وليد هرمز يكتب عن ديوان “علم الورد” للشاعرة السويدية حنا هالغرين

غلاف ديوان حنا هالغرين 3


بياض في نور الأشغال البسيطة

 
تعتبر الشاعرة حنا هالغرين (2197ـ )  Hanna Hallgren في طليعة الشعراء السويديين المعاصرين. شاعرة وناقدة أدبية حاصلة على دكتور في الدراسات الجنسانية من جامعة لينشوبنغ، وهي أستاذة في جامعة سودرتورن ـ السويد ـ ديوانها “علم الورد” (2012)، يأتي بعد صدور خمس مجموعات شعرية لها: “شعب من أيادي ـ 2001. “البرقع ـ 2003”. “الأنا ـ 2008”. “أن تدرك العالم ـ 2009”. “الرجولة ـ 2009”.
في “علم الورد”، ديوانها الأخير ثمة مقدمة كتبها مترجم الديوان عن السويدية إلى العربية الشاعر العراقي جاسم محمد، تغطي أسئلة تُفجَّر، نزفاً شعرياً، في هذا الديوان: “ماذا يعني أن تكون أبيضاً، أو أن يوصف الشيء بالأبيض، أو أن توصف ظاهرة ما بالبيضاء؟. كيف ينظر الإنسان الأبيض إلى نفسه وهو يعي أنه ينتمي إلى جنس بشري يمارس العنف واضطهاد الآخر منذ قرون؟. كيف ينظر هذا الإنسان إلى لغته وهو ذاته فيها معيار للجمال والخير وكل ما هو إيجابي؟. ما البياض في الوعي الجمعي؟”.
لكن “الأبيضَ”، الذي يُنظرُ إليه، كمعيارٍ جمالي، في الحياة، هو: ذاك السطوعُ البهي الذي يحمل مبررات البراءة والنقاء.
لكن “حنا هالغرين”، في “علم الورد” بدلالة الشعر ومنطقه تأتي إلى وقائع تمس جراح بشرية ما زالت لها دُمُّل فاقعة في وجه الإنسانية، دمل العنصرية واللامساوات. وهي تحاول أن تفكك البياض كمفهوم يرمز للاستعمار واستغلال الشعوب الفقيرة وتكريس لعلاقات تعسفية بين الأمم كتحصيل حاصل بين منطق القوة والضعف:
لا حدود للوجه في فم الظلال
فاقد الدم
مطرٌ لا يكترثُ، يشرب
ملح المطر
وجهٌ يتوسَّعُ”.
(مطالبُ هذا الجنس البشري)
(أن يكون جنساً)
(أن يكون له ما يشبه موطنا)
(أن يعود إلى المنزل مرحباً به)
تحاولُ صاحبة “علم الورد” أن تتجاوز حدود المعنى الطُهراني للأبيض ـ سيد الألوان ـ بأن تحمله وزر الآلام ـ الألم الأشْقَر ـ الذي يفضي إلى واقع قد يحمل الكثير من الجحيم الوحشي البشع. إنه الإثم الذي سينتج عنه صرخة السخط الذي يرتد إلى نحر الوجود الأبيض:
بياضٌ في نور الأشغالِ البسيطة
حمرةٌ، من كل الدمِ الذي سال لأجْلي، كي تبقى البيوتُ الحجرية البيضاءُ وساحاتُها عامرة
أنَّ شعبيَ والمجزرة واحدٌ
والمبيضاتُ النحوية (الدبلوماسيةُ، الحوارُ) أيامٌ، أعوامٌ منزلٌ أجرينا له عملية جراحية، كل العناية
هذه بشعبنا. بالأطفال، بالرجال، بالنساء. من ينعم بالعدالة لا يحتاج للعطايا/ من ينعمون بالمساوات
قلوبهم طيورٌ تحومُ حرَّةً/ من يملك أسواراً يملك أسواراً.
قد يتماهى هذا الموقف الإنساني المتجسد “بوعيها السياسي المناصر للعدالة ووعيها بتاريخ مجتعها ولغتها مع تمردها، شأنها شأن الكثير من الشعراء السويديين من جيلها، ومعاصريها، على قواعد النحو، وانتهاجها أسلوباً تجريدياً، وكسر القوالب الشعرية الجامدة، حيث يشير المترجم في المقدمة، نقلاً عن الشاعرة: شعرها “مواصلة للمشروع الشعري السويدي الذي أرسيت دعائمه في أعوام الثمانينات من القرن الماضي كانقلاب جذري في الساحة الأدبية والذين بدورهم انطلقوا من تقاليد شعرية أوربية ابتكرها بعد الحرب العالمية الثانية الشاعر (باول تسيلان) وآخرون من جيله ومن سبقهم من الدادائيين والسورياليين.
الثيمة الأخرى التي احتواها الديوان بمجموعة نصوص طويلة النفس والعمق عدا موضوعة البياض ولغة البياض، ثيمة تاريخ السويد ومشروعها الاجتماعي المتمثل ببناء دولة الرفاهية التي يطلق عليها باللغة السويدية مصطلح (بيت الشعب)، هذه التجربة الفريدة تزامنت أيضاً، يُضيف المترجم، مع ظواهر سلبية ذات عواقب وخيمة على عددد كبير من الأفراد إذ تطلب تحقيق التجربة ابتكار قوالب تلائم غالبية المجتمع ومن لم تتسعه تلك القوالب لٌفِظ، وصار في عداد الشذوذ.
“لا يهمني الظاهرُ، أعني تعقيم الأفراد، وبضْعَ الفصِّ، ومؤسسة الأجناس البشرية،
وتجارب السكَّرِ، إنما يهمني الكامن في الفواصل، أعني، بكل بساطة السويد. بيت
الشعب، باالطبع. في السويد، حيث أنتم، نوعاً ما… اشتراكيون متخلفون عقلياً!
الإمرأة الأخرى تنحني إلى الأمام: “في السويد صورتكم عن نفسكم تَفْلون، لا أعرف
بلداً آخراً فيه.. كل شيء يسيل هباءاً، وأنتم تشعرون بجرحٍ في أعماقكم. في العشب
في الفراولة البريَّة، في الجدائل”.

 الديوان من اصدارات “دار المتوسط” ـ ايطاليا 2015

 

شاعر عراقي – السويد
[email protected]