرسالة الخالدة. نعم كان النهر يردد صدى القهقهة. المسكين نعت بالمجنون. كان بعض الرجال يجتمعون حوله لمناقشته ومحاولة الاستهزاء منه ولسان حاله عبارته: خمسون شخصاً يسخرون من واحد وواحد يستهزء من خمسين. يسترسل بضحكته المتميزة لتجوب أرجاء الضيعة. أنا على يقين أنه لم يكن قد سمع بدانتي ولا بمضمون رسالة الغفران للمعري، وأني على ثقة كان سيقرأ بلهف كتاب رحلة القس صليبا إلى السماء لو توفر. لعلمكم الكتاب بالسريانية لمؤلف آشوري يحاكي كتابات دانتي والمعري مضمونه مجادلة أنبياء كتاب العهد القديم ممن أنيطت بهم حراسة أثنا عشرة مدخلاً للجنة ويستغرب من وجودهم في الجنة رغم الآثام التي ارتكبوها. هذا ما حدث فعلاً وسأحدثكم عن شغفه لاحقاً. جونا كان يجادل بعض من الشمامسة منتقداً أنبياء العهد القديم وكان وصفه لنشيد الانشاد لسليمان بقصيدة العهر من حيث المضمون رغم إعجابه بالصور الشعرية الجميلة المثيرة للغرائز حسب توصيفه. جونا كان قد حفظ عن ظهر القلب كل أسفار الكتاب المقدس بعهديه ولم يجادل أبداً في العهد الجديد إلا في الدفاع عن الأسخريوطي مشفقاً عليه ومعتبراً إياه الضحية بقوله كم كان سيء الحظ ذلك المسكين فلولاه لما أكتمل الإيمان المسيحي بالتسليم والصلب والقيامة. كان الكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث الوحيد الذي قرأه جونا في بداية شبابه، فهذا الكتاب وبعض الكتب الطقسية الأخرى متوفرة بالسريانية في القرية، أما الكتب الأخرى التاريخية والتعليمية والادبية المقتنية من بعضهم بالكاد كان يتداولها المتعلمون من أهل القرية وبالأخص في عهدي الناصرية والبعثية تلافياً لأي مساءلة كما جرى لأحد وجهاء الضيعة فلم تسلم دركوشة ابنته الوليدة في يومها الثاني من التفتيش من اجهزة المكتب الثاني ايام عبد الناصر بناء على وشاية.

فجأة بدأ جونا يغيب عن القرية معتزلا عن الناس وهذا ما أردت محادثتكم به. تقول كنة شقيقته أنه يخرج يومياً في الصباح الباكر حاملاً مزودته متوجهاً إلى بستانه وحقله الصغير على أطراف الضيعة. اكتشفوا أخيراً أنه يمضي النهار كله ليس للعناية بالزراعة فحسب بل بالقراءة. لقد استطاع أن يقنع أوديشو خضرو بإعارته بعض من مقتنياته من الكتب وقاموس توما أودو ذاك المجلد الضخم أول متابعاته وربما عمل بتوجيه من أوديشو الذي أبهره ذكاء جونا. كان أوديشو ضليعاً بالسريانية فحفّظ جونا قصائداً لكل من مار أفرام سروجي ونرساي والصوباوي وابن العبري عمالقة الأدب السرياني. ولم يعرف آنذاك دافعه لشرائه كتب القراءة من بعض الطلاب في نهاية أحد الاعوام الدراسية لكافة صفوف المرحلة الابتدائية. جل معرفته باللغة العربية لم تكن تتجاوز الصف الثاني الابتدائي. في شتاء ذلك العام أضحت صومعته تلك القبة الطينية أكثر إضاءة، وقد لوحظ شعاع الضوء متسرباً من خلال شقوق النافذة الخشبية الصغيرة إلى الشارع إلى حين استيلاء ضوء الفجر على الزقاق. أفاد بعض الطفيليين ممن نظروا وأسترقوا السمع أن جونا يمضي لياليه بالقراءة وأحياناً بإنشاد قصائد بذاك الصوت القبيح. وأخيراً بدأ يغيب عن الضيعة وكثيراً ما وجد مع أوديشو خضرو قاصدين بعض القرى الخابورية وأحياناً المدينة. ولم يعودا أبداً وايديهما خالية من الكتب بالسريانية والعربية ومن مختلف صنوف العلوم الاجتماعية بما فيها كتب دينية إسلامية. كان أوديشو أنعزالياً إلى حد ما منذ أن توفيت زوجته في العام الثاني من الزواج. ورغم علمه الغزير نادراً ما كان يتدخل في أي حديث، فقط بعض من شباب الضيعة كانوا يترددون على بيته وبين حين وآخر كان يزوره بعض الغرباء. ولاحقا عُرف عن وجود تنظيم سياسي آشوري سري يجمع مختلف الطوائف، وأن جونا هو أحد قادته. هنا دعوني أقف قليلاً. كان جونا المتعاطف الوحيد علانية مع أوديشو ورفاقه المعتقلين رغم لا مبالاته بالسياسة لكن احتراماً لمبادئهم النبيلة الداعية للشراكة الوطنية والحفاظ على خصوصية الأمة وإرثها الثقافي. أما باقي اهل الضيعة بمختلف مستوياتهم الفكرية انقسموا بين مؤيد في سره وبين لا مبال وقلة قليلة شامتة. الخوف واليأس مرد تلك المواقف، وحكايات المذابح (مجزرة سيفو، ومجزرة سميل) وحراب الجندرمة ما زالت معشعشة في الأذهان. نعم جونا عاد إلى ساحة القرية متسلحاً بمعرفة شمولية ولم تعد مناقشاته مع الشمامسة عن التوراة والقيامة بل أضحى يناقش الطلاب والنخبة المثقفة عن الكون والنشوء. شده كثيراً كتاب الجيولوجيا لصفوف المرحلة الثانوية علة اشاراته الاستفهامية من بعد الاستفسارات المستفيضة عن الأحقاب الجيولوجية التي أستفسر عنها من دارسيها وبعض الاساتذة من أبناء الضيعة. بقي سؤاله الدائم أين الله من كل هذا؟ قائلاً لا بد للعلماء أن يكتشفوا ويكشفوا. أما مجادليه من الشمامسة ودعاة المعرفة أخذوا يتحاشونه وأضافوا وصمة الكفر إلى الجنون، فأضحى الكافر المجنون. أما هو فكان يرد مقهقهاً قائلاً كنت مجنوناً يوم رفضت مقولتكم أن الارض تستقر على قرن ثور وتحدث الزلازل حين ينقلها من قرن إلى آخر حينما يتعب. سُئِلَ مرة لماذا لا ينتقل إلى الدار التي بناها له أبن شقيقه، أجابهم في هذه القبة أجد ذاتي واكتشفها، حينما أستلقي على ظهري في فراشي لا كتاب ولا مذياع ولا زوجة ولا أولاد، تبقى عيناي محدقتين في هذه الزاوية الحادة قاصداً قبة القبة الموجهة كرأس صاروخ أطير وأجوب الفضاء الرحب وأنظر إلى الأسفل بعيني نسر. أراكم جميعاً كجرذان وأرانب تتراكضون وتتزاوجون خائفين دوماً حتى في أوج نشوتكم. أما لماذا لا تتزوج يا جونا؟ جوابه يأتي محاكياً لمقولة المعري “هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد”. إننا جميعاً نعيش في عذاب دائم أنا لا أبغي جلب العذاب لآخرين من بعدي، أنا جئت إلى هذا العالم من دون إرادتي جئت في لحظة سموها ما شئتم من دون رسم أو تخطيط مسبق لملامحي ولشخصيتي، لحظة لهو ومتعة، لحظة جنون حميمية هرباً من هم يومي، استجابة لشهوة فطرية جلبت لي التعاسة. لكن ألا تشتهي يا جونا؟ نعم فأنا كائن حي، ألست إنساناً مثلكم؟ أنا التي أشتهيها في النهار ستكون ضيفتي في أحلامي. وعندما سألته إحداهن أن كان قد أستضافها في أحلامه في ليلة ما؟ أجابها ليس بعد فربما لاحقاً. أجابته اخرس يا مجنون. قهقه كعادته ورد عليها لو لم تكوني على شاكلتي لما سألت.

كان جونا متفقاً لما توصل إليه بعض المتوقعين من شمامسة قرية هالمون الملقبة بتل جمعة المتعمقين في القراءات الدينية وكتباً قديمة، عن قرب يوم القيامة. إنه العهد الثامن أو الالفية الثامنة بعد قصة الخلق التي تعترف بها الديانات الثلاث المكناة بالسماوية حيث ستحل الساعة الحاقة فهنا كان يبدو جونا مؤمناً. ليس هذا فحسب فكثيراً ما شوهد في مكتبة ملازمة للجامع في المدينة يحاور بعضاً من شيوخ الدين. واجه نفسك وانسجم مع ذاتك وركز على صراعاتك الداخلية. لا تخف من الغوص عميقاً. ذلك كان جوابه لأحد سائليه من المقربين إليه من الشباب عن كيفية تمكنه من المعرفة. نسيت أن أخبركم أن جونا أخيراً أعتزل الزراعة وأجر حقله. لقد كان مزارعاً لحقل لا يتجاوز الدونمين، وكانت مصدر قوته. أما حصته من العقارات فكان يشغلها ابن شقيقه.

في أواخر أيامه أصبح جونا يحادث أرواح الموتى والغائبين عن الضيعة بطابع هزلي مختلقاً قصة مضحكة لكل سائل أو مستفسر عن المتوفي أو الغائ. مثلاً كان جوابه عن أستفسار إحداهن عن زوجها الذي يعمل في لبنان، قهقه وهذه المرة، جال صداها في البراري وكروم العنب وحقول القطن، فبعد تمثيلية اتصاله الهاتفي عن طريق صاحبه عامل المقسم أبو شطيك، أي أبو صطيف تصغير” لأبو مصطفى” أجاب السائلة: زوجك يا “دوشتي” يقول لك استمتعي أنت بوقتك هنا وهو يستمتع بوقته في بيروت فلا تهدري أيامك المعدودة بدون متعة. تقبلت السيدة مزحة جونا بروح رياضية وبضحكة رنانة، كما أعجبها نعته لها بـ “دوشتي” ولو أن للكلمة تفسير العشيق أو العشيقة حين مداولتها بين الجنسين. إنه جونا وجونا هو (دوست) أي صديقاً للجميع.

في يوم تشريني امتزجت دموع أهل القرية بالاهازيج وصوت طلقات البنادق والرقص على أنغام المزمار وإيقاع الطبل في زفة عريس السماء بعد أن ودعته الكنيسة على اللحن الأفرامي بترتيلة وترجمتها: أودعك بسلام يا مراحل زماني أودعكم بسلام يا اخوتي ويا خلاني، في ذلك اليوم كانت هزة أرضية قد ضربت منطقة الجزيرة والفرات قبل أن يجدوا جونا ميتاً في حقله وهذا ما كان قد تنبأ به. شباب وصبايا الضيعة نفذوا وصيته بالرقص والغناء. حاول بعضهم تقليد ضحكاته وقهقهاته لكنها لم تتجاوز محيطهم، فنهر الخابور قد شاخ أيضاً ودب الوهن في أوصاله وتثاقل جريانه وصفصافه لم يعد مأوى آمن لطيور الدرغل فعافت هي الأخرى أعشاشها خاوية على اليابس من أغصانه. أما الشريك العتيق خوشابا فقد كان يصرخ فوق القبر باكياً وضاحكاً، مناديا جونا بأن يعود، فتجارة الحمير في أوجها واسعارها في ارتفاع، وهناك زيادة في الطلب كون مردود عمل الحمار يفوق أجور المدرسين والموظفين الشرفاء في سوريا الحضارة والثراء في زمن حكم الوحوش والضباع. أما كلمة “دوشتي” فقد عبرت البحار والمحيطات على شفاه ابناء سرسبيدو ممن تبعثروا في كل الأصقاع.

 

سكوكي (أميركا) 24 آب 2019

 

[email protected]mail.com